مؤلف رواية ((أنين القصب)) الأديب الفلسطيني حسن
حميد:
المقاومة تمنح الكاتب الفلسطيني شرف المشاركة بالتاريخ
دمشق/وحيد تاجا
حسن حميد كاتب قصة ورواية معروف في الساحة الثقافية،
وتثير كتاباته الكثير من الأسئلة والجدل في المشهد الثقافي، صدر له العديد من
المجموعات القصصية والأعمال الروائية. حاز على عدد من الجوائز الأدبية في سورية
ومنها جائزة اتحاد الكتاب العرب، وجوائز الصحف، وجائزة البتاني، وفي الوطن
العربي ومنها جائزة محمود تيمور، وسعاد الصباح، وجائزة ثالثة للقصة العربية في
ألمانيا.
التقيناه وحاورناه حول بداياته وحول تعلقه بالمخيم الفلسطيني، وتطرق الحديث إلى
المشهد الثقافي الفلسطيني بشكل عام.
- كيف استطعت خلال فترة وجيزة بناء اسم له خصوصية في
الساحة الثقافية السورية؟
• يظنّ الكثيرون أنني جئت أدبياً مع العاصفة، أو مع المطر الموسمي، أو مع
الطائرات النفاثة. وهذا الظنُّ ظنٌّ وحسب، وذلك لأنني عملت عملاً طويلاً على
نصي الأدبي في عزلة تعلّمتُ أسرارها من شيوخ الزوايا، والعارفين بصفاء العزلة..
كي لا يخرج هذا النص عبوساً، أو شائهاً، أو ناقصاً.
ساعدتني فضيلة الانتظار والصبر على إنضاج نصوصي تماماً مثلما كانت أمي تنضج
الأرغفة في (فرنيتها) الصغيرة، وأنا الذي ساهرتها ليالي طوالاً وهي تعجن
عجينها، كنت أشفق عليها وهي تدعك العجين وتقلبه، ثم ترشه بالماء، ثم تمدده،
وتطويه، تعيد وتعيد، وأنا الذي كنت أظن أن العجين يصير عجيناً حالما يذوب
الطحين، وحالما يختفي لونه الأبيض.
أمي علمتني الصبر على العمل، وطرقه، وتقليبه على وجوهه قبل القذف به إلى
(الفرنية). دائماً كانت تكرر أمامي من المعيب أن يخرج الخبز (عويصاً)، لذلك من
البداية قلت من المعيب أن يخرج النص الأدبي (عويصاً). وقد ازدادت قناعتي أكثر
بدور النصوص وأهميتها انطلاقاً من إيماني العميق بعدالة قضيتي الفلسطينية، فهذه
العدالة الواضحة لا تحتمل أية شائبة أو نقص.
لهذا.. لم أكن في ظهوري نبتاً (شيطانياً) لا سمح الله، وإنما كان نبتاً طبيعياً
جداً، فقد أنهيت دراستي الجامعية دون أي سعي في مجال الكتابة والإبداع، مع أنني
كنت أقرأ وأكتب وأراقب الحراك الثقافي والإبداعي، كما كنت أقايس نصوصي مع
النصوص التي أقرؤها منشورة في الصحف والمجلات والكتب التي كانت تصل إلى يدي
(على الرغم من ضيق ذات اليد).
- من الذي أخذك إلى الكتابة، من أغراك بها؟!
• صحف ومجلات المقاومة الفلسطينية هي التي أخذتني إلى الكتابة، هي التي وعتني
بأهمية الكتابة ودورها. وذلك لأننا كنا في المخيم، نحن الطلبة القرائين، نهرّب
صحف ومجلات المقاومة إلى بعض الأمكنة، وبعض الأشخاص، وبعض الجهات على جلودنا،
تحت قمصاننا، تلك السرانية في الحرص على المجلات والصحف بعيداً عن عيون أهلنا،
أولاً، والآخرين ثانياً هي التي جعلتني أتنبه إلى أهمية الكلمة ودورها، إلى
أهمية الكاتب ودوره في الحياة، وقد تمنيت أن أصبح مستقبلاً كاتباً يظهر اسمه
إلى جانب مقالاته على صفحات المجلات والصحف، ويصير من هم أصغر مني يهرّبون ما
أكتبه تحت قمصانهم (العرقانة صيفاً، والمبللة بالمطر شتاءً). تلك كانت الشرارة
التي صارت غبطة لي وأنا أقرأ قصائدي الأولى، وقصصي الأولى على أسماع أبناء مخيم
جرمانا. كم كانت تلك الأيام نادرة.
- نادرة لماذا؟! وأنا أعرف بأنها كانت صعبة وقاسية؟!
• نادرة.. لأنها كانت احتفالاً. فالمخيم المشغول بغبار الصيف، وريح الصيف التي
تقتلع الخيام يومياً، في الليل والنهار، وبوحول الشتاء وأمطاره، والمشغول
بالجرحى، والأسرى، والشهداء، والأخبار الجارحة المؤسية.. كان يهبُّ فجأة
للاحتفاء بمولد شاعر أو أديب، أو موسيقي، أو أستاذ، إلخ.. لذلك كنت تجد في
أمسية المخيم الأدبية حضوراً كبيراً من الأميين أو المهمّشين الذين لا يعنيهم
الشأن الثقافي. كانوا يجلسون بانضباط التلاميذ في المدارس ليسمعوا الشعر. كانت
الأمهات يزغردن لأبنائهن الشعراء أو القاصّين حين تضج قاعة المخيم الوحيدة
بالتصفيق لهم. وقد كانت أمي أمية من بين هؤلاء النسوة.
- لكأنك تحاول التأريخ للمخيم؟!
• أؤرخ للمخيم لقناعتي بأنه زائل. سيصير ((عندما نؤوب إلى قرانا ومدننا في
فلسطين)) مجرد متحف مكاني يدلل على وجودنا الذي كان في ظل الإرهاب الصهيوني.
سيصير المخيم متحفاً يزار من قبل الآخرين، سيأتون إليه ليروا أية حياة صعبة
عاشها الفلسطينيون صغاراً وكباراً نساءً ورجالاً، وأية مكابدات تحمّلوها من أجل
العودة المنشودة.. كيف أسسوا بيوتهم، ومقابرهم، ومدارسهم، وكيف تناقلوا تاريخهم
جيلاً بعد جيل.
- وهل ساعدتك الرواية على القيام بمهمة التأريخ؟!..
• الرواية بالنسبة إليَّ هي الجنس الأدبي الذي ساعدني على كتابة ما أريده
تاريخياً، حقّبت للجروح الاجتماعية التي خلّفتها علة (الفقد)، وللبيوت البسيطة
جداً التي سترت أهالي المخيم كالأثواب، والتي لولا الحياء الاجتماعي لذابت
اهتلاكاً. الرواية سمحت لي بالعودة إلى الماضي البعيد لتدوين المشفوه الذي كاد
يندثر بموت عارفيه.
- تزدحم قصصك بالكثير من الشخصيات، وهي في غالبها شخصيات
فلسطينية، ترى ألا يجعلك هذا تقع في مطب الانحياز الذي يضرّ بـ((موضوعية العمل
الأدبي)) على حد قول بعض النقاد؟!
• أنا ككاتب فلسطيني أرى الجرح الفلسطيني بكل مأساته ونواتجه، لذلك لا بدّ لي
من أن أكون المعبّر الأول عنه، وإلا ما قيمة كتابتي حين تدير ظهرها لهذه
المأساة التي لا مثيل لها في التاريخ البشري. التعامل مع المأساة الفلسطينية من
قبل الكاتب الفلسطيني ليس واجباً فقط، بل هو مسؤولية دائمة، وحرص ضروري على
إدامة الحياة والتاريخ والذاكرة والإرادة.
أعرف الكثير من النقاد الذين يتهمون الأدب الفلسطيني بالأيديولوجية في مرحلة
زمنية من مراحل الكتابة الفلسطينية، وهم محقون بهذا الاتهام، ولكن الكتاب
الفلسطينيين كانوا محقين في تلك الفترة حين أظهروا الأيديولوجية على حساب
الأمور الفنية والتقنية.. ذلك لأن القضية الفلسطينية كانت بحاجة (في تلك
الفترة) إلى من يعرّف بها. لا شك أن أخطاءً فنية عديدة وقعت، ولكن تلك الأخطاء
كان لا بدّ من وجودها لتلافيها. اليوم الأدب الفلسطيني في الرواية، والشعر،
والقصة القصيرة.. يعيش حالاً من المناددة الرائعة مع الأدب الصافي الذي يكتبه
الأدباء العرب وغير العرب، لأنه محمول على نجاحه الفني وليس على نبل الموضوع.
لكن لا بدّ من التنبيه أن بعض النقاد تعبوا من متابعة ما يكتبه أدباء فلسطين،
فظلوا على قراءاتهم السابقة كما ظلوا على آرائهم السابقة التي توصّف الأدب
الفلسطيني.. هنا تكمن المشكلة.
- من يقرأ لك يشعر بسلاسة الجمل وعفويتها وقوتها بآن
معاً، مما يخلق انطباعاً عن مدى تمكنك من اللغة وتطويعها، هل هذا الانطباع
صحيح، أو أن وراء ذلك جهداً ومعاناة ومحاولات عديدة قبل ظهور عملك الإبداعي؟!
• من واجب الكاتب ألا يُغرق قرّاءه في الغموض أو المعميات، خصوصاً الكاتب الذي
يتبنى قضية ما. على الكاتب ألا يشغل وظيفة (الدليل السياحي) كي يشرح نصوصه
وكتاباته، عليه أن يضع الأمور في وضوحها الأبدي، أي الوضوح الذي يشبه وضوح
الأنهار، والغابات والنهارات.. وضوح الصور الطبيعية التي تحيط بنا حيث لا نفطن
إلى جمالية هذا الوضوح وأهميته إلا في أوقات متأخرة جداً.
الكتابة السلسة، الواضحة لا تعني أنها خالية من الجهد وتقليب النظر والوجوه..
إطلاقاً، فالأشجار عانت كثيراً، واجتهدت كثيراً قبل أن تستوي على قاماتها.
بالنسبة إليَّ، أنا أتعب كثيراً على نصي الأدبي.. فأوظّف كل ما أملكه وما لا
أملكه لكي يكون النص غنياً ثرياً، واضحاً، ومؤثراً، وذا آثار حقيقية على مرآة
الذات.
- أنت معروف بكتاباتك القصصية، فلماذا تحولت إلى
الرواية؟!..
• حولي أساتذة كبار من النقاد والمبدعين، قالوا لي حين قرأوا ما كتبته من
روايات (الوقت الذي أنفقته في كتابة القصص كان ضائعاً، ليتك بدأت بكتابة
الرواية مباشرة).
ظروف البداية مع القصة أو الرواية أمر لم أتخيّره بنفسي، ولم أتوجه إليه إلاَّ
بعد كتابة للشعر استمرت سنوات عديدة..
وحين كتبت الرواية كتبتها بدافع عقلاني، أو قل بتفكير عقلاني.. فحين كتبت رواية
(السواد) كتبتها تحت إلحاح قناعتي بأن أكتب وجهاً آخر من وجوه الخروج القسري
للفلسطينيين الفلاحين.. فحبّرت ذواتهم المألومة وهم يتركون كل شيء، كل شيء
(أؤكد)، ثم وهم يعبّرون عن أشواقهم وأحزانهم وقد طال عليهم وقت الانتظار. وحين
كتبت رواية (تعالي نطيّر أوراق الخريف)، كتبتها بقرار عقلاني مؤداه أن أؤرخ
للمخيم الفلسطيني باعتباره مكاناً مرفوضاً مكروهاً من جهة، وباعتباره مكاناً له
فضله في جمع اجتماعيتنا في مكان واحد، وحفظ هويتنا وذاكرتنا من جهة ثانية. وحين
كتبت رواية (جسر بنات يعقوب) أردت العودة إلى التاريخ القديم، إلى عالم
الميثولوجيا.. لأقول للجميع: انظروا إلى أي تاريخ ماجد ينتسب الفلسطينيون، وعلى
أية مدونة حضارية هم عاملون.
- في روايتك (أنين القصب) لوحظ اعتمادك الكبير على القص
الشفهي، ما مدى دقة هذا الأمر؟!..
• أحياناً، وفي مرات قليلة ونادرة، لا أستطيع أن أظل على صراحتي المعهودة في
الحديث عن أعمالي كي لا أجرح مشاعر النقاد، والقراء الذين رأوا في عمل من
أعمالي، ومنها (أنين القصب) ما رأوه.. صحيح أنني أضع أسطراً في مقدمة رواياتي
عادة أقول فيها إنني فعلت كذا وكذا، وإنني أخذت كذا وكذا ولكن الحقيقة ليست
كذلك، فالأمر يظل مجازياً.. وهو لعبة فنية يقتضيها مقام الفن. لا يظن أحد أن
الأمر خدعة وإنما هو محاولة في الإيهام الإبداعي، أو قل مكيدة فنية.. غايتها
أخذ القارئ إلى العوالم المكتوبة ظناً منه (وبسبب اقتناعه بما قلته في أسطر
التقديم) أن المكتوب هو تاريخ مكتوب سابقاً، وما أنا سوى جامع له. الأمر ليس
كذلك إطلاقاً. ففي رواية (أنين القصب) التي بكى معها الكثيرون وهم يقرأونها..
مكابدات الذات التي احترقت بمصداقية العذابات الفلسطينية (وما أكثرها).. وقد
شددت نفسي إلى الإيقاع الواقعي لأجعل، عبر الوصف والتصوير، ما يقرأه القارئ
أمراً طبيعياً لا صنعة فيه ولا تركيب، وأظن أن هذا الأمر من الأمور الملحة في
وجودها داخل النص الأدبي، عنيت أن يبدو النص اشتقاقاً طبيعياً. وليس قصة
مكتوبة.
(أنين القصب) مدونة تاريخية، اجتماعية، ميثولوجية فيها المعتقدات، والمميزات،
والحكايات الشعبية، والطقوس، والأعياد، والمعايشات الفلسطينية التي كانت
بمحاذاة النهر العظيم نهر الأردن.. قبل خروجهم القسري... لتدلل على أهمية
حياتهم وخصبها أيضاً. أما ما هو الحقيقي وماهو غير فالأمر غير مطروح في الرواية
أو الكتابة الأدبية. المطروح هو هل هذا النص ناجح، وفني، وموظف، ومقنع، ومهم.
- لاحظت أيضاً، في روايتك (أنين القصب) تطرقك إلى الحدث
السياسي بجمل قصيرة.. إلا أنها كانت معبرة وكافية.
• داخل الرواية مرآة تاريخية.. لذلك لا يمكن تجاوزها أو تخطيها، ومن المرتسمات
التي ظهرت عليها بعض الإشارات الزمنية والمكانية التي لها دلالات سياسية أو
فكرية أو عقيدية.
- يؤخذ عليك أنك غزير الإنتاج، وسؤالي كيف تكتب، بمعنى
آخر هل تكتب بقرار، أم أن الحدث يدفعك للكتابة؟!
• من يعرف (الفرن) الفلسطيني، ومن يعرف حرارته يدرك مباشرة أنني لست غزير
الإنتاج، وأن ما أكتبه قليل جداً مقارنة مع تشوفاتي، وأحلامي، وأفكاري،
ومساهرتي للأحداث، وبحثي عن الأرواح، التي تحترق بكل الرضا والمصداقية.