مؤتمر فلسطينيي أوروبا الرابع:
عرس فلسطيني يطالب بالعودة والانتخابات ويرفض الحصار
مالمو/رأفت مرة
لم يعد مؤتمر فلسطينيي أوروبا مؤتمراً لهم وحدهم، بل صار مؤتمراً عالمياً إن
صحّ التعبير، وحدثاً سياسياً مهماً على الخارطة الأوروبية، فضلاً عن أن المؤتمر
أصبح مَعلماً من معالم التمسك بحق العودة ومناسبة لتجديد التمسك بهذا الحق.
مؤتمر فلسطينيي أوروبا الرابع المنعقد بتاريخ 6/5/2006 في مالمو في السويد
تحوّل هذه المرة من مؤتمر شعبي ثقافي إعلامي، إلى حدث سياسي له امتداداته
الدولية، وذلك بعدما منحت السويد وزير الدولة لشؤون اللاجئين الفلسطينيين في
الحكومة الفلسطينية الدكتور عاطف عدوان تأشيرة دخول، وهي أول تأشيرة تُمنح
لوزير من الحكومة الفلسطينية المنتخبة لدولة أوروبية، مما ساهم في كسر الحصار
المفروض على الحكومة الجديدة، وفتح مجالاً للتواصل بين الحكومة الفلسطينية وبعض
الأطراف الأوروبية.
هذا الإنجاز/الاختراق لا يسجل للسويد فقط؛ بل لمنظمي المؤتمر ولمركز العودة
الفلسطيني في لندن ولمركز العدالة الفلسطيني في السويد.
المؤتمر كان مميزاً بكل فاعلياته، إنه تجاوز المدلول العلمي لكلمة مؤتمر، هو
بالأصح يوم فلسطين في أوروبا.
وفود فلسطينية أتت من هولندا وألمانيا والنمسا وفرنسا والنرويج والدانمارك،
حافلات وباصات حملت الفلسطينيين لأكثر من عشرين ساعة. وتميز المؤتمر بحضور
لاجئين فلسطينيين من مخيمات الضفة وغزة وسوريا ولبنان.
عائلات أتت بأكملها، الزوج والزوجة والأولاد.
نساء فوق الثمانين عاماً كنّ يهتفن لفلسطين.
فتيان وفتيات وُلدوا في أوروبا لم يشاهدوا فلسطين، لا هم ولا آباؤهم ولا
أمهاتهم، حملوا أعلام فلسطين وأخذوا يهتفون للأرض وللدار.
مجموعة من الفلسطينيين في هولندا دخلت مكان انعقاد المؤتمر وهم يغنون ((والله
لزرعك بالدار يا عود اللوز الأخضر)). النساء الفلسطينيات من الدانمارك أمضين
أياماً طويلة وهنّ يعدين الطعام للمشاركين. أطباق فلسطينية ملأت المكان وكأنك
في حيفا أو عكا.. التبولة والفطائر والصفيحة باللحمة وورق العنب المحشو باللحم
والأرُز.
رفضوا أخذ قرش واحد ثمناً للطعام حين عرفوا أني من لبنان.
أشرطة تسجيل تتضمن أناشيد عن الوطن والقدس والأرض تباع إلى يسار المدخل.
يقابلها معرض صور للفنانة الفلسطينية أمية جحا.
على يسار المدخل أيضاً قاعة كبيرة اعتلتها فرقة أناشيد أتت من ألمانيا كانت
تنشد طوال الوقت. أخبرني صديق فلسطيني جاء من ألمانيا أن هذه الفرقة كانت تنشد
لفلسطين طوال الطريق من ألمانيا إلى السويد.
على المدخل عشرات الفتيان والفتيات يسجلون أسماء المشاركين والمشاركات ويوزعون
الإصدارات والمطبوعات.
على مدخل القاعة سيدة فلسطينية تحتج بصوت مرتفع أمام المشرفين على النظام لأنها
تريد إدخال فريقها من الأولاد إلى قاعة المؤتمر حيث ستعقد جلسة الافتتاح،
والمسؤول عن النظام يخبرها بلطف وأدب أن للأطفال مكاناً خاصاً، وأن هذه القاعة
مخصصة للكلمات، فتطمئن المرأة وتقتنع مادام الأولاد في أيد أمينة.
ماجد الزير مدير عام مركز العودة الفلسطيني في لندن حركة لا تهدأ، نشاطه
متواصل، حيوي وهادئ، ترى عينيه تقدحان فتظنه منفعل، لكنك تفاجأ بأن هذه عادته
حين يركز على شيء ما لإنجازه.
الساعة السابعة صباحاً نزلت من غرفتي في الفندق لأجول في الحديقة، فوجدت ماجد
الزير (أبو عبد الله) يجلس في وسط البهو، يحمل فنجان قهوة، وهو بكامل أناقته،
قلت له ((أتوقع أن ألاقي الجميع الآن إلا أنت، ألم تتعب من السهر))، قال ((كنت
أتابع وصول الوزير.. أحضر قهوتك وتعال ندردش)).
عادل عبد الله الأمين العام للمؤتمر يتابع التفاصيل بدقة، لكن لا يظهر عليه
التعب ولا الملل. لديه قدرة هائلة على امتصاص الصدمات. نادراً ما شوهد عادل عبد
الله معصب أو متوتر، لكنه يتحرك كفريق عمل متكامل ترافقه ابتسامة.
شبان فلسطينيون من السويد والدانمارك عملوا في فرق الإعداد والتحضير والاستقبال
وبذلوا جهداً مميزاً وبالأخص الشيخ خالد اليوسف.
ماجد الزير وجّه في كلمة الافتتاح رسالة سياسية مهمة لا شك أن صداها وصل إلى
حيث أراد: ((نطالب بإجراء انتخابات للفلسطينيين في أوروبا ليختاروا ممثليهم
الحقيقيين)).
عادل عبد الله واصل هجوم ماجد الزير فقال ((لن نترك الشعب الفلسطيني يجوع أو
يمرض)).
وزير شؤون اللاجئين الدكتور عاطف عدوان كان محل اهتمام وسائل الإعلام، تحدث في
جلسة الافتتاح عن فلسطين وهموم الشعب الفلسطيني وأظهر التزام الفلسطينيين
بحقوقهم.
النائبة في البرلمان السويدي إيفون رويدا (فلسطينية الأصل) خاطبت الحفل بلغة
إنكليزية وبجنسية سويدية لكن بموقف فلسطيني. تحدثت عن الأرض والوطن والعائلة،
وبيّنت معاناة اللاجئين من خلال معاناة عائلتها، تحدثت في السياسة والمطالب
والحقوق بما يتحدث به زعيم أي فصيل وطني فلسطيني.
بيير كارلتون، سياسي وبرلماني سويدي، يرأس مجموعة سويدية لدعم الشعب الفلسطيني،
ألقى كلمة حماسية: ((مرحباً.. أقول لكم مرحباً.. تعرفون لماذا.. لأني موافق على
برنامج حركة حماس)).
هذه الكلمات أشعلت القاعة بالتصفيق والهتاف، ما قاله ((الأخ)) بيير يتقدم على
طرح كثير من الشخصيات الفلسطينية التي قبلت بالتسوية واعترفت بالاحتلال.
غريتا روزنبرغ، ناشطة من هولندا، تدعم الفلسطينيين، ترأس مجموعة ((أوقفوا
الاحتلال))، رفعت على شرفة منزلها في هولندا علم فلسطين، تحدثت عن أخطار
ممارسات الاحتلال واعتداءاته على المدنيين، وأعلنت بصوت عالٍ أمام المؤتمر
((أنا قُدسية))، أي أنا من مدينة القدس.
شاب من الحزب الشيوعي السويدي طلب الكلام، وألقى كلمة حماسية ضمنها تأييد حزبه
لنضال الشعب الفلسطيني، ودعا إلى المقاطعة ورحّب بالوزير عدوان ((كممثل للحكومة
المنتخبة)).
الندوة الأساسية في المؤتمر لبلال الحسن وعزام التميمي وأحمد كامل وحسام شاكر
كانت دسمة بالمواقف والرؤى والتحليلات، وإن تخللها بعض المشادات الحوارية التي
انعكست على الجمهور المشارك. وكان للإعلامي نضال حمد مدير الندوة دور في الجمع
ومنع التجاوز.
عودة إلى أعمال المؤتمر فقد شملت كلمات للسفير الفلسطيني في السويد صلاح حيدر
عبد الشافي ممثلاً رئيس السلطة محمود عباس وللشيخ رائد صلاح ولمدير مركز
العدالة الفلسطيني في السويد موسى الرفاعي، وكانت مداخلة مسائية للأب عطا الله
حنا عبر الهاتف.
المؤتمر تضمن ورشة للشباب ونقاشاً للمؤسسات العاملة لفلسطين وغير ذلك من
الأنشطة، واختتم بحفل فني لفرقة أم النور.
المؤتمر أنهى أعماله والكل بدأ يعد للمؤتمر الخامس على أمل استثمار سياسي
وإعلامي أوسع.