فلسطين المسلمة    -     شهرية - سياسية - جامعة

• من نحن • اشتراك • الأعداد السابقة • الإتصال بنا • دليل المواقع • خريطة الموقع •

Jun2006
PDF نسخة
وراء الأخبار
ولنا كلمة
حول القضية
هنا فلسطين
فئة ثابتة
تحليـــل
أخبار وتقارير1
أخبار وتقارير2
تقريـــر1
تقريـــر2
الغلاف1
الغلاف2
الغلاف3
الغلاف4
شؤون فلسطينية1
شؤون فلسطينية2
تحليـــل
قضايــا
الملف1
الملف2
الملف3
الملف4
شؤون عربية
شؤون إقليمية
أوراق ثقافية1
أوراق ثقافية2
أوراق ثقافية3
مع الغروب
مساهمات
أقوال وأرقام
أشواق الحرية
قل ودل
لوحات فنية
لحظة

 

الغلاف3

إجراءات وقرارات وتوجهات داخلية وبدعم خارجي:
صور من مخطط الانقلاب على الحكومة الفلسطينية

فلسطين/إبراهيم أبو الهيجاء
رويداً رويداً يراد تحويل الحكومة الفلسطينية إلى جسد لا حياة فيه ولا يقوى على أداء مهماته وصلاحياته.. وإفشال حماس الذي قيل إنه خطة أميركية – إسرائيلية – عربية وباشتراك أطراف فلسطينية نراه سيناريو ماثلاً في واقعنا الفلسطيني، وإذا كان مفهوماً معاداة (إسرائيل) والولايات المتحدة لحماس فإنه لا يمكننا تفهم تآمر أطراف عربية وفلسطينية على تجربة حماس.. رغم أنها تمثل ممانعة صلبة لحماية المشروع الفلسطيني وبالتالي الدول العربية المجاورة. وحتى لو لم يكن هناك نظرية مؤامرة في تداعيات حصار حماس، إلا أن هناك تقاطع مصالح واضحاً يتواطأ على ضرب حماس وإجهاض تجربتها ودفع المجتمع الفلسطيني للثورة في وجهها، وصولاً إلى القول أنها حركة عدمية عمياء لا تملك برنامجاً حياتياً أو سياسياً. ولتبرير ذلك يجري الارتكاز على شروط الاعتراف بشرعية الاحتلال وإلقاء السلاح لتبرير إبقاء الحصار وإدامته أكبر قدر من الوقت وإلى حين سقوط الحكومة أو تحويلها إلى سلطة لا حول لها ولا قوة. وهنا ومهما حاول ناطقو حماس صياغة مواقفهم بمرونة عالية، إلا أن الهدف الرئيس ليس المواقف المرنة بل تفريغ حماس من مضمونها وثوابتها وصولاً إلى نكرانها لذاتها ومقاومتها، وهم قبالة ذلك لن يعطوا الشعب الفلسطيني أو حماس أي شيء لأنهم أصلاً لا يملكون شيئاً.

مكتب أبو مازن
في إطار هذا التحليل يبدو معيباً اشتراك طرف فلسطيني في هذه المعادلة متخوفاً على امتيازاته ونفوذه. وحركة فتح التي اعترفت بالانتخابات لفظياً مازالت تمارس على الأرض تمرداً ينهي حكم حماس ويعيد حركة فتح إلى السلطة بعد إنجاز انتخابات جديدة. ولذا يجري نفخ الروح في منظمة التحرير الميتة، ويجري على عجل تذكر أن مؤسسة الرئاسة فاعلة ولها صلاحيات حاسمة، بل إنها تقفز عن أدوارها فيجري إصدار مراسيم تصادر الإعلام من صلاحيات الوزارة، وفي مجال الأمن يجري التشديد على أن الرئيس هو القائد العام للقوات المسلحة، بل ويصرح بعض قادة الأجهزة أنها تتبع للرئاسة وليس للحكومة. وفي قضايا المال يجري إثقال الحكومة بالديون والتوظيف المفرط، وحتى في القانون كانت هناك محاولة تشويه تعطي حق تعيين المحكمة الدستورية للرئيس لتكون له الكلمة العليا في تفسير النصوص الغامضة ولربما الواضحة. وفي ذات الوقت يجري إشغال حماس في فتن داخلية وحملات إعلامية، ويتفاعل مع كل ذلك عصابات الفوضى والفلتان لتعتدي على الممتلكات العامة وشخوصها.
يتضافر مع كل هذه المعطيات الداخلية قبضة أميركية تتوعد من يساعد حكومة حماس بالويل والثبور وعظائم الأمور، ولم يسلم من ذلك شخصيات وبنوك وحتى دول. أما (إسرائيل) فإنها تنعش الذاكرة الفلسطينية يومياً باحتلالها وعدوانها فتتوقف إمدادات الوقود.. ويزداد انقطاع الماء والكهرباء، وتتكاثر الحواجز العسكرية من ثلاثمائة إلى خمسمائة. كما يرتقي يومياً الشهداء رغم حالة التهدئة. وينتخب أولمرت على أساس برنامج يصادر أكثر من خمسين بالمائة من الأرض الفلسطينية المتبقية.

مخطط للانقلاب
باختصار هو مخطط انقلاب بامتياز ضد الديمقراطية الفلسطينية التي قالت نعم للمقاومة والتغيير ولا للفساد والتسوية. ويمكننا قياس تداعياته على أداء الحكومة في عدة وجوه:
في المستوى الأول كانت الاستراتيجية الفتحاوية تعمل وحتى قبل النتائج الانتخابية على إغراق حكومة حماس فتورثها ما أمكن من ديون وما أمكن من موظفين. وفوق ذلك يجري إعادة هيكلة السلم الوظيفي بحيث تكون هذه التشكيلة كافية لشل أداء الحكومة. وقبلها كان مستوى الفساد بحد ذاته عائقاً في وجه أي تغيير لأن محاربته تتطلب قوة رادعة، وهي مفقودة إما لولاء الأجهزة الأمنية المعلوم أو لضعفها في مواجهة نفوذ عصابات ومراكز قوى أحياناً لها الكلمة العليا في هذه الأجهزة. ثم أتت إشكالية المال وتعدد مراكز القرار وتداخل الصلاحيات، لتضيق الخناق أكثر على إمكانية التغيير العاجل.
في المستوى الثاني كان الهدف شلَّ الحكومة الفلسطينية وإبقاءها عاجزة عن التحرك، غارقة في التفاصيل فيقتصر بحثها عن الكيفية التي تؤمن بها المال، ولاحقاً عن كيفية التحويل، وتالياً في إطفاء حرائق الفتن، وتالياً في صراع الصلاحيات. فيجري بذلك الإثبات للشارع الفلسطيني أنها حركة عاجزة عن إدارة الحكم. ويجري استنزاف أوقاتها وصرفها عن مواجهة الأجندة الإصلاحية والسياسية التي انتخبت لأجلها، ثم يحاولون إظهارها كحكومة حزبية لا فلسطينية، ولعل إفشال إقامة حكومة الوحدة الوطنية كان من ضمن هذه الأهداف.
في المستوى الثالث يجري بلبلة مواقف حماس وتشويه إجراءاتها على الأرض، في ظل مصادرة سلاح الإعلام الرسمي منها والتضييق على منابرها المسجدية.
ولا شك أن سيطرة الحكومة -حسب ما هو منصوص عليه في القانون الأساسي– على وسائل الإعلام الفلسطينية المتنوعة سيجعل لرؤيتها منفذاً في التعبير وهامشاً في التغيير، بل ويمكنها أن تجعل دورها أكثر فاعلية أولاً في مواجهة حملة إعلامية منظمة تشوه المواقف. وثانياً فإن سلاح الإعلام كفيل بتعبئة فلسطينية توثق علاقة الحكومة مع الشعب والعكس. وثالثاً وهو الأهم فإن الإعلام مهم في التعبير عن سياسات التغيير والإصلاح التي انتخبت لأجلها. والخطير في ظل سطوة الرئاسة على المؤسسة الإعلامية أن تستغل لشل الحكومة أو إضعافها إعلامياً. والأخطر أن يحرض الإعلام على الحكومة الفلسطينية، ويبرر مثلاً قرارات رئاسية محتملة تنقص من صلاحيات الحكومة أو تعتدي كلياً على شرعيتها.

توظيف المال
في المستوى الرابع يتبدى في القضية المالية أن الآلية التي تبلورها الرباعية بموافقة أميركية تفرض بشكل أو بآخر وصاية دولية على التصرف المالي، وبإصرار على تجاوز الحكومة الفلسطينية، ورغم ما يتبدى للبعض من انفراج نسبي للأزمة وانتصار لإرادة الصمود، إلا أنه من المهم القول أن سلب السيادة المالية سيكون له تداعيات خطيرة (فمن يملك المال يملك القرار). وقد يصل التوظيف السياسي للمال حده الأقصى إذا ما جرى الوقوف في وجه تغيير البرامج التعليمية مثلاً أو معاقبة أستاذ لاشتراكه في أعمال المقاومة، أو أن يجري مثلاً طرد بعض العناصر الوطنية من القوى الأمنية، أو معاقبة جهاز لرفضه التصدي لصواريخ القسام..
في المستوى الخامس وفي نطاق السيطرة على الأجهزة الأمنية، تقوم الرئاسة بمنازعة حماس لصلاحياتها أو سحبها أو تقوية الأجهزة التابعة فقط لها، وبذلك يجري إبقاء هذه الأجهزة إدارياً مشتتة ضعيفة، ومع تدفق المال على أجهزة بعينها فإن ذلك سيجعل من منصب الوزير أقرب إلى الديكور. ولا يمكننا هنا الاستهانة بقوة الأجهزة الأمنية الفلسطينية التي تصل إلى مائة ألف عنصر، بالتالي على مواجهة الفلتان والفوضى وتطبيق برنامج التغيير المنشود (لأنه لا قيمة لقانون لا تحميه قوة). بالمقابل سيحمل ولاء المؤسسة الأمنية للرئاسة الفلسطينية تصدياً لبعض السياسات الحكومية التي سترغب الحكومة في إنفاذها تأكيداً للحقوق أو حماية للمقاومة الفلسطينية أو حتى تأكيداً لسلطتها وقوتها في البرلمان. وستكون الخطورة إذا ما جرى استخدام هذه الأجهزة في التصدي لأعمال المقاومة أو اعتقال مناصريها إنفاذاً لرغبات دولية وقرارات رئاسية. ثم سيكون أخطر من ذلك إن جرى في لحظة من اللحظات إعلان حالة الطوارئ لمدة تفوق صلاحيات الرئاسة أو حل البرلمان وقبلها حل الحكومة والانقلاب على الشرعية الفلسطينية، تمهيداً لانتخابات جديدة تعيد حركة فتح إلى السلطة وتصادر الحكم من حماس.
في المستوى السادس لم يقتصر التضييق على حماس في مواقعها الحكومية بل يجري حتى تهديد نصرها في المحليات من خلال تقوية صلاحيات المحافظين، وما يسمى مجالس المحافظة بحيث تكون لها الكلمة العليا في الشؤون الأمنية والمحلية. وفي الوقت الذي ينسق فيه ضباط الإدارة المدنية الإسرائيلية مع نظرائهم في المحافظات يجري التضييق على البلديات ((الحمساوية)) في شؤون الماء والكهرباء وشتى القضايا الإنسانية التي تؤكد شرعية هذه المحليات. الأمر الذي جعل شكوى المواطنين تجد صداها لدى المحافظات وليس لدى البلديات. وحتى المساعدات بشتى أنواعها فإن البعثات الدولية تنفذ معظمها من خلال المحافظات حتى في قضايا البنى التحتية ويهمش بالمقابل دور البلديات التي يقتصر دورها على جباية الكهرباء والماء ورسوم النفايات حيث تحت الحصار ولا يملكون المال مما يضطر البلدية إلى مواجهة معهم تفضي إلى إضعاف آخر لشرعيتها وقوتها والتفاف المجتمع حولها، مع العلم أن هذه الجباية المالية بالكاد تسير هذه البلديات التي ورثت ديوناً طائلة وموظفين أكبر من الحاجة بأضعاف.

حوار!!
في المستوى السابع يجري العمل على إيقاع الأزمة واستفحالها بالضغط على حماس من خلال جرها لحوار على نار الأزمة طالباً منها الموافقة على بعض القرارات الدولية أو المبادرات العربية، أو القبول الضمني لتتنازل عن قوتها البرلمانية من خلال قبولها بحكومة تجعلها متساوية مع الأحزاب التي لم تحصل على ثلاثة مقاعد. ويجري ذلك تحت شعارات تخليص الشعب الفلسطيني من محنته وبالتهوين من تنازل الحركة عن جزء من فلسطين في 1948 أو حقوق اللاجئين ولربما أحياء في القدس، أو يجري ذلك بتهويل معطيات الأزمة لتأكيد ما يسمونه العدمية عند حماس. وفي إطار كل ذلك تتكاثر المبادرات فما يسمى القطاع الخاص –المحتكر فعلياً للموارد الفلسطينية- يتحدث اليوم عن ضرورة اعتراف حماس بالمبادرة العربية. وهناك مسودة السجون أو ما أطلق عليها (وثيقة الوفاق الوطني) يجري ضبط الحقوق الفلسطينية في إطار أراضي 1967.
بالعموم، من الضروري في مواجهة كل ذلك التمسك بالثوابت الفلسطينية لأنها المستهدفة بالأساس. من المهم ومع مرور الوقت أن توسع الحكومة الفلسطينية صلاحياتها مهما كان في ذلك مواجهة مع المهيمنين عليها على أن يجري تفعيل خيار المقاومة والممانعة والانعتاق مع الاحتلال لإحداث توازن يؤكد على بقاء العديد من الخيارات في جيب حماس، لإفشال هدف إيجاد حكومة مشلولة في حركتها وسلطانها. وجنباً إلى جنب من المهم التأكيد على حجم مؤامرة الإفشال وتوجيه إصبع الاتهام لأصاحبها لأن في ذلك تصديراً للأزمة حيث يجب أن تكون، وفضحاً للمفشلين وكشفاً بالتالي للمنافقين وقطعاً للطريق على تثوير الناس ضد حماس أو معاقبتها انتخابياً، كما يطمحون.

 

الفلسطينيون يواجهون الحصار بالتضامن والعطاء واقتسام اللقمة:
امرأة عجوز تتبرّع بمالها وعروس بحليّها وموظف يقسّم راتبه على إخوته




غزة/فلاح الصفدي
طفل صغير، لم يتعد الثالثة من العمر، على وجهه ارتسمت كل ملامح البراءة، بين يديه حمل حصالته ذات اللون الأخضر ومر مسرعاً، ساعده صغر جسمه على اختراق الحشود والوصول سريعا إلى المنصة، حيث حملة جمع التبرعات ليسلم حصالته لأحد المشرفين ويهمس بأذنه بكلمات بالكاد كانت مسموعة ((هذي للحكومة)).
لم يكن هذا المشهد جزءاً من فيلم درامي، أو من قصة أو رواية خيالية، بل كان زاوية من اللوحة الفنية الرائعة التي ارتسمت لتسطع في الحصار الظالم، نوراً يبدد العتمة ويبعث الأمل في أمة بات الكثير منها يعتقد أن الركوع مقابل الجوع ((تكتيك))، وأن الصمود في وجه الإملاءات والتمرد على السيد الأميركي والصهيوني ((جهل سياسي)).
بهذه المشاهد وغيرها يبدو الشارع الفلسطيني اليوم، متلاحماً متكاتفاً عبر تآزر اجتماعي وإنساني عكس مدى وعي وقوة هذا الشعب الصامد الصابر في وجه كل المحن.

نقتسم اللقمة
رغم أن غالبية الأيدي العاملة في المناطق الفلسطينية هي من الموظفين في مؤسسات السلطة الفلسطينية وأجهزة الأمن، أو من العاملين داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948، الذين منعوا من العمل منذ أشهر عديدة، وهؤلاء جميعاً لم يتقاضوا أي راتب منذ ثلاثة شهور، ليشاطر الجميع محنة قلة الدخل أو بالأحرى انعدام الدخل، وبذلك لم يبقَ في المجتمع الفلسطيني سوى طبقة القطاع الخاص الذين استمر عملهم ورواتبهم، وهم رغم قلتهم إلا أن العديد منهم عكس روح التضامن الاجتماعي والتواصل. ويحدثنا (أبو إسلام) وهو أحد العاملين في المؤسسات الخاصة -وقد رفض ذكر اسمه كاملاً– عن راتبه كيف ينفقه، فقال ((لدي ثلاثة أشقاء موظفين في السلطة، أحدهم موظف مدني والآخريْن في أحد الأجهزة الأمنية، وأعرف أنهم لم يتلقوا دخلاً منذ ثلاثة أشهر، ونفد ما ادخروه أثناء محاولتنا توسيع بيت العائلة، فكان واجباً عليّ أن أساعد إخوتي، فبمجرد أن قبضت راتبي حتى قسمته علينا بالتساوي لعلمي بوضعهم الصعب في ظل هذه الظروف)). وتابع مبدداً دهشتنا من كيف سيكفي راتبه الذي أخبرنا أنه لا يتجاوز الأربعمائة دينار إعالة أربع أسر؟ فقال مبتسماً ومردداً كلمات قالها رئيس الوزراء الفلسطيني ((نعيش على الزيت والزعتر))، وأكمل وقد بدت ملامح العزة على وجهه ((المهم أن نبقى صامدين، فما فائدة الأكل والفلوس إذا تراجعنا وتنازلنا عن أرضنا، فلنقتسم اللقمة ونصبر لأنه ليس أمامنا خيار سواه)).
هذه المعاني وتلك الصور لم تقتصر على الموظفين العاملين أو الذين استمرت رواتبهم، بل امتد لأولئك الفقراء وأمهات الشهداء وزوجاتهم، حيث تحدث رئيس الوزراء الفلسطيني الأستاذ إسماعيل هنية عن أحد تلك النماذج وهي الحاجة أم غسان غبن، والتي استشهد أربعة من أبنائها على أيدي قوات الاحتلال، وقال ((لقد جاءتني قبل أيام تلك المرأة الصابرة إلى مقر الوزارة بغزة وقالت: لقد قدمت أربعة من أبنائي شهداء ولدي أربعة آخرين أنا مستعدة أن أقدمهم أيضاً فداء لهذه الحكومة، المهم ألا تتنازلوا عن دماء الشهداء وأن تبقوا صامدين)).
كثيرة هي النماذج المعبرة عن معدن الناس هنا، ومن خلال تغطيتنا لحملة النصرة وفك الحصار التي نظمت قبل أيام في غزة، لفت انتباهنا إحدى الفتيات المنقبات وقد قبضت يدها على ورقة وكيس صغير، وتحاول مرة إثر أخرى الاقتراب من المنصة التي تجمع عليها التبرعات لكن الحشود الكبيرة التي التفت قرب المكان حالت دون ذلك، حتى انتبه لها أحد القائمين على الحملة فتقدمت نحوه وسلمته ما بيدها وهمست له بكلمات ما سمعناها وغادرت، فدفعنا الفضول نحو ذلك الرجل لنسأله ماذا كانت تريد؟ من هي؟ فقال وقد اقترب من مكبر الصوت ((هذه عروس حديثة العهد بالزواج، جاءت ومعها كل شبكتها وذهبها وهي تقول أن هذا كل ما تملكه وهي تقدمه دعماً للحكومة والشعب في مواجهة الحصار)).

سترة قائد القسام
وفي مشهد آخر معبر لاحظنا إحدى العجائز وقد جاوزت السبعين وبدا عليها الإرهاق، وعلى وجهها ارتسمت تجاعيد الكبر تحكي فصولاً من صبر وإصرار هذا الشعب، وقد اقتربت من المنصة، وبيدها بضعة أوراق نقدية، جاءها أحد الشباب وعرض عليها أن يأخذ منها المال ليضعه في المكان المخصص نيابة عنها وحتى لا تتحمل تعب الصعود على المنصة، لكنها أبت إلا أن تفعل ذلك بنفسها، فصعدت ووضعت ما بيدها من دنانير، ولم تكتف بذلك بل اقتربت من المشرف على الميكروفون وأخذته من يده ليعلوا صوتها المتهدج ((الله ينصرك يا أبو العبد هنية، الله ينصر شعبنا، ربنا يهلك أولاد الحرام وبنات الحرام، كلنا فداء لهذه الحكومة)).. ولم يقطع كلامها سوى هتافات التكبير والتهليل من الحضور والتي ردت عليها بأن زادت في تبرعها وبادرت بخلع خاتم ذهبي من يدها ووضعته في صندوق التبرعات.
وفي صورة أخرى أشد تأثيراً فوجئ القائمون على حملة النصرة وفك الحصار خلال انطلاقها في غزة بأحد أفراد عائلة قائد ومؤسس الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، الشهيد الشيخ صلاح شحادة وهو يتقدم وبيده سترة ليقول لهم ((هذه سترة الشيخ صلاح نتبرع بها لكم دعماً لشعبنا وحكومتنا)). لكن عظمة الموقف لا تنتهي هنا، فما هي إلا لحظات بعيد إعلان القائمين على الحملة عن مزاد لبيع هذه السترة وإذ بأحد المتصلين على الهاتف المخصص للحملة من مدينة خانيونس يعرض على القائمين شراءه للسترة ومبادلتها بسيارته الحديثة والبالغ ثمنها أكثر من سبعة آلاف دولار أمريكي، ولم يكتف بذلك، فما هي إلا لحظات حتى تقدم أحد الأشخاص مسرعاً نحو المنصة وبيده سلسلة مفاتيح وأعلن أنه هو المتصل، وسلّم المفاتيح، واستلم السترة، وفي مشهد يعجز الجميع عن نسيانه أخذ يحتضن سترة الشهيد وهو يبكي ويقبلها، وكأنه حاز على كنز كبير طالما بحث عنه وانتظره طويلاً، فما تبقى أحد في المكان إلا بكى على هذا المشهد المؤثر.
ويذكر أن الشهيد صلاح شحادة استشهد بتاريخ 22/7/2002 إثر قصف طائرات العدو الصهيوني لمنزله بقنبلة تزن طن واستشهد معه زوجته وابنته الصغرى ومرافقه و14شهيداً من النساء والأطفال
ويشار إلى أن نسبة الأشخاص الذين لا يعملون وفق إحصائيات الجهاز المركزي الفلسطيني للإحصاء الفلسطيني ارتفع من 29.4% في الربع الرابع من 2005 إلى 31.1% في الربع الأول من عام 2006، في حين كانت نسبتهم 20.2% في الربع الثالث 2000 وفق التعريف الموسع للبطالة، وسجلت نسبة البطالة أعلاها بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 20-24 سنة حيث بلغت 38.7% بواقع 33% في الضفة الغربية و50.1% في قطاع غزة، وأشارت هذه الإحصاءات إلى أن القطاع العام يشغل 33.7% من إجمالي العاملين في الأراضي الفلسطينية بواقع 39.4% في قطاع غزة و 17.8% في الضفة الغربية.

نقتلع الشوك بأيدينا
وحول التضامن والتآزر الذي بدا جلياً في الشارع الفلسطيني مع اشتداد أزمة الحصار يوماً بعد يوم، وكأن الشارع الفلسطيني يضمد جراحه بنفسه ويقتلع أشواكه التقينا الأستاذ يوسف درويش مدير حملة النصرة وفك الحصار التي نظمت مؤخراً في محافظات غزة فقال: ((الشعب الفلسطيني رغم معاناته إلا أنه سجل وقفات شامخة أكثر من مرة، وهي وقفات لها بعد رمزي أكثر منه مادي، فماذا سيجمع هذا الشعب مهما جمع؟! لكنها مبادرة من هذا الشعب من شأنها أن تدفع بالشعوب العربية إلى التحرك)).
وأضاف: ((إن جميع أبناء شعبنا تفاعل مع هذه الحملات رغم حالة الفقر والبطالة التي تضرب أطنابها في مختلف نواحي الحياة، ورغم الفقر والجوع والمعاناة نجد أن الطفل الصغير يتبرع بحصالته التي لا يملك غيرها، ونجد الكثير من المشاهد المؤثرة التي تعتبر في حد ذاتها رسالة إلى العالم جميعاً بأن هذا الشعب الفلسطيني يستحق أن نقف بجانبه)).
وأشار إلى بعض هذه النماذج التي ما شاهدها أحد إلا تأثر بها. وقال مستذكراً ((هل هناك أكثر رمزية من هذه المشاهد، المرأة العجوز التي تقدم كل ما لديها من حلي، أو الطفل الذي يقدم حصالته التي لا يملك غيرها، أو مشهد ذلك الرجل الذي يفرغ كل ما في جيوبه ويقدمه، كلها مشاهد تؤكد انه لن يتمكن أحد من النيل من كرامة هذا الشعب وصموده)).
وتابع درويش وقد بدا أكثر تفاؤلاً وانشراحاً ((في أقل من ساعتين على بدء الحملة في غزة فقط، والتي امتدت إلى بقية المحافظات، تمكنا من جمع أكثر من نصف مليون دولار وهو مبلغ كبير بقيمته المعنوية المعبرة عن عمق انتماء هذا الشعب، رغم أن هذا المال لن يحل مشكلة الرواتب)).
وعند استغرابنا من حجم هذا التفاعل والمبادرة الكبيرين في ظل الأوضاع المعروفة، بادر الأستاذ درويش بتفسير ذلك وقال ((إن الشعب يعبر عن القيمة الحقيقية للكرامة التي يتمتع بها فهذه عنده تساوي كل أموال الدنيا، عنده الاستعداد أن يبذل نفسه ليحفظ كرامته، فهل يعز عليه ماله؟ أتصور أن هذا هو المنطق الذي انطلق منه جميع قطاعات شعبنا عندما بذلوا كل ما يملكون من أجل عزتهم وكرامتهم)).
 

لمتابعة موضوع الغلاف  اضغط هنا

 

 

فلسطين المسلمة - جميع الحقوق محفوظة © 2003