حماس تنفي وخوري لا يصدّق والقوى الأردنية ترفض:
اتهام الحكومة الأردنية لحماس بتهريب الأسلحة..
ما هي الأسباب والخلفيات؟
كان مقرراً أن يزور وزير الخارجية الفلسطيني محمود الزهار
الأردن يوم الأربعاء في 19/4/2006، وهو موعد متفق عليه بين الجانبين منذ مدة.
ولكن، فجأة، ودون أي مقدمات فوجىء الأردنيون وغيرهم ببيان رسمي أردني عشية
الزيارة يدعي أن السلطات الأمنية الأردنية ضبطت أسلحة ومتفجرات وصواريخ هربتها
حركة حماس للأردن، بهدف التخطيط لتفجيرات إرهابية في الأردن على الطريقة
الأمريكية المعروفة. ورداً على ذلك، قامت الحكومة الأردنية بإلغاء زيارة وزير
الخارجية الفلسطيني لعمان.
لم تسلم الرواية الرسمية التي أعلنها الناطق باسم الحكومة الأردنية ناصر جودة
من التشكيك بصحتها حيناً ورفضها واعتبارها مفبركة حيناً آخر من قبل أكثر من جهة
فلسطينية وأردنية.
ذلك أن جودة قال إن الأجهزة الأمنية رصدت نشاطات لعدد من عناصر حركة حماس على
الساحة الأردنية وعلى مراحل مختلفة، كان من ضمنها القيام بإجراء استطلاعات لعدد
من الأهداف الحيوية في عمان ومدن أخرى، كما تم ضبط أسلحة مختلفة قامت حماس
بتخزينها على الساحة الأردنية. وأضاف رئيس الوزراء الأردني الذي التقى كتلة
نواب الحركة الإسلامية في اليوم التالي –في لقاء كان مرتباً له مسبقاً– أن
الأسلحة التي ضبطتها أجهزة الأمن هربتها من سوريا عناصر من حماس، دون أن يعطي
المزيد من التفاصيل عن كيفية دخول الأسلحة من سوريا.
ضغط
الرواية الرسمية الأردنية اعتبرتها قوى وطنية وإسلامية ونيابية وكتاب أعمدة
وصحفيون وشخصيات مستقلة بأنها ((تفتقر للمنطق الواقعي))، فلم تجد صداها المطلوب
بالنظر لظروف إعلانها وتوقيتها بحسب العديد من المراقبين، فضلاً عن الجهة
المتهمة بها والتي طالما أكدت حرصها ورفضها المساس بسيادة الأردن والدول
العربية، وإدانتها الواضحة التفجيرات الإرهابية التي استهدفت فنادق عمان في
تشرين الثاني/نوفمبر العام الماضي، إلى جانب ما سرى من تكهنات في عمان طوال يوم
الثلاثاء –يوم الإعلان عن قضية أسلحة حماس– بعدم إتمام زيارة الزهار نتيجة صغوط
أمريكية على الحكومة الأردنية تصاعدت بعد عملية تل أبيب الاستشهادية.
التشكيك من قبل القوى السياسية والحزبية على الساحة المحلية الأردنية كان الرد
الأول على الرواية الحكومية، فكثير من تلك القوى شدد أن الهدف من رواية الحكومة
هو الامتثال لرغبة خارجية في محاصرة الحكومة الفلسطينية والتملص من استقبال
محمود الزهار.
وتعزز تشكيك القوى السياسية هذا في ضوء طلب جهات رسمية من الصحف التخفيف من نشر
البيانات والتصريحات لقادة حماس، لا سيما قيادتها السياسية في دمشق، وعدم إعطاء
آرائها مساحات واسعة. ووفقاً لصحفيين مطلعين، فإن الجهات الرسمية طلبت من الصحف
أيضاً عدم نشر مقالات حول قضية تهريب الأسلحة، لعدم الرغبة بالتصعيد في هذا
الملف بالغ الحساسية، إلى جانب منع نشر غير الرواية الرسمية التي بثتها وكالة
الأنباء الأردنية.
ردود الفعل
من جانبه، أكد المراقب العام لجماعة الإخوان المسلمين سالم الفلاحات أن الحكومة
كانت متسرعة في التعاطي مع هذا الموضوع إضافة إلى أنها أساءت، قصدت أو لم تقصد،
في أن تصور الأردن وكأنه في المعسكر الآخر. واعتبر الفلاحات أنه إذا كان هناك
أي معلومات بهذا الاتجاه فإنه من الممكن أن تعالج بطريقة آخرى، وليس في
الإعلام. كما أشار إلى أن الإدعاءات التي قدمتها الحكومة بصعب تصديقها، وأن
صدقية الإعلام الأردني كانت قليلة ومدانة.
واعتبر الفلاحات أن الشعب الفلسطيني بحاجة ماسة في هذه الأيام إلى دعم موقفه
البطولي، إضافة إلى تقوية الحكومة الفلسطينية التي خرجت من رحم الشعب
الفلسطيني، وأن مقتضيات الدعم تقديم المعونة للحكومة الفلسطينية لأنها حكومة
الشعب وليست حكومة حماس، لأن الشعب هو من اختارها. وأن الحركة الإسلامية على
يقين كامل بأن حركة حماس لا تقوم بمثل هذه التصرفات لأن معركتها منصرفة ومنصبة
على الكيان الصهيوني دون غيره.
من جهته، اعتبر النائب عبد الرحيم ملحس –وزير صحة سابق– أن حماس ليست من الغباء
بدرجة أن تقوم بمثل هذه الأعمال، وفي هذا الوقت بالذات. وقال: ((لنفترض أن
رواية الحكومة صحيحة، فإن المراد من إدخال الأسلحة هو إدخالها إلى الضفة
الغربية وليس لضرب الأردن، حديث الحكومة عن حماس في أنها أدخلت أسلحة إلى
الأردن ورصدت مواقع حيوية هو عبارة عن تصريحات غبية للحكومة)).
وأكد ملحس أن مصداقية الحكومة تضررت في الداخل الأردني والخارج، مشدداً على أنه
((لم يستفد من هذه التصريحات إلا غباء الحكومة))، مطالباً الحكومة بأن ((تنضب
وتسكت)) وأن ((لا تؤجج الموضوع كي يتمكن المواطنون من بلع كذبتها وتنتهي القصة،
لأن أي محاولة لتصديق روايتهم لن تنجح حتى لو أقحموا رئيس السلطة الفلسطينية
محمود عباس وغيره في الموضوع)).
وشدد ملحس أيضاً على أن عدم استقبال وزير الخارجية الفلسطيني محمود الزهار دليل
آخر على أن الحكومة الأردنية تأخذ أوامرها من السفير الأمريكي.
أما سعيد ذياب الأمين العام لحزب الوحدة الشعبية، فقال: ((الرواية الحكومية غير
صحيحة لأنها جاءت في سياق حملة دولية لضرب خيار المقاومة لدى الشعب
الفلسطيني))، مشيراً إلى أن هذا الإعلان أثّر سلباً على العلاقة الأردنية
الفلسطينية في الداخل والخارج وفي الشتات. كما أكد أن الحكومة أخطأت عندما
استثمرت موضوعاً أمنياً في رواية ليست دقيقة للتهرب من اللقاء الدبلوماسي مع
وزير الخارجية الفلسطيني؟
وفيما رأى المراقبون أن التعتيم على الموضوع إعلامياً خلال الأسابيع التي تلت
الإعلان عن قضية (أسلحة حماس) أن الحكومة عادت إلى صوابها في معالجة سليمة
لروايتها المفبركة، لكن الشارع الأردني فؤجى من جديد، وكأن الحكومة لم تسمع أن
الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل، إذ صعدت الأجهزة الأمنية من حملة
الاعتقالات التي طالت ثلاثة عشر شخصاً من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين وحزب
جبهة العمل الإسلامي في يوم واحد، ليعلن الناطق الرسمي في صباح اليوم التالي أن
التلفزيون الأردني سيقدم اعترافات لعناصر من حماس خططت لتنفيذ عمليات عسكرية ضد
الأردن.
الرواية الكاذبة
وفيما كان الجميع ينتظرون بشغف ما ستعلنه الحكومة، فاجأ التلفزيون
الأردني ووكالة الأنباء الرسمية الأردنيين ببثها صوراً وتقارير قال إنها
اعترافات لعناصر من حركة حماس قامت بتهريب أسلحة قيل أنهم ((خزنوها في مناطق
مختلفة من المملكة)).
موجة جديدة من الشك ظهرت على الرواية التي قدمها ثلاثة أشخاص من أصحاب السوابق
قدمهم التلفزيون الأردني أنهم عناصر من حركة حماس، بعد أن شاهد الجميع الشبان
الثلاثة يتحدثون في شريط مصور تم إخضاعه لعملية طويلة من ((المونتاج)) من خلال
((القص والتركيب والحذف))، فظهر شريط الاعترافات غير مقنع حتى لرجل الشارع
العادي، بل هو مسرحية أردنية سيئة الإخراج.
فالتسلسل الذي ظهرت فيه قضية الأسلحة بدا غريباً للغاية، إذ أن الأمر بدأ بعدد
قليل من الأسلحة الأوتوماتيكية، وصاروخاً، انتقلت بعد التشكيك الكبير فيها إلى
((العثور على المخزن))، ولم ينته الأمر لأن الناطق الرسمي ناصر جودة طالب حركة
حماس بأن تكشف عن مواقع الأسلحة المخزنة في الأردن، كما أنه حملها مسؤولية أي
أعمال في الأردن، وهو ما رآه مراقبون أنه إبقاء للأزمة مفتوحة على كافة
الاحتمالات واعتبارها مرشحة للتصاعد وأن مراحل أخرى ربما تظهر فيها مستقبلاً.
خارطة الدول التي ظهرت أسماؤها في الاعترافات كانت مثيرة للتساؤل، فالحديث دار
عن تدريب عسكري في سوريا، وأسلحة إيرانية (الإيرانيون نسوا محو شعارات جيشهم عن
الأسلحة والصواريخ)، والربط مع العراق (الأسلحة من القائم، ومجاهد عائد من
العراق، والتوجه نحو السعودية لإرسال رسالة لها أن عناصر حماس ((تآمروا)) على
الأردن وأمنه انطلاقاً من أراضيها).
وهنا لا بد من لفتة هامة، أن كل الشريط لم يأت على ذكر أن هناك تخطيطاً واحداً
لإدخال السلاح لفلسطين، أو استهدافاً للحدود مع العدو الصهيوني، أو أهدافاً
إسرائيلية، في محاولة واضحة لإظهار الحركة بمظهر المتآمر على الأردن وأمنه.
المناضل سامي خوري
كما أن الاتهامات ربما ينجم عنها إشاعة الطائفية من خلال إظهار حركة إسلامية
تعمل على قتل المسيحيين.
وهذا واضح من خلال الاتهام بالتخطيط لاستهداف رجل الأعمال المعروف سامي خوري،
على أنه (يهودي) على الرغم من أن حركة كحماس لا يخفى عليها من هو سامي حنا
خوري، وأنه أحد المناضلين القوميين المعروفين في الأردن والمناهضين للتطبيع.
ومن هنا فاجأ الاقتصادي الأردني ورجل الأعمال سامي خوري الذي ورد اسمه كأحد
المستهدفين في الرواية الرسمية الأردنية على أيدي العناصر الذين نسبوا لحماس
برسالة نقلتها فضائية الجزيرة، أعلن فيها استنكاره الشديد ورفضه الزج باسمه ضمن
الرواية الحكومية وتصويره على الملأ أنه كان مستهدفاً مِن قِبل مَن قيل إنهم
عناصر من حماس.
خوري الذي أصدر بياناً موقعاً باسمه الشخصي قال: ((تفاجأت بكل أسف وأسى بزج
اسمي فيما نسب إلى حركة حماس أخيراً في وسائل الإعلام، وإنني مستهدف من قبل
حركة حماس على اعتبار أنني يهودي وغير أردني زعماً... وحيث لا يمكنني تصديق ذلك
لأنني كما يعرف الجميع وبما فيهم حركة حماس والفعاليات الشعبية الأردنية ومنها
حزب جبهة العمل الإسلامي أنني مناضل قومي ومواطن أردني وعضو مؤسس في جمعية
مناهضة الصهيونية والعنصرية، ويجمعني مع كل الناشطين في مناهضة المشروع
الصهيوني أعلى روابط الأخوة والصداقة، وعليه اقتضى التنويه والنشر)).
وعلّق أمين عام جبهة العمل الإسلامي زكي بني أرشيد على زج اسم خوري بالقول: هذه
كانت أسوأ إضافة تضيفها الحكومة على مسلسل اتهام حماس، ولوحظ كيف وظفت المسألة
الطائفية بصورة جارحة للوحدة الوطنية والتعايش السلمي بين أصحاب الديانات.
وزاد بالقول: ساءها على ما يبدو حالة الوفاق والتسامح التي تمّت في المركز
العام للحركة الإسلامية مع وجوه وقيادات مسيحية فضلاً عن تقديم شخصيات مسيحية
تبرعات ضمن حملة جماعة الإخوان المسلمين للشعب الفلسطيني.
بني أرشيد رأى أن الحكومة حتى هذه اللحظة عاجزة عن إقناع الشعب الأردني بصحة
روايتها وبالتالي فإنها تلجأ للإعلام، واتخاذ مواقف أكثر حدة مع حركة حماس
باعتبار أن الموقف الأردني الرسمي ضد الحركة منذ اللحظة الأولى، متهماً الحكومة
بأنها تسعى لترحيل أزماتها المتكررة عن طريق افتعال أزمات أخرى خارجية.
وقال: ((المجتمع الأردني حبس أنفاسه ووقف طويلاً على رؤوس أصابعه لينتظر مفاجأة
الخميس، فوجدنا أن الجَملَ تمخّض فولد فأراً ..عن طريق الرواية الحكومية
الهزيلة والركيكة التي لا تنفع أحداً)).
نائب المراقب العام لجماعة الإخوان المسلمين جميل أبو بكر أكد على أن معالجة
الحكومة للأزمة لم تكن صحيحة منذ البداية، وأنه كان ينبغي عليها أن تحل الأزمة
ضمن إطار ووسائل أخرى غير الإطار الإعلامي.
وأشار أبو بكر إلى أن الروايات التي بثت لم تكن أدلة بقدر ما كانت إضعافاً
للرواية الرسمية، مشدداً على أن المصالح العليا المشتركة والمصير الواحد وحقيقة
التاريخ والجغرافيا بين الأردن وفلسطين والتهديدات في المنطقة تؤكد على أنه لا
مناص من اللقاء بين الحكومة الأردنية وحماس لمعالجة المشكلة.
أسئلة غير مفبركة
بعد عرض التلفزيون الأردني ما يسمى بـ((اعترافات)) المجموعة
التي قيل إنها تنتمي لحماس وتعتزم استهداف مواقع وشخصيات أردنية، وظهر خلل كبير
في الرواية ما يؤكد أنها مفبركة من الأساس، لا بد من توجيه الأسئلة التالية،
علّها تحظى بإجابة:
- ما حقيقة الاتصالات التي أجرتها الحكومة الأردنية مع وزير الخارجية الفلسطيني
الدكتور محمود الزهار، وماذا طلبت منه الحكومة الأردنية، ولماذا جاءت قضية
الأسلحة بعد رفض الزهار لهذا الطلب؟
- لماذا وجهت السلطات الأردنية الاتهام إلى قيادة حماس في دمشق وبالتحديد إلى
خالد مشعل، وما علاقة هذا الاتهام بالشروط التي طلبتها السلطات الأردنية من وفد
حماس الذي كان من المقرر أن يزور عمان في وقت سابق؟
- ما هي علاقة مَن أدلوا ((باعترافات)) بحركة فتح، وتحديداً بجهاز أمني
فلسطيني؟
- لماذا رفضت السلطات الأردنية استقبال وفد من الحكومة الفلسطينية وطلبت وفداً
مقرّباً من أبو مازن؟
- ما هو العرض الذي قدمته السلطات الأردنية لإنهاء الموضوع بعد ثبوت عدم
مصداقية الرواية؟
لعلّ الإجابة الجريئة على الأسئلة المطروحة تظهر الصدقية.
حماس: الإعلان الأردني يخالف سياستنا
أكدت حركة حماس في بيان لها أن ((إعلان السلطات الأردنية عن
اكتشاف مخابئ أسلحة ومتفجرات، وخطة لاستهداف منشآت حيوية ومسؤولين في الأردن
يعدّ عارياً عن الصحة، وهو يخالف سياسة الحركة المعروفة التي تحصر استهدافها
للكيان الصهيوني على أرض فلسطين)). ورأت الحركة أن ((الموقف الأردني يأتي في
سياق خطة محلية وإقليمية لمحاصرة الحكومة الفلسطينية المنتخبة ودفعها إلى تغيير
مواقفها للاستجابة للشروط الأميركية – الصهيونية)).
وشدّدت حركة حماس على أنها ستبقى متمسكة بمبادئها، وفيّة لشهدائها وأسراها
ومعتقليها، وأما الضغوط عليها ومحاصرتها فلن تزيدها إلا ثباتاً وصموداً.
وفي بيان لها تعليقاً على تصريحات السيد محمود عباس رئيس السلطة الفلسطينية
التي يؤكّد فيها على قناعته بصدق الرواية الأردنية حول قيام حركة حماس بالتخطيط
لاستهداف شخصيات وأهداف حيوية أردنية، ويدعو فيها الحركة إلى إثبات العكس، عبرت
الحركة عن استهجانها لتلك التصريحات التي صدرت عن السيد محمود عباس. واستغربت
حماس من مطالبة عباس لها بإثبات عكس التهم الموجهة إليها، وكأن الأصل صحة
الاتهام ((في حين أن الرواية الأردنية سواءً كانت المعلومات التي وصفها السيد
عباس (بالخطيرة والمذهلة) أو الاعترافات الملفّقة شكّلت مسرحيةً هزيلةً كشفت
للرأي العام زيف ادعاءات السلطات الأردنية)). أضاف البيان ((لقد كان حرياً
بالسيد عباس أنْ يستفهم من شركائه في حركة حماس قبل أن يعلن موقفه المذكور
وينحاز إلى الرؤية الأردنية الحكومية الملفّقة، ولكن يبدو أن الحسابات الفئوية
والضيّقة هي التي دفعته لتسجيل هذا الموقف المؤسف)).