الحكومة الفلسطينية
الجديدة:
عراقيل للإطاحة بالأولويات
بعد انتهاء الإجراءات الرسمية من تسلّم
وتسليم في المجلس التشريعي، وقيام الرئيس محمود عباس بتكليف إسماعيل هنية رئاسة
الحكومة إثر اختيار حماس له، دخلت الحكومة الفلسطينية مرحلة التشكيل في فترة
زمنية تتراوح من ثلاثة إلى خمسة أسابيع.
على الحكومة الفلسطينية الجديدة أن تواجه أولاً محاولات ((السلطة الفلسطينية
القديمة)) تقييدها، وحصرها في معادلات سياسية لا تتوافق مع توجهاتها. فأبو مازن
شدّد في خطابه أمام المجلس التشريعي الجديد ذي الغالبية الحمساوية وفي كتاب
التكليف الرسمي على توجهاته السياسية له ولفتح و((للسلطة الفلسطينية القديمة))،
والمتمحورة حول الاعتراف بـ(إسرائيل) واعتماد التفاوض والتخلي عن السلاح
واحترام الاتفاقيات الموقعة ونبذ العنف، أي أنه يريد لحماس أن تحكم بمشروع فتح
لا بمشروعها هي.
ممكن أن يُفهم ذلك على أنه محاولة من أبو مازن لتجاوز أزمة قادمة أو لتخفيف
الضغوط الدولية أو لطمأنة فتح، لكن من الخطأ أن يظل أبو مازن متمسكاً بهذه
الشروط لأنه يدرك التباين السياسي بينه وفتح وبين حماس. أما من الناحية
السياسية فيخطئ أبو مازن حين يحاول إرغام حماس على قبول رأيه هو، أو حين يطلب
من حماس التنازل سياسياً عن ثوابت أساسية وحساسة خاصة وأن العدو لم يقدّم أي
تنازل.
المعضلة الثانية التي تحاول حماس حلحلتها هي تشكيل حكومة وحدة وطنية تضم جميع
القوى والفصائل، تطمئن الشارع الفلسطيني، وتتصدى لمطالبه وتمثّل نموذجاً للحكم،
ومقدمة لصياغة رؤية سياسية فلسطينية مشتركة، ممكن أن تنطلق من الموقف الذي صيغ
في اتفاق القاهرة آذار/مارس 2005. ولعل حماس تدرك حجم الأوزان والأحجام التي
أفرزته الانتخابات، لكن الحركة تنحاز إلى فلسفتها ورؤيتها، القائمة على
الشمولية والتعددية.
وإذا كانت بعض الفصائل تريد الجلوس في مقاعد المعارضة، فتلك قضيتها، لكن حماس
لن تتقاعس عن الحوار مع الجميع وتقديم الخيارات المختلفة، وإنجاز شراكة سياسية
حكومية فعلية.
ولعلّ الحوار الأهم هو الذي يمكن أن يتم بين فتح وحماس باعتباره حواراً بين
نهجين، إلا أن عدم دخول فتح إلى الحكومة لا يعني سقوط هذه الحكومة أو إصابتها
بالفشل.
فحماس قادرة من خلال حواراتها على ضم أطراف أخرى، والحركة ستضع ثقلها خلف
الحكومة التي تشكلها. لكن ستجد حماس صعوبة في الدخول في صيغ سياسية مشروطة أو
لا تتجاوب مع قناعاتها على الرغم من استعدادها للحوار. وعلى القوى الأخرى أن
تتفهم القواسم المشتركة وأن تفرق بينها وبين الرؤية السياسية المرحلية، إذ لا
يجوز تحميل الحكومة ما تأخذه السلطة لنفسها، وهنا أساس الإشكالية. ففتح والسلطة
القديمة من جهة تدعوان الحكومة إلى الاعتراف بـ(إسرائيل) واحترام الاتفاقيات
معها، ومن جهة ثانية تصفان الحكومة بأنها حكومة إدارة يومية للحياة الفلسطينية.
إذاً، وبعيداً عن الاصطفاف السياسي، ممكن أن تتحول الحكومة التعددية، إلى نموذج
مشجع لرؤية سياسية أوسع.
ولو أرادت فتح والسلطة القديمة إبداء مرونة لتوجب عليهما الكفّ عن وضع العراقيل
في وجه الحكومة الجديدة، ومنها التوظيف الكثيف وإصدار مراسيم لاستلاب الحكومة
أذرعها العاملة.
أما بشأن الفريق الحكومي فإن شروط حماس للانضمام إليها منسجمة مع برنامج حماس
الإصلاحي، وهي عناوين عادية وطبيعية تتعلق بالكفاءة والخبرة والنزاهة، ولم
يُعرف عن حماس أنها وضعت ((فيتو)) على أحد، ولكن هناك من استبق بوضع ((فيتو))
على نفسه.
أولويات الحكومة الجديدة ستتركز حول إصلاح المؤسسات وحل المشاكل الإنسانية
للمواطن ومعالجة التمويل وإنشاء المشاريع وتشجيع الاستثمارات وتعزيز العلاقات
مع الأصدقاء والحلفاء. أما القضايا السياسية فلها اهتمام أساسي مثل الوحدة
الوطنية ودعم المقاومة والتمسك بحق العودة، وتحرير الأسرى ورفض الاحتلال.
ولعل هناك من سيفاجأ في الساحة الفلسطينية إذا كان يراهن على إمكانية إسقاط هذه
الحكومة وإجراء انتخابات مبكرة. لأن حسابات الحقل غير حسابات البيدر، وحماس في
جعبتها الكثير من الأوراق، لذلك لن تكون محاولات الحصار الدولي مستحيلة
التجاوز.
كيف سترد حماس على هذه العراقيل؟
بيدو أن حركة حماس تستند في حواراتها لتشكيل وإطلاق الحكومة الجديدة إلى
العناصر التالية:
-دعم شعبي وجماهيري كثيف أعطاها الأغلبية في البرلمان. هذا الالتفاف حول حماس
يمنحها الثقة والطمأنينة في العمل والحركة.
-رغبة الشارع في الإصلاح والتغيير ومواجهة الفساد.
-اقتناع المجتمع الفلسطيني بكفاءة الجسم القيادي والتنظيمي للحركة ومؤهلاته
العلمية والأكاديمية.
-علاقات حماس العربية والدولية الواسعة.
-رغبة حماس في البذل والعطاء وتقديم الجديد.
-شعور حماس بأن أي ضغط خارجي عليها سيعطيها قوة داخلية والتفافاً شعبياً
أكيداً.
-قدرة حماس الهائلة على توفير البدائل.
-اقتناع حماس بأنها لن تذرف الدمع على سقوط السلطة، وشعورها بخسارة هائلة سيشعر
بها الآخرون في حال سقوط السلطة أكثر مما تشعر بها هي.
-وجود قناعة لدى الحركة بأن أطرافاً فلسطينية كثيرة حريصة على المشاركة في
الحكومة الجديدة وإنجاح التجربة.
-اطمئنان حماس إلى تأييد اللاجئين خارج فلسطين لها.