ما هي أهم نقاط البرامج الانتخابية
لحماس وفتح واليسار؟!
قد يبدو غريباً أن تتشابه الكثير من عناوين وبرامج الحملات
الانتخابية للقوى الفلسطينية المختلفة، بدءاً بأقصى اليمين إلى أقصى اليسار،
وأن تلتقي على الكثير من القواسم المشتركة، وخاصة فيما يتعلق بالشأن الداخلي في
زواياه الأمنية والاجتماعية والاقتصادية التي تمس صلب حياة المواطنين
الفلسطينيين، وتشكل أساس ومعيار مواقفهم واتجاهاتهم إزاء القوى السياسية
العاملة على الساحة الوطنية الفلسطينية.
حركة حماس
يرتكز البرنامج الانتخابي لحركة حماس على العديد من الأسس والمحاور، يقف في
طليعتها التأكيد على ثوابت القضية الفلسطينية، التي تشتمل على إسلامية أرض
فلسطين، ووحدة الشعب الفلسطيني أينما كان، والالتزام بالمقاومة والعمل لدحر
الاحتلال وإقامة الدولة المستقلة، وأولوية قضية الأسرى، وصون وحماية حق العودة
لكل اللاجئين الفلسطينيين، وتجريم التعاون والتنسيق الأمني مع الاحتلال، إضافة
إلى السعي لتعزيز الوحدة العربية والإسلامية، وبناء علاقات مع الأسرة الدولية
على أسس متوازنة.
كما يشتمل البرنامج على إرساء سياسة صارمة للإصلاح الإداري ومكافحة الفساد،
وإجراء إصلاحات دستورية جذرية، وإعادة صياغة هيكلية ومهام الأجهزة الأمنية،
وإعادة الاعتبار للقضاء، وضمان استقلاليته، وتوفير الأمن والعدالة للمواطنين،
وحماية الحقوق والحريات العامة، فضلاً عن تطبيق سياسة تربوية سليمة على أسس
أخلاقية، وترسيخ ثقافة سياسية وإعلامية راشدة، وبناء سياسة اجتماعية شاملة،
تحارب الفقر والبطالة، وتدعم التنمية، وترعى الفئات والشرائح الضعيفة في
المجتمع، والشروع الفوري في سياسة الاستقلال الاقتصادي وتشجيع الاستثمارات.
ومع ثقل المهام والمسؤوليات التي يحفل بها هذا البرنامج، إلا أن تجربة العمل
البلدي أكسبت حماس مصداقية واسعة، وأورثتها ثقة كبيرة في ترجمة شعاراتها
الانتخابية إلى واقع ملموس، ومنحتها دفعة معنوية معتبرة لولوج بوابات السياسة
الفلسطينية دون ارتباك أو قلق كبير، دون أن يعني ذلك الاستخفاف بحجم وعظم
التحديات التي تحملها مرحلة ما بعد الانتخابات التشريعية.
حركة فتح
يعتمد البرنامج الانتخابي لحركة فتح على العديد من المحاور، أهمها: التمسك
بالثوابت الوطنية التي تشتمل على استمرار النضال حتى تحقيق الحرية والاستقلال
وإقامة الدولة المستقلة، وإيجاد حل عادل لمشكلة اللاجئين على أساس قرارات الأمم
المتحدة، إضافة إلى تعزيز الوحدة الوطنية وتفعيل مؤسسات منظمة التحرير، والعمل
على وقف العدوان الإسرائيلي بكل أشكاله، والتمسك بخيار السلام الاستراتيجي،
وتعميق العلاقات القومية والدولية، واستنهاض طاقات الشعب الفلسطيني في مقاومة
الاحتلال، ومواصلة مسيرة الإصلاحات في مختلف المجالات، والعمل لإطلاق سراح
الأسرى كأولوية وطنية، وتنشيط الاقتصاد، وإطلاق الخطط التطويرية في مجالات
التعليم والصحة والثقافة والرعاية الاجتماعية.
الملاحظة الأهم التي يستدعيها هذا البرنامج، أن أغلبية محاوره ونصوصه لا تختلف
عن محاور ونصوص البرنامج الانتخابي الذي انتخب الرئيس محمود عباس على أساسه
مطلع العام المنصرم 2005، مما يقود بشكل تلقائي لاستحضار تجربة الرئيس عباس في
الحكم، وبسطها على مشرحة البحث والتقييم، واستكشاف حجم الإنجازات والإخفاقات
التي حققها عهده، كميزان موضوعي لتقييم البرنامج الانتخابي لفتح، وحظه من
الحياة والتطبيق على أرض الواقع.
وليس من العسير القول بكل ثقة وموضوعية أن عهد الرئيس عباس، رغم النوايا الحسنة،
قد فشل إلى حد كبير في تحقيق برنامجه الانتخابي، وأن مسيرة الإصلاح التي تعهد
بإنفاذها وقيادة مسارها قد تم كبحها وفرملة اندفاعتها عند أول محطة تنفيذية،
وأول اختبار حقيقي في مواجهة مراكز القوى التي حولت السلطة مرتعاً للظلم
والفساد، فضلاً عن وقوفه على هامش الأحداث السياسية، وفشله في ردع ومواجهة
السياسة الإسرائيلية ذات ثنائية التحريض والعدوان الميداني، والفعل السياسي
الأحادي المتجاهل لوجود السلطة، ما يفرض الكثير من التساؤلات الجدية حول مدى
صدقية البرنامج الذي تطرحه حركة فتح، ومدى قدرتها على نقله من عالم الشعار ((المحنط))
و((اللَّوك اللفظي)) إلى عالم الفعل الجدي والعمل الحقيقي، وتطبيق أي من بنوده
ومحاوره وطنياً، وخاصة في ضوء الأزمات العاصفة التي تجتاحها وتهدد دورها
وكيانها ومستقبلها.
القوائم الأخرى
قد لا تختلف القوائم الأخرى خلافاً لحركتي حماس وفتح في العديد من المحاور
والقضايا المتفق عليها وطنياً، فدعم الحق في المقاومة ضد الاحتلال، وانتهاج
سياسة الإصلاح ومحاربة الفساد، وتبني سياسات اجتماعية واقتصادية عادلة، وتوفير
الحلول للمشاكل والأزمات المستعصية، تشكل نقاط التقاء وقواسم مشتركة لا يختلف
عليها الغالبية الساحقة من الفلسطينيين، لكن ما يميز قوى اليسار الفلسطيني، ليس
ما تطرحه من برنامج مكرور رغم بعض التباينات المحدودة، بقدر ما تطرحه من بديل
للاستقطاب الثنائي القائم بين حركتي حماس وفتح، ورغبة في احتلال الموقع الوسيط
بينهما، فيما يصطلح على تسميته في أوساط اليسار بـ((التيار الثالث)).
أما التيارات والقوائم الأخرى التي تقدمت لخوض الانتخابات، فلا تعدو كونها
معبرة عن فصائل صغيرة لا تكاد تذكر على المستوى الشعبي، فضلاً عن العديد من
الشخصيات التي توافقت فيما بينها على أمل الظفر بموطئ قدم تحت قبة البرلمان.
فروقات وتباينات
لعل الفروقات والتباينات الأكثر بروزاً على مستوى البرامج الانتخابية المطروحة،
تكمن في العديد من المحاور والبنود الهامة التي تعهدت حركة حماس بالسعي
لتطبيقها عقب فوزها في الانتخابات، فتجريم التعاون الأمني مع الاحتلال،
والاستقلال الاقتصادي، والمباشرة بإصلاحات دستورية جذرية، وإعادة صياغة واقع
الأجهزة الأمنية، وتكريس سياسة اجتماعية ثقافية تربوية إعلامية سليمة كلها
تعتبر فروقات هامة، يتميز بها برنامج حماس الانتخابي عن مثيلاته من البرامج
الأخرى.
وقد تكون المعارضة الممثلة ببعض تنظيمات اليسار، وبعض القوائم المستقلة، الأقرب
إلى برنامج حركة حماس فيما يتعلق بشقه الداخلي الخاص بتوفير الأمن والحريات،
وحماية الحقوق، ومحاربة الفساد، وإصلاح المؤسسات.
لكن برنامج حركة فتح سيكون الأكثر عرضة للنقد والهجوم، كونه سقط في مهاوي
العديد من التجارب والاختبارات، ولم يفلح في إثبات ذاته، على مدار عام كامل من
حكم أبو مازن ((الإصلاحي))، وأحد عشر عاماً من حكم السلطة المشوه الطافح
بالمثالب والعثرات.
المرشحون.. تأمل وتقييم
أكثر ما يلفت النظر في أسماء المرشحين المتقدمين نحو عتبات المجلس التشريعي،
أولئك المنتمين إلى حركة حماس، فالواضح أن الحركة قد ألقت بكل ثقلها في ميدان
المنافسة والعراك الانتخابي، إذ تكفي نظرة سريعة إلى مرشحيها للتأكد من مدى ما
تعول عليه الحركة جراء عقد هذه الانتخابات وما بعدها، فالغالبية من الرموز
وقادة العمل السياسي والتنظيمي المطعمين بالأكاديميين، الموزعين على مختلف
المناطق الجغرافية الفلسطينية، حاضرة ضمن قوائم الحركة، معززين بنوع من
التحالفات الهامة مع بعض المستقلين، التي تُبرز النَفَس الجماعي، وعقلية
الشراكة والتعاون، التي تنزع إليها الحركة، بعيداً عن كافة أشكال الاحتكار
والهيمنة والإقصاء التي أثقلت كاهل الساحة الفلسطينية على مدار العقود الماضية.
في المقابل فإن حركة فتح تتنازعها قائمتان، تضم الأولى الرسمية العديد من
الأسماء ذات السمعة الرديئة، التي تلطخت سابقاً باتهامات الفساد، مع قلة محدودة
من الأسماء النظيفة من الشبهات، فيما تشتمل الثانية المنشقة على أسماء تنتمي
إلى الجيل الشاب في حركة فتح. ومع أن القائمة الثانية تبدو أكثر نقاء فإن بعض
الأسماء الواردة فيها لا تقل ولوغاً في الفساد عن نظيراتها في القائمة الرسمية،
في حين يبدو مرشحو الحركة على نظام الدوائر على حال من الضعف مقارنة بالمرشحين
الذين أفرزتهم حركة حماس، والذين يتميزون -في معظمهم- بالحضور الجماهيري،
والعطاء الأهلي الخدماتي.
بين هذا وذاك، تقف قلة من المستقلين، ومنهم نواب حاليون، في موقع جيد نسبياً،
إذ إن مصداقيتهم الجماهيرية، وتماسهم الإيجابي مع المواطنين الفلسطينيين إبان
المرحلة الماضية، وحرصهم على استقرار المسيرة الوطنية، يتوقع أن يثمر تأييداً
وتعاطفاً في صناديق الاقتراع، في الوقت الذي سترتسم فيه معالم التمثيل الحقيقي
للقوى الصغيرة، ومن ضمنها قوى اليسار الفلسطيني، الذي تتصدره الجبهة الشعبية
بمرشحيها الذين لا تتحدد حظوظهم بمدى ذيوع صيتهم، بل بمدى ما يحظى به تنظيمهم
من تعاطف وتمثيل على مستوى الشارع والمواطنين الفلسطينيين.
الحظوظ والتوقعات
قد لا يكون من المبالغة القول أن مرشحي حركة حماس سيكونون الأوفر حظاً مقارنة
بالقوائم والمرشحين الآخرين. فعلى صعيد الدوائر ذات البعد الجغرافي، يُتوقع أن
تحصد الحركة كمّاً معتبراً ومهماً من المقاعد، بالنظر إلى ما يتميز به مرشحيها
من مصداقية وكفاءة وأياد بيضاء، فضلاً عن أن حظوظها ضمن القائمة النسبية ستكون
ماثلة للعيان، في ضوء النتائج الواضحة التي حققتها خلال الانتخابات البلدية
الأخيرة.
ورغم التحولات المتلاحقة التي تجتاحها، والأزمة العميقة التي تتفاعل فيها، تقف
حركة فتح في موقف لا تحسد عليه، فإن كثيراً من المراقبين يبدون شكوكاً قوية في
قدرة الحركة على التفوق وتحقيق الأفضلية، ويعتقدون أن الانشقاق الحاصل، ونزول
فتح بقائمتين انتخابيتين، لن يجلب أي منفعة للحركة، أو يضمن عدم تشتت أصوات
مؤيديها، بقدر ما سيشكل وعاء لفقدان الثقة فيها، وفي أدائها ومستقبل دورها على
الساحة الوطنية، مما سيعكس ذاته في صندوق الاقتراع.
ومع ضعف الأداء والممارسة الفتحاوية إلا أن فتح ستحافظ على مستوى معين من
الرصيد الجماهيري، الذي يُتوقع أن يكون مقارباً إجمالاً لرصيد حركة حماس وفقاً
لبعض التوقعات والتحليلات، وهو ما يعني فقدان حركة فتح لهيمنتها وسطوتها على
القرار الوطني الفلسطيني، كحركة رائدة وقائدة للمشروع الوطني الفلسطيني، ودخول
حركة حماس على خط الشراكة، واقتسام الدور والنفوذ والقرار.
إلى ذلك فإن الساحة الانتخابية المقبلة قد تشهد سقوطاً مدوياً للعديد من قوى
وأحزاب اليسار الفلسطيني الذي فشل في تشكيل قائمة موحدة، فقد لا يبلغ الكثير
منها نسبة الحسم التي تقدر بـ2% من مجموع أصوات المقترعين، فيما سيحظى أفضلها
بنسب تأييد ضئيلة تعكس تمثيلها الواقعي في الشارع الفلسطيني، فيما ستتهاوى
الكثير من القوائم الباقية التي يخوضها المستقلون، والتي قد يشذ عنها القائمة
الخاصة بسلام فياض وحنان عشراوي، التي ستحصل على نسبة متدنية حال تمكنها من
تجاوز نسبة الحسم، ووصولها برّ الأمان.
على أية حال، فإن الانتخابات التشريعية حال أجريت، وتجاوزت احتمالات وهواجس
التأجيل التي لا يزال يدفع بها بعض مسؤولي السلطة، وبصرف النظر عن نسب وحظوظ
الفوز والخسارة للقوى الفلسطينية المختلفة فيها، ستفتح آفاقاً جديدة أمام
الفلسطينيين، وتهيئ لتكريس مرحلة جديدة في حياة الشعب الفلسطيني ونظامه السياسي،
أكثر انفتاحاً ومسؤولية والتزاماً، وأكثر قدرة على مواجهة الأزمات.