منظمة التحرير الفلسطينية:
العلاقات السياسية الدولية حافلة بالأخطاء
فلسطين/ د. عصام عدوان
أستاذ القضية الفلسطينية – جامعة القدس المفتوحة
كان تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية بقرار من مؤتمرات القمة العربية رغبة منها
في إيجاد من يمثل الفلسطينيين في التسويات النهائية للقضية الفلسطينية كما صرّح
بذلك الرئيس جمال عبد الناصر. ورغم موافقة القمة العربية على إنشاء جيش تحرير
فلسطين، إلا أنه كان مرتبطاً بالتنسيق مع القيادة العربية الموحدة ولا يمكنه
العمل منفرداً لتحرير فلسطين، كما أنه مقيّد بالأنظمة العربية التي تواجد على
أراضيها، ولم يكن بمقدور أحمد الشقيري تحريك هذا الجيش كيفما شاء. وقد أدركت
حركة فتح والفصائل الفلسطينية القيود المفروضة على منظمة التحرير، فناهضت رئيس
المنظمة أحمد الشقيري، واتهمت فتحُ منظمةَ التحرير بأنها ورثت عن مؤتمرات القمة
العربية دماءها ولحومها، وسعت مع الآخرين لإسقاط الشقيري، حتى دُفع نحو تقديم
استقالته في كانون الأول/ديسمبر 1967، وصعد نجم فتح فحصلت على أغلبية مريحة في
المجلس الوطني الفلسطيني مكنتها من تغيير الميثاق القومي إلى الميثاق الوطني في
حزيران/يونيو 1968، ثم سيطرت على اللجنة التنفيذية للمنظمة باختيار ياسر عرفات
رئيساً لها في شباط/فبراير 1969.
لقد رحبت دول عربية، وعلى رأسها مصر، بتسلُّم حركة فتح مقاليد منظمة التحرير
بعدما لمست منها القابلية للتعاطي بنوع من الواقعية مع القضية الفلسطينية في
نطاق مقررات مؤتمر القمة في الخرطوم في آب/أغسطس 1967م الذي رفع شعار العمل على
إزالة آثار العدوان الإسرائيلي عام 1967، وتمثل ذلك بطرح قيادات من فتح في
تشرين الثاني/نوفمبر 1967 فكرة دولة فلسطينية في الأراضي التي احتُلت أخيراً،
ثم طرحت فكرة دولة ديمقراطية في كامل الأراضي الفلسطينية يعيش فيها اليهود على
قدم المساواة مع العرب.
التفرّد والاستئثار
منذ تسلُّم حركة فتح قيادة منظمة التحرير رسمت طريقها في الوسط الفلسطيني على
أساس أن المنظمة هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني أينما تواجد هذا
الشعب. واعتبرت أن أي حل سياسي يتجاوز المنظمة أو يقلل من أهميتها ومن دورها
مرفوض. وعبر سنوات السبعينيات كانت المنظمة حذرة من بروز أي زعامات فلسطينية
داخل الأرض المحتلة، وترددت ما بين القبول والرفض لفكرة الجبهة الوطنية التي
دعا إليها اليسار الفلسطيني أواسط السبعينيات. ولكن المنظمة شرعت منذ كامب
ديفيد في تعزيز تواجدها داخل الأرض المحتلة خشية انفلات هذه الساحة من نفوذ
المنظمة لصالح مشروع الحكم الذاتي، وساعدها على هذا التعزيز، تلك الأموال التي
رصدها مؤتمر القمة العربية التاسع في بغداد عام 1978، والتي بلغت عبر عشر سنوات
تالية حوالي ملياري دولار تتصرف فيها منظمة التحرير منفردة، منها مليار دولار
لدعم صمود الشعب الفلسطيني داخل الأرض المحتلة. ورغم استفادة الشعب الفلسطيني
في كل الأحوال من هذا الدعم، إلا أن ذلك لم يمنع من استغلاله بأقصى درجة من
الاحتكار الفصائلي من أجل تحشيد قاعدة شعبية في الداخل مؤيدة لمنظمة التحرير
ولحركة فتح على وجه الخصوص. وكانت حركة فتح قد هيمنت على مقدرات المنظمة مالياً
وسياسياً وعسكرياً وإعلامياً منذ توليها رئاسة المنظمة، وعبر دعوتها لعقد مؤتمر
شعبي فلسطيني في مارس 1972 في بيروت.
لقد استأثرت قيادة منظمة التحرير بالقرار الفلسطيني، ولم تلقِ بالاً للحركات
الناشئة في الوسط الفلسطيني أواخر السبعينيات، وخصوصاً في الداخل، فلم تسع
لضمها إلى مظلة منظمة التحرير بقدر ما سعت للهيمنة عليها وتهميشها، في الوقت
الذي بحثت عبر المجهر عن ((دعاة السلام)) في الوسط الإسرائيلي. وقد أضاعت
المنظمة من يدها فرصة ذهبية لتطوير المقاومة في الأرض المحتلة بهدف تحقيق
شعاراتها السابقة الداعية إلى حرب التحرير الشعبية طويلة الأمد، عندما استثمرت
الانتفاضة الفلسطينية الأولى (1987-1993) للوصول إلى اتفاق سلام هزيل ومجحف بحق
الشعب الفلسطيني وتضحياته، ممثلاً في اتفاق أوسلو، ودون أن تأخذ رأي الشعب
الفلسطيني في حل مصيري على هذا المستوى.
ومنذ أن انتقل مقر قيادة منظمة التحرير إلى الأرض المحتلة، حيث السلطة الوطنية
الفلسطينية، هُمِّشت المنظمة لصالح السلطة الوطنية المنبثقة عنها، فتقلصت
خدماتها للشعب الفلسطيني في الداخل والخارج، وظل الشعب الفلسطيني في الخارج في
حالة سُبات، ولم يعد يسمع أحد بمنظمة التحرير الفلسطينية إلا في المناسبات،
فرئيس المنظمة هو رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية، وتم التعامل معه عربياً
ودولياً، بل وفلسطينياً على أساس أنه رئيس السلطة الفلسطينية، وربما أدى هذا
الانطباع إلى الشعور بعدم جدوى بقاء منظمة التحرير، خصوصاً عندما طالبت
(إسرائيل) بإلغاء ميثاق المنظمة الداعي إلى تدميرها، وهو ما حصل في اجتماع
المجلس الوطني الذي عُقد خصيصاً لتعديل الميثاق بحضور الرئيس الأمريكي بيل
كلينتون في 14/12/1998.
في الصراعات العربية
وعلى المستوى العربي، أدى حرص المنظمة على تمثيلها منفردة للشعب الفلسطيني إلى
دخولها في صراع ضمني تارة ومكشوف تارة أخرى مع النظام الأردني، فقد نظرت إلى
الشأن الأردني على أنه شأن داخلي فلسطيني بالنظر إلى الأغلبية الفلسطينية
المقيمة فيه، إلا أن ترددها في إحكام سيطرتها على النظام كما كانت ترغب بعض
الفصائل عام 1970 جعلها تخسر عنصر المُبادأة، ثم بعد أن قام النظام الأردني
بطردها شرعت في تدبير محاولات إسقاطه ولكن بعد فوات الأوان. وبدلاً من مطالبة
الأردن باسترداد الضفة الغربية التي ضاعت منه في عام 1967، أعفته من هذه
المسؤولية بمطالبتها إياه بالاعتراف بها ممثلة شرعية ووحيدة للفلسطينيين في
الضفة الغربية واللاجئين في الضفة الشرقية، وهو ما ترتب عليه لاحقاً قيام
الأردن بفك ارتباطه بالضفة الغربية، بما يعني تحمُّل المنظمة لكامل المسؤولية
عن الضفة الغربية، وهكذا تخلص الأردن من أكبر أعبائه التي تحول بينه وبين
السلام مع (إسرائيل)، فما إن وقعت المنظمة اتفاق أوسلو حتى قام الأردن بتوقيع
اتفاق وادي عربة، وظلت الضفة الغربية مسرحاً للاستيطان والاجتياح المتكرر
ولبناء جدار الفصل العنصري.
وعلى الرغم من رغبة المنظمة في عدم التدخل في الشؤون الداخلية للبنان، إلا أنها
تورطت في صراعات داخلية كان أوجها في الحرب الأهلية سنة 1976، ثم غدت بعد الحرب
أشبه بدولة داخل الدولة، حتى خرجت من بيروت ثم من طرابلس. وفي الوقت نفسه برزت
علاقة التجاذب النكد بين المنظمة وسوريا، فقد شعرت المنظمة برغبة سوريا للهيمنة
عليها، فقررت قيادة المنظمة الفكاك من هذه الهيمنة والهروب بالقرار الفلسطيني
المستقل، وهو ما وتّر العلاقة مع سوريا إلى يومنا هذا.
لقد تميزت علاقة المنظمة بمصر بأنها استراتيجية، رغم ما شابها من تعثُّر إبان
قبول مصر لمبادرة روجرز، أو زيارة السادات لـ(إسرائيل) ثم توقيعه اتفاق كامب
ديفيد، إلا أن المنظمة كانت ترى في مصر عمقاً استراتيجياً ومدخلاً لمخاطبة
الدول العظمى والمجتمع الدولي، ولذلك لم تنقطع العلاقات حتى في أحلك الظروف.
فقد هاجمت منظمة التحرير اتفاقية كامب ديفيد واتهمت السادات بالخيانة، ودعا
ياسر عرفات وصلاح خلف شعب مصر وجيشه لتصفية السادات، في الوقت الذي بقي مكتب
فتح مفتوحاً في القاهرة ويجري اتصالاته دون توقف مع السلطات المصرية، حتى طلبت
المنظمة من السادات توضيحاً إذا ما كان مشروع الحكم الذاتي الذي اقترحه يسمح
لمنظمة التحرير بقيادته أم لا. ثم يرسل السادات قبل أشهر من اغتياله إلى قيادة
المنظمة يوصيهم بأن ينفتحوا على مؤسسة ((إيباك)) الصهيونية في الولايات المتحدة
وعلى ممثلها ستيفين كوهين، الذي طلب مقابلة قيادة منظمة التحرير قبيل اجتياح
لبنان عام 1982 وكان لقاؤه بهم عبر وساطة مصرية مباشرة، وعرض عليهم اتفاق فك
اشتباك كالمعمول به مع مصر في يناير 1974، وأنذرهم بالحرب القادمة. وكانت
المنظمة أول من اخترق الحصار العربي لمصر، عندما زار عرفات الرئيس مبارك في
أواخر سنة 1983.
ممثّل شرعي ووحيد
وبعد قرار مؤتمر القمة العربي السادس في الجزائر في تشرين الثاني/نوفمبر 1973،
باعتبار منظمة التحرير ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني وتحفُّظ الأردن
على هذا القرار، طفقت المنظمات الإقليمية والدولية تبارك هذا الدور لمنظمة
التحرير، كمنظمة المؤتمر الإسلامي، وحركة عدم الانحياز، ومؤتمر القمة الإفريقي،
وعندما طرحت برنامج الحل المرحلي المسمى مشروع النقاط العشر في منتصف سنة 1974،
الذي أكد أن المنظمة هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وأن هدفها
المرحلي هو إقامة السلطة الوطنية الفلسطينية المقاتلة على أي أرض فلسطينية يتم
تحريرها، أيد مؤتمر القمة العربي السابع هذه القرارات، فتقدمت المنظمة بطلب من
جامعة الدول العربية بالطلب من هيئة الأمم توجيه دعوة للمنظمة لحضور الدورة 29
للجمعية العمومية لهيئة الأمم، وهو ما حصل بالفعل وترتب عليه اعتراف الهيئة
الدولية بمنظمة التحرير وقبولها عضواً مراقباً فيها في تشرين الثاني/نوفمبر
1974.
العلاقات الدولية
وعلى المستوى الدولي، أقامت المنظمة علاقات وطيدة مع حركات التحرر العالمية،
وقد استثمرت ذلك في تصوير عِظَم تأثيرها في العالم لبناء علاقة جيدة مع الاتحاد
السوفياتي ودفع الولايات المتحدة الأمريكية للنظر بجدية إليها، وكلاهما دفع
المنظمة بصورة مباشرة وغير مباشرة إلى اتخاذ مواقف معتدلة والتعديل في سياساتها
الثورية وانتهاج الواقعية السياسية، ومن هنا فقد تعاطت منظمة التحرير مع قرار
242 الذي كانت تعتبره المنظمة بأنه لا يخص الشعب الفلسطيني ولا يقدم له شيئاً،
من خلال مساعي سرية جرت بين المنظمة والولايات المتحدة الأمريكية منذ عام 1975
لقبول القرار أو تحديد شروط قبوله، ومن خلال علاقات وطيدة بُنيت مع الاتحاد
السوفياتي انتهت بأن قبلت المنظمة بكل فصائلها البيان السوفياتي الأمريكي في
أول تشرين الول/أكتوبر 1977 المبني على قرار 242 بالتفصيل، ولكن دون أن تقر
المنظمة بأنها اعترفت بالقرار، وقد احتاج التصريح به بعض الوقت إلى أن أعلن
ياسر عرفات في جنيف في كانون الأول/ديسمبر 1988 عن قبوله لكل قرارات الأمم
المتحدة ومجلس الأمن واعترافه بحق (إسرائيل) في الوجود والعيش بسلام وتخليه عن
مقاومتها، وأعلن أن الميثاق الوطني الفلسطيني قد أصبح لاغياً (قالها بالفرنسية:
كادوك).
لقد ساهمت منظمة التحرير الفلسطينية عبر نضال مرير في تأكيد الهوية الفلسطينية
وإجبار العالم على الاعتراف بها، ولكنها في الوقت نفسه تبدلت مواقفها السياسية
من رفض الحلول السياسية إلى القبول بها، ومن رفض الدولة في المنفى إلى إعلانها
فعلياً، ومن الرغبة في إسقاط النظام الأردني إلى التحالف معه، ومن رفض قرار 242
إلى جعله مرجعية لعملية السلام، ومن رفض الحل المرحلي إلى جعله على صورة برنامج
للمنظمة، ومن تخوين بورقيبة عندما دعا إلى الواقعية السياسية، إلى انتهاج
الواقعية السياسية في أَفلسِ مظاهرها، ومن رفض الدويلة ((المسخ)) في الضفة
والقطاع وتحرير كل فلسطين، إلى الاكتفاء بدولة في الضفة والقطاع مع إلغاء
ميثاقها. فماذا بقي من منظمة التحرير؟!!