التحديات الاقتصادية للحكومة القادمة.. وسبل مقترحة
للمواجهة!!
فلسطين/عمر شعبان
محلل وخبير في الشؤون الاقتصادية
فوجئ المجتمع الفلسطيني بردة فعل المجتمع الدولي على نتائج الانتخابات
التشريعية التي جرت في 25 كانون الثاني/يناير 2006 والتي أظهرت تقدم حركة
المقاومة الإسلامية (حماس) على الحزب الحاكم وهو حركة فتح وبعض أطر منظمة
التحرير الفلسطينية . تمثل رد الفعل الدولي العنيف في شكلين:
الإعلان بأنه لن يكون أي تعاون في المجال السياسي والدبلوماسي مع أي حكومة
فلسطينية تقودها حركة حماس على اعتبار أن هذه الحركة في نظر الغرب تقع ضمن ما
يسمونه ((قائمة الحركات الممارسة للإرهاب)). وبناء عليه سيتم وقف جميع المعونات
والمساعدات سواء المتفق عليها أو تلك التي سيتم التفاوض عليها مستقبلاً.
معلوم أن المجتمع الدولي الثري يقوم بتقديم دعم سنوي للسلطة الفلسطينية منذ
إنشائها لتمكينها من القيام بواجباتها كما صاغها المجتمع الدولي والتي تتلخص في
تنفيذ اتفاق أوسلو وتعزيز تأييد الشعب الفلسطيني لعملية السلام. فبعد التوقيع
على اتفاق إعلان المبادئ (اتفاق أوسلو) في أيلول/سبتمبر 1993، والذي تم بموجبه
تأسـيس السلطة الفلسطينية، عقد المجتمع الدولي الثري مؤتمرات دولية سنوية بهدف
توفير الدعم الفني والمالي للسلطة الفلسطينية. عقد أولها في تشرين الأول/أكتوبر
1993 في واشنطن بمشاركة 42 دولة ومؤسسة مانحة.
قرر المؤتمرون تخصيص ما قيمته 2،5 مليار دولار لدعم السلطة الفلسطينية لمدة خمس
سنوات متتالية، أي بمعدل 500 مليون دولار سنوياً. ومنذ ذلك الحين وحتى يومنا
هذا التزم المجتمع الدولي، وإن كان بدرجات متفاوتة بدعم السلطة الفلسطينية.
وكان آخرها مؤتمر المانحين الذي عقد في النرويج أواخر عام 2004، والذي تقدمت
فيه السلطة بخطة تنمية بقيمة 4،5 مليار دولار لمدة ثلاث سنوات تبدأ بالعام
2005. وهو ما تم تأكيده في مؤتمر الدول الثمانية المصنعة (G8) الذي عقد في
أسكتلندا في تموز/يوليو من العام 2005. حيث أبدت قمة الثمانية استعدادها
لمساعدة السلطة بثلاثة مليارات دولار سنوياً ولمدة ثلاث سنوات متتالية،
لتمكينها من الوفاء بالمتطلبات التي يتوقع أن يفرزها تنفيذ خطة الحكومة
الإسرائيلية بالانسحاب أحادي الجانب من محافظات غزة وأربع مستوطنات متناثرة في
شمال الضفة الغربية.
حسب تقديرات البنك الدولي وتقرير التنمية البشرية الصادر عن جامعة بيرزيت في
نهاية العام الماضي فإن متوسط المساعدات الدولية للفلسطينيين تراوحت بين 670
مليون دولار سنوياً خلال السنوات الخمس الأولى من عمر السلطة االفلسطينية
(1994-2000) حتى وصلت إلى مليار دولار سنوياً خلال السنوات الخمس التالية
(2001-2005). كذلك تقدر وزارة التخطيط حصة السلطة الفلسطينية من هذه المساعدات
بما يزيد عن 80% منها.
تشكل هذه المساعدات الدولية أكثر من 65% من الموازنة العامة للسلطة. يذهب بعض
المراقبين إلى القول أن حجم الدعم الدولي للفلسطينيين هو الثاني، بعد (إسرائيل)
منذ الحرب العالمية الثانية من حيث متوسط نصيب الفرد من هذه المساعدات، حيث بلغ
متوسط نصيب الفرد الفلسطيني حوالي 310 دولار سنويا مقارنة بـ 60 دولار للفرد في
إفريقيا.
ودون إنكار دور التمويل الدولي الهام في تمكين السلطة الفلسطينية من تنفيذ
مشروعات كبيرة، فإن التمويل الدولي الضخم للسلطة الفلسطينية خلال سنوات عمرها
الأحد عشر قد خلق حالة من الاتكالية الممرضة على المجتمع الدولي، وساهم بشكل
كبير في خلق حالة من الفساد المستشري، ظهور أنماط من الاستهلاك الترفي غير
الضروري، والأخطر من ذلك كله فإن التمويل الدولي الضخم جعل السلطة غير جادة في
تبني منهج تنموي يعزز الاستقلال والاعتماد على الذات. مما رهن الموقف السياسي
الفلسطيني في مرات كثيرة بمزاجية الدول المانحة. حيث يدرك المجتمع الدولي أن
وقف المساعدات المالية لأي حكومة فلسطينية غير متماشية مع النهج السياسي الدولي
هو بمثابة تهديد بالضربة القاضية. وهذا تأكيد آخر أن التمويل الدولي المفرط
للفلسطينيين لم يكن بهدف مساعدتهم بقدر ما هو جعلهم أكثر اعتمادية على الخارج
بما سينتج عنه بالضرورة إضعاف للموقف السياسي.
الأزمة والتحديات
جاءت الأزمة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الخانقة التي يعانيها المجتمع
الفلسطيني بشكل أساسي نتيجة لسياسات الاحتلال الممنهجة ضد جميع مكونات المجتمع
الفلسطيني خلال سنوات الانتفاضة الخمس. والتي تمثلت في إضعاف متعمد لبنية
مؤسسات السلطة الخدمية والانتاجية، تدمير مؤسسات القطاع الخاص وخاصة القطاع
الزراعي والصناعي، بناء جدار الفصل العنصري والذي فصل عشرات آلاف الفلسطينيين
عن مصادر رزقهم، كذلك سياسة فرض الحصار، منع وصول المواد الخام ومصادر الطاقة،
إلخ. ساهمت سياسات السلطة غير الرشيدة في جعل أثر سياسات الاحتلال أشد ضراوة،
لذا فإن الحكومة القادمة سترث أزمة خانقة يعيشها المجتمع الفلسطيني منذ فترة
طويلة، حيث إن التمويل الدولي متوقف منذ أيلول/سبتمبر 2005 بسبب عدم رضا
المجتمع الدولي عن حجم الإصلاحات التي كان على السلطة الفلسطينية القيام بها.
يمكن تلخيص أهم ملامح الأزمة المورثة للحكومة القادمة فيما يلي:
عجز في الموازنة
بلغت موازنة السلطة لعام 2005 ما قيمته 2 مليار ومائتان وعشرين مليون دولار
وذلك بزيادة قدرها 20% عن موازنة 2004. افترضت وزارة المالية المكلفة بإعداد
موازنة السلطة أن يتم تغطية أكثر من60% منها من الدعم الخارجي. في حين أن ما
دفعته الدول المانحة حتى نهاية عام 2005 لم يزد عن 450 مليون دولار أي أقل من
40% من توقعات وزارة المالية. وقد أكد البنك الدولي أن العجز في موازنة السلطة
لعام 2005 وصل إلى مليار دولار. وهنا يجب التساؤل لمصلحة من كان التضخيم
المتواصل لموازنة السلطة الفلسطينية دون الأخذ في الاعتبار طبيعة الظروف
السياسية التي نعيشها قد أوصلنا إلى هذه الحال. فليس هناك دولة ترهن 60 % من
موازنتها، أي حاضرها، مستقبلها، برامجها، وجودها ومصداقيتها أمام شعبها لنوايا
وتعهدات المجتمع الدولي. وبمقارنة بسيطة بين موازنة السلطة الفلسطينية وموازنة
دول تكبرنا عدة مرات، من حيث المساحة، عدد السكان، حجم الموارد، الاستقرار
السياسي وكذلك طبيعة برامجها تجاه شعوبها، على سبيل المثال: الأردن (5) مليار
دولار، سوريا (10) مليار دولار، السعودية (75) مليار دولار، موريتانيا (1)
مليار دولار نخلص إلى القول أن تضخيم الموازنة لم يكن مبرراً أو منطقياً لم يكن
يصب في مصلحة الوطن العليا.
الموارد وتوظيف التمويل
إن توزيع بنود الصرف في الموازنة العامة لا يعكس أي نهج تنموي مستدام، فقد تم
تخصيص أكثر من ثلثيها للمرتبات وأقل من الثلث لمشاريع التطوير، وحصلت الوزارات
المسؤولة عن القطاعات الإنتاجية، كالزراعة والصناعة والسياحة والتعليم على
القليل مقارنة بالمؤسسات والهيئات الحكومية الخدمية، مما رسخ وضاعف حالة الفقر
والبطالة وجعل من الموازنة عبئاً على كاهل المجتمع الفلسطيني بدلاً من أن تكون
أداة وبرنامجاً تنموياً حقيقياً. كذلك فإن عملية إعداد الموازنة منفصلة تماماً
عن عملية إعداد خطة التنمية التي تعدها وزارة التخطيط وهذا ما أشار إليه وزير
التخطيط غسان الخطيب، الذي قال في كانون الأول/ديسمبر من العام الماضي للمركز
الصحفي الدولي (الهيئة العامة للاستعلامات): إن عملية صياغة الموازنة والخطة
منفصلان، وهذا أمر لا يصدق!! أن لا يتم تنسيق خطة التنمية للسلطة الفلسطينية مع
موازنة السلطة.
وصرح مدير البنك الدولي في فلسطين نايجل روبرتس بمناسبة انتهاء عمله في الأراضي
الفلسطينية أن على السلطة الفلسطينية إما تخفيض الرواتب أو تخفيض عدد الموظفين.
كذلك امتنعت الدول المانحة في مؤتمر لندن الذي عقد في منتصف كانون الأول/ديسمبر
من العام الماضي عن مواصلة دعم السلطة نظراً لتقاعسها عن تنفيذ إصلاح حقيقي في
الإنفاق العام. كذلك أوقف الاتحاد الأوروبي صرف دفعة من المساعدات بقيمة 35
مليون دولار في 20 كانون الثاني/يناير 2006 معللاً ذلك بعدم اتخاذ السلطة أي
إجراءت إصلاحية. هذا يؤكد أن مؤشرات الأزمة قد لاحت في الأفق منذ شهور، فلماذا
لم يتم أخذ ذلك في الاعتبار بالبدء في إجراءات وقائية؟ بل تم الإمعان في الصرف
غير الضروري والذي تمثل في زيادة آلاف الموظفين الجدد، عدم إيقاف المصروفات غير
الضرورية كالسفر، السيارات الفارهة، الترقيات غير المبررة، تضخيم مرتبات أعضاء
المجلس التشريعي إلخ. كذلك لم يتم مصارحة المجتمع الفلسطيني بحقيقة الوضع بل تم
زيادة رواتب العسكريين، وبدء تنفيذ قانون الخدمة المدنية الذي استدعى نفقات
إضافية ضخمة!. وقد أعلن النائب العام الفلسطيني في بداية الشهر الحالي عن بدء
التحقيق في خمسين قضية فساد يتهم أصحابها بسرقة أو إهدار 700 مليون دولار. وهذه
المبالغ هي النزر اليسير من ملفات الفساد المعروفة والموثقة. ولإدراك معنى هذا
الرقم نبيّن أن هذا المبلغ كاف لدفع رواتب جميع موظفي الحكومة لفترة ثمانية
شهور!!
ترهل الجهاز الحكومي
يبلغ عدد موظفي القطاع العام136000 موظف من بينهم 58000 عسكري تستحوذ رواتبهم
على أكثر من ثلثي الموازنة. وهي باتت تشكل عبئاً ثقيلاً دائماً على موازنة
السلطة العامة. كذلك يتصف الجهاز الحكومي بعدم فاعليته الإدارية على الرغم من
ضخامته العددية، كذلك يتصف بفقره للكفاءات المتخصصة حيث كان يتم التوظيف في
معظم الأحيان حسب معايير غير موضوعية وضمن فلسفة المحاصصة السياسية. ستواجه
الحكومة القادمة تحدياً كبيراً والذي يتمثل في كيفية إعادة الحياة إلى هذا
الجهاز البيروقراطي الضخم وتعزيز التعاون بين بعض الوزارات التي كان عملها يوصف
بالأحادية والفردية والمزاجية وانعدام الخطط والرؤية.
ارتفاع نسب البطالة
تؤكد المؤشرات الصادرة عن البنك الدولي والأنروا ومركز الإحصاء الفلسطيني تزايد
نسبة الفقر في المجتمع الفلسطيني إلى مستويات خطيرة جداً، حيث تؤكد أن أكثر من
65% من الفلسطينيين يعيشون على أقل من دولارين يومياً وهو معدل الفقر النسبي،
كذلك فإن حوالي 20% يعيشون على أقل من دولار واحد في اليوم وهو مستوى الفقر
المدقع، أو بعبارة أخرى 20 % من المجتمع الفلسطيني يعيش في مجاعة. كذلك بلغت
مستويات البطالة حوالي 70% خاصة بين الشباب الخريج والذين يقدر عددهم بأكثر من
خمسين ألف خريج جامعي عاطل عن العمل، يضاف إليهم سنوياً حوالي 45000 طالب عمل
جديد ومن بينهم 10000 خريج جامعي. إن زيادة نسب البطالة والفقر قد نتج عنها
مشاكل اجتماعية خطيرة مثل: زيادة نسب التسرب من المدارس والتعليم العالي، زيادة
نسب الجريمة، عمليات السطو المسلح، سلب الممتلكات العامة والخاصة، والاعتداء
على القانون العام وانتشار ظواهر الفلتان الأمني وخطف الأجانب العاملين في
فلسطين. وهذه ظواهر انتشرت كثيراً في العامين الأخيرين مما أساء لصورة القضية
الفلسطينية في الخارج ووضع السلطة الفلسطينية في موقف حرج جداً أمام شعبها
وأمام المجتمع الدولي. إن فرض هيبة القانون وتعزيز سيادة النظام ومحاربة أخذ
القانون باليد ستشكل تحديات هامة جداً على المستوى الداخلي لأي حكومة قادمة،
وستكون هذه القضايا مؤشرات قياس على مدى نجاحها.
برنامج اقتصادي مقترح للحكومة الجديدة
التحديات المتوقعة تفرض على الحكومة القادمة انتهاج فلسفة عمل جديدة تستند على
العناصر التالية:
- نضج سياسي يتمثل في إعادة تعريف السلطة الوطنية الفلسطينية لنفسها بحيث تكون
سلطة حاملة أمينة للمشروع الوطني الذي يكتنز طموحات الشعب نحو الحرية
والاستقلال وليست ممثلة لفئة أو شريحة محدودة وقليلة العدد.
- السعي بشكل دائم ومنهجي للحصول على دعم ومؤازرة المجتمع الفلسطيني وقواه
السياسية والاجتماعية والنقابية.
- لقد أثبتت التجارب الحديثة ما هو ليس بحاجة إلى إثبات أيضاً، وهو أن القيادات
الملتصقة بجماهيرها هي الأكثر حماية والأكثر قدرة على مواجهة التهديدات سواء
الخارجية أو الداخلية. إن السياسات التي تلقى دعماً جماهيرياً تكون دائماً أكثر
جدوى وأقل تكلفة.
- القيام بحملة شاملة وحقيقية لمحاربة الفساد الذي تفشى في السنوات الماضية،
كذلك تفعيل القوانين الكفيلة بمنعه مستقبلاً، انتهاج شفافية عالية في تخطيط
وتنفيذ وتقييم البرامج لضمان تعظيم النتائج وتقليل التكاليف، وبما يكفل التأييد
الجماهيري للسلطة وبرامجها. وهذا يشمل مكافحة شركات الاحتكار التي تساهم في
إفقار المجتمع الفلسطيني وحرمانه من موارده.
- خلق تعاون حقيقي بين الوزارات ذات العلاقة والقضاء على حالة التنافس والصراع
فيما بينها، كذلك داخل الوزارة الواحدة. كذلك التنسيق والتعاون المبني على
الثقة مع مؤسسات المجتمع المدني.
- تبنّي سياسة التقشف فعلاً لا قولاً، بما يستوجب التقليص الكبير في بنود الصرف
الترفي والاستهلاكي غير المنتج، اقتناء السيارات، إيجارات الوزارات، السفر
للخارج، الحفلات ومراسم الاستقبال والوداع.
- تعزيز سيادة القانون والمحاسبية. لا يمكن لمجتمع أن يتطور ويحقق جزءاً
مرموقاً من طموحاته إلا في ظل مجتمع تسوده سيادة القانون، تعزيز سياسة إثابة
المحسن وعقاب المسيء وتطبيق مبدأ تكافؤ الفرص.
- تعزيز التصدير نحو الدول العربية والإسلامية والعمل على تفعيل اتفاقيات
التجارة الحرة مع الاتحاد الأوروبي، الولايات المتحدة الأمريكية والاستفادة من
التسهيلات التي منحتها بعض الدول العربية والإسلامية للمنتجات الفلسطينية.
- إلزام البنوك العاملة في فلسطين لضخ نسبة أكبر من الودائع في السوق
الفلسطينية ودفعها للاستثمار في المجالات التنموية ذات التأثير بعيد المدى.
- تعزيز التكامل السلعي والخدماتي بين محافظات غزة ومحافظات الضفة الغربية بما
فيها القدس بما يصب في النهاية في صالح البعد الوطني.
- تعزيز جوانب البحث والتطوير والإبداع وتطوير برامج التعليم والتدريب الفني
والإداري والارتقاء بنظام التعليم في جميع مراحله. تخصيص موازنات كبيرة نسبياً
لدعم التعليم العالي والتعليم التقني، ودعم التخصصات المرتبطة بحاجات السوق.
- وضع خطة متكاملة لاستغلال الأراضي المُخلاة ضمن الأسس المشار إليها وبما يحفظ
حق الأجيال القادمة في ثروات الوطن.
- إعادة فتح ملفات صندوق الاستثمار الفلسطيني الذي يدرّ استثمارات مملوكة
للسلطة الفلسطينية تقدر بمليار ونصف المليار دولار، كذلك ملف حقول الغاز في بحر
غزة، وملف شركة الكهرباء وهيئة التبغ، إلخ.