إجراءات وقرارات
وتوجهات داخلية وبدعم خارجي:
صور من مخطط الانقلاب على الحكومة الفلسطينية
فلسطين/إبراهيم أبو الهيجاء
رويداً رويداً يراد تحويل الحكومة الفلسطينية إلى جسد لا حياة فيه ولا
يقوى على أداء مهماته وصلاحياته.. وإفشال حماس الذي قيل إنه خطة أميركية –
إسرائيلية – عربية وباشتراك أطراف فلسطينية نراه سيناريو ماثلاً في واقعنا
الفلسطيني، وإذا كان مفهوماً معاداة (إسرائيل) والولايات المتحدة لحماس فإنه لا
يمكننا تفهم تآمر أطراف عربية وفلسطينية على تجربة حماس.. رغم أنها تمثل ممانعة
صلبة لحماية المشروع الفلسطيني وبالتالي الدول العربية المجاورة. وحتى لو لم
يكن هناك نظرية مؤامرة في تداعيات حصار حماس، إلا أن هناك تقاطع مصالح واضحاً
يتواطأ على ضرب حماس وإجهاض تجربتها ودفع المجتمع الفلسطيني للثورة في وجهها،
وصولاً إلى القول أنها حركة عدمية عمياء لا تملك برنامجاً حياتياً أو سياسياً.
ولتبرير ذلك يجري الارتكاز على شروط الاعتراف بشرعية الاحتلال وإلقاء السلاح
لتبرير إبقاء الحصار وإدامته أكبر قدر من الوقت وإلى حين سقوط الحكومة أو
تحويلها إلى سلطة لا حول لها ولا قوة. وهنا ومهما حاول ناطقو حماس صياغة
مواقفهم بمرونة عالية، إلا أن الهدف الرئيس ليس المواقف المرنة بل تفريغ حماس
من مضمونها وثوابتها وصولاً إلى نكرانها لذاتها ومقاومتها، وهم قبالة ذلك لن
يعطوا الشعب الفلسطيني أو حماس أي شيء لأنهم أصلاً لا يملكون شيئاً.
مكتب أبو مازن
في إطار هذا التحليل يبدو معيباً اشتراك طرف فلسطيني في هذه المعادلة متخوفاً
على امتيازاته ونفوذه. وحركة فتح التي اعترفت بالانتخابات لفظياً مازالت تمارس
على الأرض تمرداً ينهي حكم حماس ويعيد حركة فتح إلى السلطة بعد إنجاز انتخابات
جديدة. ولذا يجري نفخ الروح في منظمة التحرير الميتة، ويجري على عجل تذكر أن
مؤسسة الرئاسة فاعلة ولها صلاحيات حاسمة، بل إنها تقفز عن أدوارها فيجري إصدار
مراسيم تصادر الإعلام من صلاحيات الوزارة، وفي مجال الأمن يجري التشديد على أن
الرئيس هو القائد العام للقوات المسلحة، بل ويصرح بعض قادة الأجهزة أنها تتبع
للرئاسة وليس للحكومة. وفي قضايا المال يجري إثقال الحكومة بالديون والتوظيف
المفرط، وحتى في القانون كانت هناك محاولة تشويه تعطي حق تعيين المحكمة
الدستورية للرئيس لتكون له الكلمة العليا في تفسير النصوص الغامضة ولربما
الواضحة. وفي ذات الوقت يجري إشغال حماس في فتن داخلية وحملات إعلامية، ويتفاعل
مع كل ذلك عصابات الفوضى والفلتان لتعتدي على الممتلكات العامة وشخوصها.
يتضافر مع كل هذه المعطيات الداخلية قبضة أميركية تتوعد من يساعد حكومة حماس
بالويل والثبور وعظائم الأمور، ولم يسلم من ذلك شخصيات وبنوك وحتى دول. أما
(إسرائيل) فإنها تنعش الذاكرة الفلسطينية يومياً باحتلالها وعدوانها فتتوقف
إمدادات الوقود.. ويزداد انقطاع الماء والكهرباء، وتتكاثر الحواجز العسكرية من
ثلاثمائة إلى خمسمائة. كما يرتقي يومياً الشهداء رغم حالة التهدئة. وينتخب
أولمرت على أساس برنامج يصادر أكثر من خمسين بالمائة من الأرض الفلسطينية
المتبقية.
مخطط للانقلاب
باختصار هو مخطط انقلاب بامتياز ضد الديمقراطية الفلسطينية التي قالت نعم
للمقاومة والتغيير ولا للفساد والتسوية. ويمكننا قياس تداعياته على أداء
الحكومة في عدة وجوه:
في المستوى الأول كانت الاستراتيجية الفتحاوية تعمل وحتى قبل النتائج
الانتخابية على إغراق حكومة حماس فتورثها ما أمكن من ديون وما أمكن من موظفين.
وفوق ذلك يجري إعادة هيكلة السلم الوظيفي بحيث تكون هذه التشكيلة كافية لشل
أداء الحكومة. وقبلها كان مستوى الفساد بحد ذاته عائقاً في وجه أي تغيير لأن
محاربته تتطلب قوة رادعة، وهي مفقودة إما لولاء الأجهزة الأمنية المعلوم أو
لضعفها في مواجهة نفوذ عصابات ومراكز قوى أحياناً لها الكلمة العليا في هذه
الأجهزة. ثم أتت إشكالية المال وتعدد مراكز القرار وتداخل الصلاحيات، لتضيق
الخناق أكثر على إمكانية التغيير العاجل.
في المستوى الثاني كان الهدف شلَّ الحكومة الفلسطينية وإبقاءها عاجزة عن
التحرك، غارقة في التفاصيل فيقتصر بحثها عن الكيفية التي تؤمن بها المال،
ولاحقاً عن كيفية التحويل، وتالياً في إطفاء حرائق الفتن، وتالياً في صراع
الصلاحيات. فيجري بذلك الإثبات للشارع الفلسطيني أنها حركة عاجزة عن إدارة
الحكم. ويجري استنزاف أوقاتها وصرفها عن مواجهة الأجندة الإصلاحية والسياسية
التي انتخبت لأجلها، ثم يحاولون إظهارها كحكومة حزبية لا فلسطينية، ولعل إفشال
إقامة حكومة الوحدة الوطنية كان من ضمن هذه الأهداف.
في المستوى الثالث يجري بلبلة مواقف حماس وتشويه إجراءاتها على الأرض، في ظل
مصادرة سلاح الإعلام الرسمي منها والتضييق على منابرها المسجدية.
ولا شك أن سيطرة الحكومة -حسب ما هو منصوص عليه في القانون الأساسي– على وسائل
الإعلام الفلسطينية المتنوعة سيجعل لرؤيتها منفذاً في التعبير وهامشاً في
التغيير، بل ويمكنها أن تجعل دورها أكثر فاعلية أولاً في مواجهة حملة إعلامية
منظمة تشوه المواقف. وثانياً فإن سلاح الإعلام كفيل بتعبئة فلسطينية توثق علاقة
الحكومة مع الشعب والعكس. وثالثاً وهو الأهم فإن الإعلام مهم في التعبير عن
سياسات التغيير والإصلاح التي انتخبت لأجلها. والخطير في ظل سطوة الرئاسة على
المؤسسة الإعلامية أن تستغل لشل الحكومة أو إضعافها إعلامياً. والأخطر أن يحرض
الإعلام على الحكومة الفلسطينية، ويبرر مثلاً قرارات رئاسية محتملة تنقص من
صلاحيات الحكومة أو تعتدي كلياً على شرعيتها.
توظيف المال
في المستوى الرابع يتبدى في القضية المالية أن الآلية التي تبلورها الرباعية
بموافقة أميركية تفرض بشكل أو بآخر وصاية دولية على التصرف المالي، وبإصرار على
تجاوز الحكومة الفلسطينية، ورغم ما يتبدى للبعض من انفراج نسبي للأزمة وانتصار
لإرادة الصمود، إلا أنه من المهم القول أن سلب السيادة المالية سيكون له
تداعيات خطيرة (فمن يملك المال يملك القرار). وقد يصل التوظيف السياسي للمال
حده الأقصى إذا ما جرى الوقوف في وجه تغيير البرامج التعليمية مثلاً أو معاقبة
أستاذ لاشتراكه في أعمال المقاومة، أو أن يجري مثلاً طرد بعض العناصر الوطنية
من القوى الأمنية، أو معاقبة جهاز لرفضه التصدي لصواريخ القسام..
في المستوى الخامس وفي نطاق السيطرة على الأجهزة الأمنية، تقوم الرئاسة بمنازعة
حماس لصلاحياتها أو سحبها أو تقوية الأجهزة التابعة فقط لها، وبذلك يجري إبقاء
هذه الأجهزة إدارياً مشتتة ضعيفة، ومع تدفق المال على أجهزة بعينها فإن ذلك
سيجعل من منصب الوزير أقرب إلى الديكور. ولا يمكننا هنا الاستهانة بقوة الأجهزة
الأمنية الفلسطينية التي تصل إلى مائة ألف عنصر، بالتالي على مواجهة الفلتان
والفوضى وتطبيق برنامج التغيير المنشود (لأنه لا قيمة لقانون لا تحميه قوة).
بالمقابل سيحمل ولاء المؤسسة الأمنية للرئاسة الفلسطينية تصدياً لبعض السياسات
الحكومية التي سترغب الحكومة في إنفاذها تأكيداً للحقوق أو حماية للمقاومة
الفلسطينية أو حتى تأكيداً لسلطتها وقوتها في البرلمان. وستكون الخطورة إذا ما
جرى استخدام هذه الأجهزة في التصدي لأعمال المقاومة أو اعتقال مناصريها إنفاذاً
لرغبات دولية وقرارات رئاسية. ثم سيكون أخطر من ذلك إن جرى في لحظة من اللحظات
إعلان حالة الطوارئ لمدة تفوق صلاحيات الرئاسة أو حل البرلمان وقبلها حل
الحكومة والانقلاب على الشرعية الفلسطينية، تمهيداً لانتخابات جديدة تعيد حركة
فتح إلى السلطة وتصادر الحكم من حماس.
في المستوى السادس لم يقتصر التضييق على حماس في مواقعها الحكومية بل يجري حتى
تهديد نصرها في المحليات من خلال تقوية صلاحيات المحافظين، وما يسمى مجالس
المحافظة بحيث تكون لها الكلمة العليا في الشؤون الأمنية والمحلية. وفي الوقت
الذي ينسق فيه ضباط الإدارة المدنية الإسرائيلية مع نظرائهم في المحافظات يجري
التضييق على البلديات ((الحمساوية)) في شؤون الماء والكهرباء وشتى القضايا
الإنسانية التي تؤكد شرعية هذه المحليات. الأمر الذي جعل شكوى المواطنين تجد
صداها لدى المحافظات وليس لدى البلديات. وحتى المساعدات بشتى أنواعها فإن
البعثات الدولية تنفذ معظمها من خلال المحافظات حتى في قضايا البنى التحتية
ويهمش بالمقابل دور البلديات التي يقتصر دورها على جباية الكهرباء والماء ورسوم
النفايات حيث تحت الحصار ولا يملكون المال مما يضطر البلدية إلى مواجهة معهم
تفضي إلى إضعاف آخر لشرعيتها وقوتها والتفاف المجتمع حولها، مع العلم أن هذه
الجباية المالية بالكاد تسير هذه البلديات التي ورثت ديوناً طائلة وموظفين أكبر
من الحاجة بأضعاف.
حوار!!
في المستوى السابع يجري العمل على إيقاع الأزمة واستفحالها بالضغط على حماس من
خلال جرها لحوار على نار الأزمة طالباً منها الموافقة على بعض القرارات الدولية
أو المبادرات العربية، أو القبول الضمني لتتنازل عن قوتها البرلمانية من خلال
قبولها بحكومة تجعلها متساوية مع الأحزاب التي لم تحصل على ثلاثة مقاعد. ويجري
ذلك تحت شعارات تخليص الشعب الفلسطيني من محنته وبالتهوين من تنازل الحركة عن
جزء من فلسطين في 1948 أو حقوق اللاجئين ولربما أحياء في القدس، أو يجري ذلك
بتهويل معطيات الأزمة لتأكيد ما يسمونه العدمية عند حماس. وفي إطار كل ذلك
تتكاثر المبادرات فما يسمى القطاع الخاص –المحتكر فعلياً للموارد الفلسطينية-
يتحدث اليوم عن ضرورة اعتراف حماس بالمبادرة العربية. وهناك مسودة السجون أو ما
أطلق عليها (وثيقة الوفاق الوطني) يجري ضبط الحقوق الفلسطينية في إطار أراضي
1967.
بالعموم، من الضروري في مواجهة كل ذلك التمسك بالثوابت الفلسطينية لأنها
المستهدفة بالأساس. من المهم ومع مرور الوقت أن توسع الحكومة الفلسطينية
صلاحياتها مهما كان في ذلك مواجهة مع المهيمنين عليها على أن يجري تفعيل خيار
المقاومة والممانعة والانعتاق مع الاحتلال لإحداث توازن يؤكد على بقاء العديد
من الخيارات في جيب حماس، لإفشال هدف إيجاد حكومة مشلولة في حركتها وسلطانها.
وجنباً إلى جنب من المهم التأكيد على حجم مؤامرة الإفشال وتوجيه إصبع الاتهام
لأصاحبها لأن في ذلك تصديراً للأزمة حيث يجب أن تكون، وفضحاً للمفشلين وكشفاً
بالتالي للمنافقين وقطعاً للطريق على تثوير الناس ضد حماس أو معاقبتها
انتخابياً، كما يطمحون.