الآفاق السياسية القادمة:
حماس تقود القضية الفلسطينية الى مرحلة تاريخية
القدس/مها عبد الهادي
أفرز فوز حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في الانتخابات البرلمانية الفلسطنية
بشكل ساحق العديد من الأسئلة وعلامات الاستفهام حول توجهات السياسية الفلسطينية
الجديدة داخلياً وخارجياً في العديد من المجالات خصوصاً الجانبين السياسي
والاقتصادي خلال المرحلة المقبلة.
من يملك حق التفاوض مع الدولة العبرية؟ فوفق السياسة الفلسطينية فإن من يملك
هذا الحق ليس السلطة الفلسطينية أو المجلس التشريعي. فالقانون الأساسي لم يعط
هذا الحق لرئيس السلطة، وإنما تنفرد منظمة التحرير الفلسطينية بهذا الحق، لكن
كون الرئيس أبو مازن رئيس منظمة التحرير الفلسطينية أيضاً فإن هذا يبقي الأمور
التفاوضية تحت إشرافه وسيطرته. وهذا الواقع يضع حركة حماس في الحقيقة أمام
خيارات صعبة، وهي ستكون أمام وضعين: إما أن تلجأ للتنسيق مع رئيس السلطة
الفلسطينية وعدم التصادم معه لما يملكه من صلاحيات قد تؤثر على عمل الحكومة،
وإما ستلجأ للانضمام لمنظمة التحرير الفلسطينية بصورة لا تؤثر على مصداقيتها في
الشارع الفلسطينية وبما لا يتعارض مع مبادئ دستورها، وإن كانت هذه العضوية
ستدفعها بالواقع إلى مواجهة قضية الاعتراف بالدولة العبرية خصوصاً وأن المنظمة
تشترط للانضمام إليها الاعتراف بميثاقها المعدل في زمن رئاسة كلينتون والذي
شطبت منه بنود أشارت بصورة أو بأخرى للقضاء على الدولة العبرية وعدم الاعتراف
بها، إلى جانب احترام كل الاتفاقيات التي وقعت عليها منظمة التحرير بما فيها
اتفاقات ((أوسلو)).
تواصل سياسي
وضع الكثير من المراقبين بعد فوز حماس سيناريوهات متعددة حول العلاقة المتوقعة
مع الكيان الصهيوني، وقال البعض إن حماس في الجانب السياسي ستكون مضطرة بعد
فوزها لمواجهة الواقع، لأن هناك فرقاً شاسعاً برأيهم بين المعارضة وبين تسلّم
المسؤوليات التي تترتب عليها حياة الشعب الفلسطيني، وقالوا إنه يستحيل تسيير
الحياة اليومية دون تواصل مع الجانب الصهيوني بحكم الأمور الأساسية من مياه
وكهرباء ومعابر وجمارك وغيرها الكثير كونها مربوطة لحد كبير مع الجانب الصهيوني
وهذا بحكم الواقع يحتّم على حماس برأيهم إيجاد صيغ للتعامل مع الصهاينة.
وهذه الإشكالية أدركتها حماس منذ البداية، فهي تعلم جيداً أن الوصول إلى السلطة
وتسلّم زمام الأمور له تبعات بديهية، وهو ما سارع قادة الحركة الى توضحيه، وهو
ما ورد فعلاً على لسان رئيس قائمة حماس للانتخابات البرلمانية إسماعيل هنية
الذي حدد خلال ندوة سياسية نظمها مجلس طلاب الجامعة الإسلامية في مدينة غزة
بداية شهر شباط/فبراير الماضي أربعة ملفات رئيسية تسعى الحركة للعمل وفقها في
الحكومة الجديدة، تتعلق بالملف السياسي والملف الاقتصادي، والملف الأمني إضافة
إلى ملف الإصلاح الداخلي.
وتشير تصريحات قادة الحركة إلى أن الحركة اشتقت رؤية سياسية جديدة حول التوصل
لحكومة وطنية مشتركة تقوم على التمسك بالثوابت والأهداف الوطنية والتعامل مع
المرحلة بما تقتضيه المصلحة الفلسطينية، وهذه الرؤية كما تقول التصريحات لا
تتعامل مع الواقع ضمن سقف محدود من الأعوام بل بتمكين قواعد إقامة الدولة
الفلسطينية المستقلة على أسس قوية ومتينة، في إطار التحرك مع الواقع السياسي
المحيط من منطلق ضرورة تعزيز المجتمع بخالقه وبدينه الإسلامي.
وتشدد هذه الرؤية كما جاء في ذات التصريحات على المصالحة الوطنية الشاملة
وحماية الوحدة الوطنية الداخلية والدم الفلسطيني والعمل على تعزيز لغة الحوار،
كما تعتمد على سياسة الرقابة والمحاسبة وترشيد استهلاك الأموال.
السياسة الفلسطينية
من خلال الحديث السابق والتصريحات المنقولة على لسان قادة حماس المنتظر أن
يديروا دفة الحكومة القادمة، يمكن التكهن بمسار السياسة الفلسطينية المقبلة في
مختلف الاتجاهات والتي سيكون عنوانها ((سياسة البحث عن الفرص))، وهي سياسة تضع
بدائل لآليات التصرف حتى في أسوأ الظروف، وهو ما لجأت إليه حماس حتى الآن في
محاولة لكسر الحصار والضغوط المفروضة عليها من قبل الجانبين الصهيوني والأمريكي
منذ إعلان فوزها، وهذه السياسة تحاول وضع البدائل حتى في حال نجح الجانبان
الصهيوني والأمريكي في تشديد الحصار حول الحركة بالضغط على دول العالم وخاصة
الاتحاد الأوروبي بعدم إقامة علاقات سياسية أو اقتصادية مع الحركة أو حتى تقديم
مساعدات لها.
ويمكن التكهن بأن مسار السياسة الفلسطينية المقبلة سيتناول ما يلي:
1- التشديد والتركيز على تحقيق المصداقية السياسية للحركة المرتبطة بالبعد
الأيديولوجي الإسلامي، فالحركة أكدت مراراً بأنها تمثل المصداقية الإسلامية ثم
الوطنية وبالتالي السياسية.
2- ستسعى حكومة حماس القادمة إلى ترشيد الحياة السياسية الفلسطينية، بوضعها على
سكة المؤسسة والعلاقات الديمقراطية والمشاركة، وتصويب المعادلة بين معركتي
التحرير والبناء، وإعطاء الأولوية للمصالح الوطنية لا المصالح الفصائلية
الضيقة.
3- من المتوقع أن تسارع حماس إلى إعلان انضمامها إلى منظمة التحرير الفلسطينية
وهو قرار ليس بالجديد على الحركة، إذ إن حماس أعلنت مراراً وقبيل الانتخابات
البرلمانية عن نيّتها بالانضمام وهو ما ورد على لسان د. محمد غزال في 28/3/2005
بأن الحركة اتخذت قراراً بالدخول إلى منظمة التحرير الفلسطينية، وذلك إثر لقاء
مع الرئيس محمود عباس. وقال غزال إن قرار المشاركة جاء بعد مداولات ومشاورات
مستفيضة شملت مؤسسات الحركة وهيئاتها القيادية في الداخل والخارج، وأكد أن هذا
القرار يأتي لتعزيز (نهج الحركة في خدمة الشعب الفلسطيني في كل المجالات
والميادين ورعاية شؤونة ومصالحه... وتحقيق الإصلاح الوطني الشامل والحقيقي...
ومعالجة كل جوانب الفساد...).
4- التعامل مع الضغوط: لا شك بأن حماس تعاملت مع الضغوط المحيطة قبيل وبعد
الانتخابات بمنطقية وتعقّل، فقدرت الموقف وتعاطت مع الأحداث ضمن خطوط حمراء لم
تتجاوزها.
5- حماية سلاح المقاومة: ففي ذات الوقت الذي أكدت حماس فيه على ضرورة تنظيم
السلاح الداخلي، إلا أنها شددت على ضرورة حماية سلاح المقاومة وهو ما يعني بأن
الحركة لن تُسقط هذه الورقة الرابحة من يدها، وإن كانت استراتيجيات توجيه هذا
السلاح ستختلف عن الماضي. فلا ريب بأن انخراط حماس في معترك السياسة، وانغماسها
في تفاصيل العمل السياسي اليومي المنهِك، كفيل بأن يُطوّر اهتماماتها السياسية،
ويجعل من عملها العسكري أداة مساندة لتحقيق أهدافها السياسية، وهذا كفيل بأن
يُنضج رؤاها ومواقفها وسياساتها بحيث تخرج أكثر حكمة ورشداً وصوابية، ويدفعها
للتعاطي المتواصل مع هموم وقضايا الجمهور الفلسطيني.
فالواقع المرير الذي تعيشه الضفة، والاستيطان الذي يبتلع أرضها، وجدار الفصل
العنصري الذي يهدم حياتها، والممارسات البشعة التي تستهدف أهلها في شتى مناحي
حياتهم، كفيلة بإيقاد شعلة المقاومة وإذكاء جذوتها وإدامة توهجها مهما كانت
المغريات أو المحبطات أو المعوقات، والإبقاء على مسار المقاومة حاضراً في عمق
الواقع مهما بلغت تعقيدات وجواذب السياسة وظروفها الضاغطة أو الالتفافية.
فقد تشتد وتائر المقاومة حيناً، وقد تخبو حيناً آخر، وقد تضطر للتساوق مع جهد
ما لتحقيق غرض أو مصلحة في إطار هدنة ما، إلا أن خيار المقاومة يبقى مُشرّعاً
دون إلغاء، ووسيلة لا فكاك عنها لاستعادة ما اغتصب من الأرض والمقدسات، مما
يعني أن التعويل على خضوع حماس لمنطق السياسة البحت بعيداً عن العسكرة لا يستند
إلى رؤية منهجية أو تقييم واقعي.
6- تعزيز العلاقة الوطنية مع المحيط الإقليمي والدولي والتواصل معهما والانفتاح
على الجميع: لا شك بأن حماس كسبت نقطة جديدة في إطار جهودها لكسر الطوق
الأمريكي – الصهيوني الذي كان –حتى وقت قريب- هاجساً يتربص بمسيرتها السياسية،
حيث نجحت الحركة بامتلاك أزمّة التأثير، وآليات الشراكة في صنع القرار على
الساحة الفلسطينية وفتح آفاق جديدة لهذا التأثير في الخارج.
7- أما في جانب العلاقة مع الكيان الصهيوني فقد عرضت الحركة على لسان عدد من
قادتها هدنة لعدة سنوات مع دولة الاحتلال مقابل شروط، يقف على رأسها وقف سياسة
الاغتيالات بحق المقاومين الفلسطينيين وإطلاق سراح الأسرى من السجون الصهيونية.
وهنا انتهجت حماس جانب الحكمة بخصوص عرض الهدنة: فهي لم تلجأ إلى عرض تهدئة
مفتوحة مع الاحتلال، وبنفس الوقت لم ترفض فكرة الهدنة أولئك من حيث المبدأ،
فالتهدئة برؤية حماس شأنها شأن أية قضية أو ممارسة سياسية وطنية، ينبغي أن توزن
بميزان المصلحة الوطنية الواسعة لا المصلحة الفئوية الضيقة، وأن ترتبط بمحددات
وضوابط واشتراطات في إطار تبادلي، يُمثل ثمنها المَجْبي إسرائيلياً لا أن تكون
خياراً مجانياً، وسلوكاً من طرف واحد.
وكما يبدو فإن حماس استخلصت دروس التجربة المُرّة من ((الهدنة)) التي أعلنت من
الطرف الفلسطيني، وحاول الكيان الصهيوني استغلالها لأقصى حد ممكن، فزاد من
عمليات الاغتيالات والتصفية ضد قادة وكوادر ومقاومي هذه الحركات، ولم يوقف
اعتداءاته المتواصلة، كما لم يوقف توغلات قواته في المدن والمخيمات والقرى،
وحملات الاعتقال وكل أشكال الاعتداءات الأخرى.
وبناء على ما تقدم اعتبرت حركة حماس أن أي حديث عن هدنة جديدة لا بد وأن يسبقه
تحقيق بعض الأمور وترجمة ذلك عمليًّا؛ وذلك لتجاوز ما حصل خلال تعليقهما
للعمليات والذي استغله الكيان الصهيوني في زيادة عدوانه. ولذلك فإن هدنتها
الجديدة تسعى إلى: حق الشعب الفلسطيني في الدفاع عن نفسه ومشروعية مقاومته
للاحتلال، وقف العدوان الصهيوني، الاستعداد لتحييد المدنيين من جانبي الصراع.
وبالرجوع إلى تاريخ الحركة نجد أن حماس أوضحت في مجمل الأدبيات التي تبنّتها
والتصريحات التي أطلقتها، وبعد انطلاقتها بسنة واحدة، ((أنها لا تمانع في أن
يكون حل القضية الفلسطينية على مرحلتين)):
1- حل معجل: تنسحب فيه (إسرائيل) من أراضي 67، تبدأ من القدس وتجري فيه ترتيبات
عاجلة لانتخاب ممثلين عن الشعب الفلسطيني، مقابل هدنة مع الاحتلال لمدة معلومة،
ولا تتضمن اعترافًا بـ(إسرائيل) أو إعطائها شرعية لاحتلال بقية فلسطين.
2- حل مؤجل: تحشد فيه الطاقات العربية والإسلامية والفلسطينية للتحرير الشامل
والكامل لكل الأرض الفلسطينية من البحر إلى النهر.
وفي كل العروض التي قدمتها الحركة لإجراء هدنة مع الكيان الصهيوني كانت تفصيلات
وشروط حماس بقبول الهدنة تؤكد على عدة أمور أهمها: التوقيت لمدة معينة، عدم
الاعتراف بالدولة العبرية، عدم التنازل عن باقي الأرض، عدم التخلي عن سلاحها،
بل وتقويته.