الشاعر الفلسطيني ((يحيى برزق)) في
ذكرى رحيله:
قصة الفلسطيني ونكباته حيثما حلّ أو رحل
بقلم: مخلص يحيى برزق
لعلها الأقدار وحدها التي ساقتني لاختراق كافة الحواجز بين دخيل مثلي وبين
أصحاب ((الأوراق الثقافية)) لأزاحم بقلمي أهل القصيد وأخوض معهم لجج الشعر
وبحوره، وأنا الذي لا أزعم بأني نظمت قصيدة واحدة معتبرة خلال عمري كله!!
إنها الأقدار التي اختارتني لتلقي إليّ بحمل وافر من القصاصات القديمة نزف
عليها قلم والدي قصائد باكية في مجملها تحكي قصة حب وعشق وهيام عاشها والدي..
جدد فيها أمجاد قيس مع ليلى وعنتر مع عبلة وجميل مع بثينة!!
لم تكن محبوبته فيها والتي أخذت لبّه وعقله وأسرت قلبه وفؤاده سوى فلسطين التي
قال عنها: ((إنني أعتبر فلسطين حبيبتي حتى النفس الأخير قبل أن تكون وطني!!)).
كان يمكن لغيري أن يكتب هذه الإطلالة على شعره، فالشاعر أحمد مطر استقبل منه
العديد من القصائد حينما كان مسؤولاً عن الصفحة الأدبية لصحيفة القبس الكويتية
في ثمانينيات القرن الماضي.. وهو كان قد صرح بأن الشاعر يحيى برزق مع شاعر آخر
يمتلكان موهبة شعرية تميزهما عن بقية الشعراء، وأنه قد غُمط حقهما بحق عندما
أهملت قصائدهما ولم يتناولها النقاد بالبحث والتحليل!!
كان يمكن للأديب حسن شكري فلفل أن يكتب عن الشاعر يحيى برزق وهو الذي أشار إليه
ضمن دراسته عن التاريخ الأدبي والثقافي لغزة بقوله:
((برز في غزة في تلك الآونة شعراء عرفهم القارئ العربي: رامز فاخرة، معين توفيق
بسيسو، يحيى برزق، سعيد فلفل، وهارون هاشم رشيد، ولست في معرض تقييم هؤلاء
الأساتذة الذين رحلوا ولم يبق منهم سوى هارون (أطال الله عمره) ولكنني أشير إلى
اثنين لم يلقيا حظاً وافراً من الدعاية رغم تميزهما: سعيد ويحيى ولأن الأول من
عصبتي فلربما تكون شهادتي بخصوصه مجروحة على أنني أشير إلى ما تميز به)).
كما كان يمكن للأديب والمؤرخ محمد حسيب القاضي أن يكتب عنه أيضاً وقد كتب عنه
هو وسليم المبيض الأديب والجغرافي المعروف مثلما كتب حسن فلفل وزيادة.
كل ما في الأمر أنني أزعم بأنني أحتكر قسطاً وافراً من قصائده ومسرحياته
الشعرية وإنتاجه الأدبي وهو ما جعلني مضطراً لتقديم تعريف بذلك الشاعر لا لكونه
والدي وإنما لأنه ابن فلسطين.. الأرض المباركة التي أنجبته واحتضنته حقبة من
الزمن كانت كفيلة بأن يُجنّ بحبها والتعلق بها حتى قال عن ذلك شعراً في قصيدة
((ماذا أقول لكم؟)):
رَضْعُت حُبِي لَهَا طِفْلاً وَمكتهلاً
وَسَوفَ أَمْضِي لِقَبْري غَيرَ مُنفطمِ
أَنّى تَلفَّتُ أَستجدِي العَزَاء بَدَتْ
رُبَا فِلِسْطِينَ في صَحْوي وَفي حُلُميِ
وفي قصيدة ((أمام الموت والغربة)):
إِذَا كَانَتِ الأَقْدَارُ شَاءَتْ مَنِيَّتِي
لأَلْقَى بِهَا أَرْضِي فَيا مَرْحَباً بِهَا
فَمَا أَرْوَعَ الأَيَّام تَصْفُو.. بِظِلِّهَا
وَحَتَى الرَّدَى يَحْلُو غَدَاةَ اقْتِرَابِهَا!
البدايات
في مدينة بئر السبع؛ حاضرة النقب بفلسطين، ولد شاعرنا لأبوين غزيين في يوم
13/4/1929 حيث كان يعمل أبوه مدرساً في إحدى مدارس بئر السبع آنذاك.. وفي أحضان
تلك المدينة الصحراوية الحالمة نشأ وترعرع شاعرنا وابتدأت فيها رحلته مع الشعر.
وعن تلك البدايات يقول:
ليس هيناً على ذاكرتي أن تعي متى بدأت قصتي مع الشعر عاطفة وتعبيراً.. وقد تكون
صلتي بالشعر ترجع إلى أول عهدي بالألم.. لقد أصبت في حداثتي بمرض ألزمني الفراش
سنوات طوال (آلام في الكليتين) وفي هذه الفترة لم يكن لي سمير أو صديق إلا كتب
الأدب (والده أيضاً كان شاعراً) فولعت بالشعر ورحت أعبر به عما يخالجني في تلك
الفترة من حياتي وكان شعري آنذاك مزيجاً من التشاؤم والأمل والحب..
ومازلت أذكر أنني في الثانية عشرة من عمري شهدت حفلاً عجباً أقامه المستعمرون
الإنجليز في بلدتي الصحراوية بئر السبع، وأعدوا له فرقة موسيقية أخذت تصدح
لتجتذب جموع الشباب العربي كي ينخرطوا في جيوش الحلفاء، ووقف الحاكم المفوه
اللورد أكسفورد –مقيم الحفل- يشيد بالصداقة العربية البريطانية التي لم يكن في
حاجة إلى الإشادة بها.. فمآثرها تجلت لكل ذي عينين في حبك وعد بلفور وفي إعدام
كل عربي من فلسطين يحمل سلاحاً يدفع به عن نفسه غائلة الغزاة الصهاينة.. ولم
أقو طويلاً على سماع عبارات الحاكم فصحت مرتجلاً:
جاءت جيوش البرتش
تشدو بلحن منعش
وخطيبها يدعو الشباب
إلى الهلاك المدهش
فهتفت يا جيش العدا
ميعادنا في المشمش!!
وبرغم سذاجة الأبيات هتف الناس معي: ميعادنا في المشمش!! وتطايرت شظايا خطبة
اللورد المفوّه وألحان الجوقة الموسيقية وعاد الناس إلى أعمالهم بنعمة الله لم
يمسسهم سوء.. وعلى إثر هذا الموقف أخذ الناس الطيبون يُبدون لي ودّهم فأحس
بابتساماتهم حافزاً قوياً يدفعني إلى أن أفعل ما يجعلني جديراً بالانتماء إليهم
ويطمعني في مزيد من حبهم..
أما أول قصيدة نشرتها في الصحف فكانت عام 1944 وكان عمري لا يتجاوز الخامسة
عشرة وفيها تحدثت عما كنت أعانيه من الأسى لأوضاع فلسطين آنذاك:
غنيني نغمة أوطاني
فيها قد هامت أفكار
القيد يحيط بمعصمها
ويهدّم فيها أشرار
وينتقل شاعرنا إلى مدينة غزة ليدرس الإعدادية حيث حصل في نهاية ذلك العام على
كأس المسابقة الشعرية لكلية غزة وديوان ((ابن الرومي)) شاعر الهجاء.. وفي
مهرجان وطني ألقى فيه قصيدة ثائرة أعجب فيها المرحوم أحمد حلمي عبد الباقي
(رئيس حكومة عموم فلسطين)، فتكفل بتعليمه للمرحلة الثانوية في كلية الروضة
بالقدس حيث اتسعت أمامه آفاق جديدة..
بعد النكبة
ومع وقوع النكبة عام 1948 عمل شاعرنا مدرساً في مدارس اللاجئين في غزة بأجر
رمزي عبارة عن كيس من البصل أو البطاطس أو كمية من الجبن أو السمن أو الدقيق أو
غيره.. ثم تطور الحال لتصبح الأجور والمرتبات موزعة كالآتي: من 6-8 جنيهات
لحملة الثانوية العامة، و14 جنيهاً للجامعيين.. في الوقت الذي كان يعطى فيه
السائق في تلك الهيئة 28 جنيهاً. ثم انتقل عام 1953 مع بعثه تعليمية إلى
الكويت، وهناك نقل معه ثورته الشعرية وأحيا قضيته من خلال الندوات
والمهرجانات..
التحول الفكري
ولئن كان شاعرنا قد انضم في عنفوان شبابه إلى مجموعات يسارية زينت له أحلاماً
ثورية تجتاح العدو الغاصب، فإنه سرعان ما عدل عن هذا النهج خاصة بعدما رأى ردود
أفعال الأحزاب اليسارية، وتحوّل إلى شوكة في حلوقهم وانبرى يهاجمهم في الصحف
والمنتديات.. وكان للشيخ محمد الغزالي رحمه الله الذي تردد كثيراً على غزة
الأثر الكبير في إعادة التصور السليم والنهج القويم لدى شاعرنا الذي يذكر ذلك
الفضل دائماً لله عز وجل ثم لذلك الشيخ الفاضل الذي حاوره بكل جرأة دون تخوف من
المكفرين والمنفرين..
وفي سنة 1955 كان زواج شاعرنا والبدء في بناء بيته في غزة والذي دفع فيه
((تحويشة عمره)) وشاركت زوجه معه بكامل ذهبها، ولكنه ما كاد يفرغ من بنائه حتى
حصلت مأساة 1967 –وكان وقتها في الكويت- ووقع نبأ الاحتلال كالصاعقة على رأسه
ورفعت لديه ضغط الدم حتى كاد ذلك يقضي عليه.. واجتهد في تلك الأثناء في تأليف
المسرحيات الشعرية وتدريب طلابه عليها فكان يصل نهاره بليله ولا يعود من مدرسته
في كثير من الأيام إلا في وقت متأخر من الليل..
تراكم النكبات
بعد نكبة 1948 وكارثة 1967 ارتفع صوته مندداً بالعجز المهين لدى الحكام في ذلك
الوقت فوضع اسمه على القائمة السوداء لدى معظم دول المواجهة خاصة بعد أحداث
أيلول الأسود الدامية عام 1970. وتتالت الأحداث بإيقاع سريع حين قام أحد عملاء
الاحتلال الصهيوني باقتحام بيته في غزة واتخاذه منزلاً له ولعائلته مع بداية
السبعينيات ثم انتهاء حرب أكتوبر نهاية مخيبة للآمال في الخيمة 101!! إلا أن
خطاب عرفات في الأمم المتحدة عام 1974 كان وقعه أشد وأنكى، وحفّزه ذلك للتركيز
على رفض الحلول السلمية ومهاجمة المروجين لها، وعبّر عن ذلك في العديد من
قصائده في مراحل مختلفة وأزمنة متباينة، ففي قصيدة ((ألف لا)) يعتبر المناداة
بالصلح مع العدو خيانة فيقول:
يَا دُعَاةَ الصُّلحِ إِنَّا أَلْفُ لاَ..
أَو يَعُودَ المَسْجِدُ الأَقْصَى لَنَا
كَيْفَ نَلقَى اللهَ إِنْ خُنَّا حِمىً
كَانَ بِالأَمْسِ مَمَراً للسَّمَا
مع الرابطة الإسلامية
يسهل على أي ناقد أدبي يبحر بين أبيات الشعر التي نظمها شاعرنا أن يلمس عمق
الاتجاه الديني ورسوخه وارتكاز العديد من قصائده على معنى ومفهوم إسلامي أصيل
يصبغ النفس العام لها ويبقي كافة أغراض القصيدة ضمن إطاره.
ومن خلال استعراض مجموعة من قصائده يتبين ما أشرنا إليه. فهو في أشد الأوقات
حلكة وظلاماً لا يجنح إلى اليأس والقنوط وإنما يسلم الأمر لله تعالى، ففي قصيدة
قصيدة ((شياه بلا رعاة)) التي يبدؤها مباشرة بمناجاة ربه والثناء عليه:
يَا سَيِّداً بَهَرَ العُقُولَ بِفَضْلِهِ
وَسَبَى قُلُوبَ العَالَمينَ نَدَاهُ
إِنِّي إِذَا عَبَثَ الغُزَاةُ بِأُمَّتيِ
نَادَيْتُ: يا الله.. يَا اللهُ
يَا مَالِكَاً أَمْرِي وَكَاشِفَ غُمَّتِي
يَا مَنْ يُجِيرُ وَلا يُجِيرُ سِوَاهُ
لُطْفَاً بِنَا في النَّائِبَاتِ وَكُنْ لَنَا
إِنَّ المُغِيْرَ تَخَضَّبَتْ كَفَّاهُ
ويختم القصيدة بهذه الأبيات:
فَكَأَنَنَّا وَالحَادِثَاتُ تَسُومُنَا
هَوْلَ المَنُونِ –وَلاَ رُعَاةَ- شِيَاهُ
يَا رَبِّ رَحْمَتَكَ المُغِيثَة وَاسْتَجِبْ
لِمُعَذَّبٍ شَقَّ الفَضَاءَ دُعَاهُ
وَاجْمَعْ عَلَى الحَقِّ الرِّجَالَ فَطَالَمَا
أزْرَتْ بِنَا وَأَطَاحَتِ الأَشْبَاهُ
وذلك ما جعل شباب الرابطة يتجهون إليه ليكتب لهم أناشيد إسلامية كان منها
((لأني أحمل الإيمان والجرح الفلسطيني)) ونشيد ((دمنا على أبوابكم)) و((النار
بدارك شبت)) و((على اسم الله والشورى)) و((راية الإسلام يا خضراء عودي))
وغيرها.. وشارك في العديد من المهرجانات والأمسيات الشعرية التي نظمتها الرابطة
في منتصف الثمانينيات، ومع أن تلك الأناشيد انتشرت عبر البلاد إلا أن كاتبها
بقي مجهولاً ولم تسعفه أوضاعه المادية في لمّ شمل قصائده خاصة مع رفضه القاطع
لأي جهة أن تطبعه مقابل إضفاء أي صبغة ولاء أو تبعية لها.. وفقدنا الكثير من
قصائده يوم وفاته إذ أنه كان يحفظها في ذاكرته.
المجرم شارون.. قاتل أبي!!
مع الحصار الذي فرض على المخيمات الفلسطينية في لبنان كان الطوق يضيق شيئاً
فشيئاً على شاعر لا يكاد يرى بصيص أملٍ في شعوبٍ وحكامٍ يمكن أن يمدوا يد العون
والنجدة لشعبٍ يسام سوء العذاب ويقتل جهاراً نهاراً دون أن يحرك أحد ساكناً..
كانت ذروة الأحداث تتمثل بخروج المقاتلين من بيروت ووقوع مجزرة صبرا وشاتيلا
على يد السفاح المجرم شارون، ومع تسرب الصور الأولى للفظائع التي حلت بأهلنا
هناك لم يحتمل قلبه الرقيق تلك المشاهد الدامية فأصيب بنوبة قلبية حادة دخل على
إثرها المستشفى ليكون أحد ضحايا تلك المجزرة الرهيبة. ولأن قلبه ما عاد يقوى
بعدها على احتمال أي صدمة أخرى فتكررت النوبات القلبية مع كل مذبحة أخرى حتى
جاءته نوبة أدت لحدوث شلل نصفي له أواخر عام 1986 بقي يعاني منه عاماً كاملاً
حتى أسلم روحه لبارئها يوم الخميس 14/1/1988..
وكان آخر شيء قام بعمله يوم وفاته كتابة قصيدة ((شراع الجليل)) مشيداً بالعملية
الفدائية التي تفجرت على إثرها الانتفاضة المباركة، حيث كان يمليها على والدتي
التي كانت تكتبها، وتسأله عن الأبيات التي لم تسمعها جيداً وتنقّح معه
القصائد.. وبعدما أتم أبيات القصيدة ودّع هذه الدنيا غريباً وحيداً بعيداً عن
أرضه ووطنه، ومن عجائب القدر أن آخر بيت شعر كتبه كان:
وتوارى الفتى ولكن ذكراه
ستبقى لنا الشعاع الهادي