قبسات
نحو رعاية جادّة للمبدعين
يتفاوت الإبداع بين شخص وآخر، ويتفاوت الدعم
الخارجي بين شخص وآخر.
والإبداع إنتاج ذاتي للمبدع. أما الدعم فهو فعل خارجي يهدف إلى التعريف بالفعل
الداخلي للمبدع.
شهد العالم في العقود الأخيرة طفرة في الإعلام والإعلان والتسويق، وباتت صناعة
النجوم مهنة معروفة العناصر أكثر من العديد من المهن القديمة.
وكثيرة هي محاولات صناعة النجوم التي عمرت سنة واحدة وانطفأت، ثم باءت بالفشل.
وقبل الحديث عن الأسباب المهنية لفشل تلك المحاولات، يجب التأكيد هنا أن عنصر
الإبداع الذاتي هو العنصر الأول في نجاح هذا التسويق وهذه الصناعة.
الأمر نفسه ينسحب على شعرائنا وأدبائنا الملتزمين، فقد صادفت أكثر من ((شاعر))
يشتكي ويضيق ذرعاً مما أسماه ((التضييق الثقافي)) و((الخنق الإعلامي))، حيث لا
يستطيع أن ينشر شعره رغم أنه –برأيه- أفضل بكثير من الشعر الذي يُنشر في السوق،
خاصة لأولئك النقاد المشرفين على الصفحات الثقافية في وسائل الإعلام الذين
يتواطأون في الإعلان عن كتب وإصدارات زملائهم.
أقول، الحق يقال، لقد اطلعت على ما يشتكي منه هذا ((الشاعر))، ووجدت أن هناك
عدة أسباب ذاتية تسبق السبب الذي ذكره، منها:
-كسله في النشر وبناء العلاقات والمشاركة في الفعاليات.
-عدم احتكاكه واطلاعه على التجارب الأخرى.
-استسهاله في الكتابة وعدم العمق، مما يؤدي إلى ضعف في نظمه..
ولأنه، لا يُصلح العطار ما أفسد الدهر، فإن ما طالب به، أي تلميع الشعراء
الملتزمين ليس فكرة حسنة هنا، إذ لا بدّ أن يعمل ويشتغل الأديب على نفسه، ولا
يزهد بالشهرة ولا يستخفّ بالعلاقات العامة، ولا يكسل عن المشاركة في الفعاليات،
ولا يستسهل في الكتابة. عند ذلك يأتي الدور الخارجي. فهو إذا لم يعمل على عوامل
الجذب الشخصية والفنية، وإذا لم يكن مقبولاً من الجمهور، فإن أي مؤسسة ثقافية
أو إعلامية لن تنجح في فرضه على هذا الجمهور.
صورة الشاعر الذاتية أهم من عناصر الصناعة المهنية والتلميع الاجتماعي، والدعم
المادي لطباعة الدواوين، وكثرة الشكوى لا تبني القدرات الذاتية؛ بل تساهم في
تهشيم أيقونة الشعر أو الأدب.
تجدر الإشارة هنا إلى أن المفهوم التراثي للأيقونة يؤدي إلى الطهورية أو
العصمة، وهي مفاهيم دينية، غير أن أكثر الناس استخداماً لمفهوم الأيقونة
السياسية والأدبية هم اليسار العلماني (جيفارا، الليندي، غارسيا لوركا، بابلو
نيرودا، حتى محمود درويش). ولا يخفى الدور الكبير للعوامل غير الذاتية في بناء
صورة هذه الأيقونات.
لذلك يحتاج الأدب الملتزم إلى مؤسسة ترعى وتُعنى في مساعدة الشعراء الكبار من
الملتزمين على الانتشار، وإرشاد الشعراء الذي يحتاجون إلى المشورة من بناء
صورتهم الذاتية فنياً، ومن ثَم دعمهم للانتشار.
نحن بحاجة إذن، لمؤسسة ثقافية، تتبنّى هؤلاء الشعراء، غير أن على هذه المؤسسة
أن تكون على درجة عالية من الحرص والحذر من المحاباة ورعاية من لا يستحق،
فالإبداع هو أول سبب للرعاية، وإلا فإن مقتل هذه المؤسسة سيبدأ من ذاتها أيضاً.
المحرر
الثقافي
أصداء
ألفيّات ومئويات
درجت في النصف الثاني من القرن الماضي
احتفالات ثقافية باهرة في مناسبات ألفية ومئوية على عدد من كبار الشعراء وعلماء
اللغة في التاريخ العربي. فكانت احتفاليات المتنبي وأبي العلاء المعرّي وأبي
فراس الحمداني وحتى عبد القاهر الجرجاني.
وكثيراً ما نقرأ في دواوين كبار الشعراء مثل عمر أبو ريشة أو نزار قباني أو
غيرهم قصائد مطولة أُلقيت في هذه المهرجانات التي نظمت غالبيتها في بلاد الشام.
ولو رجعنا إلى كتب التاريخ لوجدنا الكثير من الألفيات التي فاتنا الاحتفال بها
في الثلاثين سنة الماضية، ذلك أن الاحتفالات بالألفيات توقفت في بدايات
السبعينات. إذ لا نجانب الصواب إذا قلنا أن الدعم كان يأتي لها من حكومات تولي
الثقافة العربية اهتماماً واسعاً..
وقد فاتنا، أو يكاد، مثلاً، ألفيات ابن حزم والغزالي وابن سيناء وابن مسكويه
والبيروني وشعراء وعلماء الأندلس المتأخرين..
أما وقد قلب الجهادُ الفلسطيني المئة الأولى من عمره، فقد بات أكيداً أنه مرّت
عليه مئويات ولادة، و تكاد تمرّ عليه مئويات وفاة. وقد شهد هذا العام مئة عام
مولد شاعر فلسطين الأبرز إبراهيم طوقان، صاحب التأثير الكبير في مسيرة الأدب
والشعر والثقافة الفلسطينية، رغم أنه تُوفي في ريعان شبابه.
((موطني))، ((هو بالباب واقف))، هاتان القصيدتان تكفيان –من حيث دورهما في
الحياة السياسية الفلسطينية- لأن يتمّ تكريم هذا الشاعر في مئويته، ها قد مرّت
السنة، ولم يسمع كثيرون عن تكريمه، مع أنه قد أُقيمت أكثر من ندوة وحلقة بحث
ومؤتمر لأجل ذلك؛ غير أن أحداً من المتابعين لم ينتبه لها.
كي لا تصاب حياتنا الثقافية بنكبة مشابهة لحياتنا السياسية، و((كي لا ننسى))،
لا بد من إشعال جذوة الشعر الوطني من جديد عبر تكريم هؤلاء الرواد..
فهل من مجيب؟!