مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في
لبنان:
مع الفلسطينيين أم عليهم؟!!
بيروت/أحمد الحاج
إعادة افتتاح مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في بيروت كان يمكن له أن يكون
حدثاً، بل انعطافة في حياة اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، ورفع الغبن عنهم، لو
أن ما اتُفق عليه في القاهرة في آذار/مارس العام 2005 من إصلاح منظمة التحرير
حتى تستطيع الفصائل الفاعلة الانضمام إليها قد طبّق. ولو أن هناك مسعى جاداً من
داخل المنظمة لأجل القضاء على الفساد أو محاولة التقليص منه على أقل تقدير،
لكان الترحيب بإعادة افتتاح مكتب المنظمة بعد 24 عاماً أقل الواجب. أما وأن
الفساد داخل المنظمة وصل إلى حدود لا تطاق، ومؤسساتها تحكمها الجهوية والفئوية،
فإن التساؤلات باتت أكثر مشروعية، والأسئلة تتزاحم عن سرّ فتح المكتب في هذا
الوقت بالذات؟ وما هي صلاحياته؟ وهل هو ممثل لكل الفلسطينيين؟ وغيرها من
الأسئلة.
سرّ التوقيت
جاء تعيين عباس زكي على رأس مكتب منظمة التحرير الفلسطينية كوزير مفوض، رغم أنه
ليس في الحكومة، بعدما خسر الفريق المهيمن على منظمة التحرير شرعيته الثورية
بخوضه التسوية وبروز فصائل تتبنى المقاومة وترفض التنازلات، ثم كانت خسارة هذا
الفريق القاسية في الانتخابات التشريعية الأخيرة وفوز حركة حماس الكاسح، ممّا
أفقد هذا الفريق الشرعية الشعبية والتمثيلية. ومنذ ذلك الوقت وهو يبحث عن بعض
الشرعية الرسمية التي تعوّض له ما افتقده من شرعيات، ومن هنا جاء اكتشاف منظمة
التحرير الفلسطينية ومحاولة إحياء أطرها الرسمية وتفعيلها على الساحات، ومن
بينها ساحة لبنان، دون أن يشمل ذلك إصلاح تلك الأطر.
قد يكون هذا سبباً من الأسباب لكن تبقى هناك أسباب أخرى، إذ تأمل الدولة
اللبنانية أن يتولى مكتب ممثلية منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان تطبيق ما
اتُفق عليه في باريس بين رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس ورئيس الوزراء
اللبناني فؤاد السنيورة وحضور المبعوث الدولي تيري رود لارسن حول جمع السلاح
الفلسطيني. وزاد الخشية من هذا الهدف تصريح أمين سر حركة فتح في لبنان سلطان
أبو العينين قبيل افتتاح المكتب من أن حركته قد بدأت ((بخطوات قد تعتبر بطيئة
في الوقت الحالي، عبر التخلص من السلاح الخفيف وغير المسؤول في المخيمات،
ولكننا سنصل من دون شك إلى الهدف الأكبر الذي وضعناه لأنفسنا)). دون أن يفصح عن
هذا الهدف. ويبقى السؤال ما السبيل الذي يمكن أن تسلكه فتح لجمع السلاح؟
تخوف فلسطيني واسع من أن تلجأ الحكومة اللبنانية إلى فتح حوار رسمي مع منظمة
التحرير بصيغتها الحالية دون غيرها من الفصائل الفلسطينية الفاعلة في لبنان،
وتأمل من هذه الخطوة تنازلات ومساومات من المنظمة فيما يخص السلاح والعلاقات
اللبنانية الفلسطينية. ومما يشجع الحكومة اللبنانية على المضي في هذا الخيار هي
التنازلات التي قدمها رئيس المنظمة لرئيس الحكومة اللبنانية في اجتماع باريس
دون أن يقدم الأخير أي تعهد لإصدار قوانين تحسّن من أوضاع اللاجئين الفلسطينيين
في لبنان. تجدر الإشارة إلى أن المنظمة وركيزتها فتح لا تملك أي مواقع خارج
المخيمات لتتخلى عنها، ولكن أي إدانة أو تذمر تبديه المنظمة تجاه السلاح خارج
المخيمات سيعتبر بالنسبة للسلطة اللبنانية بمثابة ضوء أخضر لاتباع كل السبل
لتجريد الفصائل من سلاحها.
لا صلاحيات
العديد من الأسئلة حول الصلاحيات والمسؤوليات رافقت افتتاح مكتب ممثلية المنظمة
في بيروت، ما هي صلاحيات المكتب؟ ما هو الوضع الدبلوماسي لممثله في بيروت؟ كيف
ستتعاطى مع السلطات اللبنانية؟ وهل تأخذ الممثلية صفة السفارة؟ يشير أكثر من
مصدر إلى أن الوضع الدبلوماسي للممثلية غير واضح بتاتاً، ولم تُوقع أي اتفاقية
بين لبنان ومنظمة التحرير الفلسطينية تحدد صلاحيات الممثلية ولا وضعها
الدبلوماسي ولا أي من البنود التي يجب أن ترافق تعيين أي ممثل لأي سلطة أو
كيان. بل إن هناك شعوراً لدى الكثير من المسؤولين اللبنانيين بأن المنظمة سرّعت
الخطوات بشكل غير مبرّر ودون البحث في التفاصيل اللازمة لدور المكتب ونشاطاته،
مما شكل مفاجأة للعديد من المسؤولين في الدوائر الرسمية اللبنانية بشكل خاص.
وحتى أن موعد افتتاح الممثلية لم يتم التفاهم المسبق حوله. وحسب المراقبين يجري
التداول حالياً بصيغ ثلاث: إما تبادل مذكرات تفاهم، أو وضع مذكرة تفاهم من جانب
الحكومة اللبنانية، أو صدور مرسوم خاص عن مجلس الوزراء يحدد الصلاحيات
والتسهيلات التي ستمنح للمكتب ولرئيسه وللعاملين فيه.
وتؤكد مصادر لبنانية وفلسطينية مختلفة أن المكتب لن يكون ممثلاً للمخيمات
الفلسطينية تجاه الدولة اللبنانية بل سيكون ممثلاً فقط لمنظمة التحرير
الفلسطينية، وعليه يُحظر على المكتب أن يرفع لائحة مطالبهم إلى الدولة
اللبنانية. وتضيف المصادر أن ما يريده لبنان على هذا الصعيد هو أن تبقى علاقة
الدولة مع المخيمات على أراضيها مباشرة، كما هي الحال الآن، أو بالتعاون مع
وكالة غوث اللاجئين (الأونروا)، وليس مع أي طرف آخر. وقد ألمح وزير الخارجية
اللبناني فوزي صلوخ إلى ذلك، في افتتاح مكتب الممثلية حين قال بأن لبنان قام
بواجباته تجاه الفلسطينيين، داعياً المجتمع الدولي إلى ((عدم إزالة الحمل ورميه
على العرب لأن القضية يجب أن تبقى مسؤولية دولية، ويجب استئناف المساعدات لأن
فلسطين ضيعتها الأسرة الدولية)).
وتنفي المصادر أن يكون في نية الدولة اللبنانية إضفاء صفة ((سفارة فلسطين)) على
مكتب الممثلية. لكن مصدراً فلسطينياً مطلعاً قال لـ((فلسطين المسلمة)) أنه كان
في نية الحكومة اللبنانية، قبيل فوز حركة حماس الكاسح في الانتخابات التشريعية،
السماح بافتتاح سفارة فلسطينية، لكن فوز الحركة أثّر في توجهات الحكومة، خاصة
وأن ضغوطاً غربية مورست لمنع تنفيذ هذه الخطوة خوفاً من أن يكون لحماس اليد
الطولى في سفارة تدير ملفاً للاجئين بالغ الحساسية. إذاً فمكتب المنظمة سيكون
بلا صلاحيات كبيرة ولن يساهم بالتالي بأي رفع للمعاناة عن كاهل اللاجئين في
لبنان.
لا تشاور مسبق
كان اللافت في افتتاح مكتب المنظمة أن حركة حماس لم تُستشر في الموضوع لا من
قريب ولا من بعيد، سواء من قبل الحكومة اللبنانية أو من قبل منظمة التحرير
الفلسطينية. وحماس التي تملك الأغلبية الشعبية في الضفة الغربية وقطاع غزة،
ولها شعبية في لبنان، حيث أعطاها آخر الاستطلاعات أكثريةً بين اللاجئين
الفلسطينيين في لبنان تجاوزت ما حازته بقية الحركات والفصائل الفلسطينية. وخطوة
بهذا الحجم تخص اللاجئين كان حقاً على الحكومة اللبنانية وواجباً عليها أن
تستشير أغلبية اللاجئين التي تمثلها حركة حماس. وإذا كان لبنان الرسمي يُنكر
على الفلسطينيين تدخلهم في الشؤون اللبنانية، فكيف فإن الأوْلى أن يحرص على عدم
التدخل في الشؤون الفلسطينية الفلسطينية؟
وما ينطبق على الحكومة اللبنانية من حيث تجاوز الأغلبية الفلسطينية ينطبق كذلك
على منظمة التحرير التي تجاهلت استشارة حماس في افتتاح المكتب، ولم تسعَ
المنظمة إلى وضعها في صورة مشاوراتها مع الحكومة. وفي سياق تجاهل الفصائل
الأخرى فإن تركيبة الممثلية تدعو إلى التشاؤم، حيث هيمن، وكالعادة، فصيل واحد
على كل وظائف المكتب من ممثل المنظمة حتى الفرّاش. وانتقلت بعض المكاتب
الإعلامية لهذا الفصيل كاملة إلى مكتب الممثلية. وكوادر هذا الفصيل حاضرة في
الممثلية وبشكل شبه دائم. أما باقي فصائل منظمة التحرير فلم يتجاوز حضورها حفل
افتتاح مكتب الممثلية والذي أملته الظروف البروتوكولية. من هنا فإن الممثلية لا
تمثل واقعياً كل فصائل منظمة التحرير الفلسطينية فكيف ينتظر أن تكون ممثلة
لبقية الشعب الفلسطيني؟
الإصلاح قبل كل شيء
إن منظمة التحرير الفلسطينية بصيغتها الحالية لا تمثل كل الفصائل لأن هناك
ثمانية منها خارج إطار المنظمة. وقد اعترفت كل الفصائل، بلا استثناء، في اتفاق
القاهرة خلال العام الماضي على ضرورة إعادة بناء منظمة التحرير وفق أسس سياسية
وتنظيمية جديدة بما يعنيه ذلك من أن المنظمة بشكلها وتركيبتها الحالية لا تمثل
الشعب الفلسطيني كله، وأن تمثيلها ناقص. كما أن منظمة التحرير بواقعها الحالي
غير قادرة على النهوض بالأعباء الملقاة على كاهل الفلسطينيين في لبنان، خصوصاً
بما يعتري المنظمة من إشكالات تنظيمية تظهر إلى العلن بين الفينة والأخرى،
وفساد بات مستشرياً بشكل يصعب معالجته دون التفكير والعمل جدياً لإعادة بناء
المنظمة بناءً يعيد لها ميثاقها الوطني ويفعّل أطر المحاسبة والمراقبة داخلها.
وحتى الوصول إلى هذا الهدف، الذي لم نسمع بمسعى حقيقي للوصول إليه، يجب البحث
في لبنان عن مرجعية فلسطينية لها صفة تمثيلية على الأرض وتضم كافة الفصائل
الفلسطينية الموجودة في الساحة وهي 16 فصيلاً. وقد طرحت حماس فكرة إطار ينصَ
على مشاركة كل القوى الفلسطينية بمندوبين، وينبثق عن هذا الإطار لجنة متابعة أو
أمانة سر دائمة تقوم بالعمل اليومي، وفق ما يقرره الإطار. خاصة وأن هذا الإطار
له سابقة في الداخل الفلسطيني حين شُكلت لجنة المتابعة العليا للقوى الوطنية
والإسلامية.
عندما غنى عبد الله حدّاد أغنيته الشهيرة ((سفارة من غير عمارة))، قبل أكثر من
خمسة عشر عاماً، رداً على فساد سفارات منظمة التحرير، غضبت قيادة المنظمة
ونعتته بشتى الأوصاف، فكيف ونحن نرى اليوم عمارة من غير سفارة ولا صلاحيات،
ولكن بفساد سفارات بل وحتى إمبراطوريات؟