روسيا والشرق الأوسط:
القدرات غائبة والدور مفقود
بعد انتهاء الحرب الباردة وإعلان الولايات
المتحدة الأمريكية عن النظام العالمي الجديد وجدت روسيا نفسها أمام ذلك الخصم
القوي الذي يحاول السيطرة على كافة مناطق الثروة والنفوذ في العالم.
لم تكن منطقة الشرق الأوسط بعيدة عن ساحة الصراع هذه. لكن روسيا التي آثرت
السلامة انسحبت من هذه المنطقة بهدوء، ووجهت سياستها الخارجية غرباً. وعندما لم
تجد ضالتها المنشودة في علاقاتها مع الولايات المتحدة وأوروبا الغربية عادت
ووجهت بوصلة سياستها الخارجية نحو الشرق مركزة على العلاقات مع الصين والهند
واليابان وكوريا، كما أنها لم تسقط منطقة الشرق الأوسط من حساباتها وبدأت تبحث
من جديد عن موطئ قدم في منطقة يعترف العالم أجمع بمدى أهميتها.
موسكو بين طرفي النزاع
تحاول روسيا العودة إلى هذه المنطقة من النافذة بعد أن أغلقت الأبواب بوجهها.
فعلاقات روسيا مع العالم العربي ليست على تلك الدرجة من الدفء سواء على الصعيد
الرسمي أم على الصعيد الشعبي. فعلى الصعيد الرسمي يمكن القول أن المنطقة قد
أصبحت مغلقة بوجه روسيا منذ أن طرد الرئيس المصري السابق أنور السادات الخبراء
السوفييت من بلاده وسقوط حليفي موسكو في اليمن الجنوبي السابق والعراق، والزحف
نحو الغرب الذي لجأت إليه دول عربية أخرى كانت تعد تاريخياً على أنها حليفة
لموسكو.
ولعب توقف الدعم المادي الذي كانت تقدمه موسكو للمنظمات اليسارية العربية دوراً
كبيراً في اضمحلال هذه المنظمات ومن ثم انعدام شعبيتها في صفوف الجماهير.
وعلى الصعيد الشعبي ينظر العرب إلى الموقف الروسي من قضاياهم بعين الشك. ولا
يغفر هذا الشعب لروسيا ((الاتحاد السوفييتي)) مواقفها من توريط الأمّة العربية
في حرب حزيران/يونيو عام 1967 ولا غزوها لأفغانستان، وموقفها من قضية البوسنة
وحربها المستمرة على الشيشان.
وليست علاقات روسيا مع الطرف الآخر في نزاع الشرق الأوسط بأفضل منها مع الجانب
العربي. إذ تشهد العلاقات الروسية - الإسرائيلية فتوراً ملحوظاً. يعزى ذلك بشكل
أساسي إلى السياسة الروسية تجاه إيران. إذ تتهم (إسرائيل) روسيا بأنها تمد
إيران بالتكنولوجيا النووية وتقنيات صناعة الصواريخ الأمر الذي يهدد الأمن
الإسرائيلي. ويتصدر هذا الموضوع جدول أعمال المسؤولين الإسرائيليين لدى
لقاءاتهم مع نظرائهم الروس، علماً أن إيران لم تقدم على أية خطوة عدائية عسكرية
تجاه (إسرائيل).
وتسعى (إسرائيل) بكل ما أوتيت من قوة لثني روسيا عن الاستمرار في هذا المشروع
وتحاول استخدام نفوذها الإعلامي والسياسي داخل روسيا وخارجها من أجل ذلك. لكن
روسيا التي تبحث عن موطئ قدم في المنطقة لا تعير المطالب الإسرائيلية الاهتمام
الكافي مؤكدة أن المشروع النووي الإيراني هو مشروع سلمي.
وعلى صعيد الصراع الشرق أوسطي تحاول (إسرائيل) تهميش الدور الروسي بالكامل، دون
مراعاة كون روسيا إحدى الأطراف الأربعة المكلفة بمتابعة مشروع خريطة الطريق.
وقد جاءت زيارة سيرغي لافروف وزير الخارجية الروسي الأخيرة للأراضي المحتلة
لتثبت وجهة النظر الإسرائيلية هذه. فقد طلب لافروف من شارون إبداء حسن نية
لتعزيز فرص محمود عباس بالفوز في انتخابات الرئاسة في مناطق السلطة الوطنية
الفلسطينية عن طريق إطلاق سراح بعض السجناء الفلسطينيين من السجون الإسرائيلية
والانسحاب من المدن المحتلة وإزالة بعض البؤر الاستيطانية. لكن شارون رفض ذلك
بشدة مبرراً قوله إن مثل هذه الخطوات ستفهم من قبل الشعب الفلسطيني على أنها
رشوة انتخابية لاختيار محمود عباس كونه المرشح المفضل لدى (إسرائيل) وبالتالي
سيكون لها مفعول عكسي. وحسب مراقب إسرائيلي فإن شارون أراد أن يقول للافروف
إنكم لا تعرفون قضايا المنطقة لذلك دعونا وشأننا. ولا شك في أن تهميش الدور
الروسي سيساعد في تعزيز الموقف الأمريكي القوي أصلاً في فرض الحل الذي تراه
(إسرئيل) مناسباً خاصة بعد إعادة انتخاب جورج بوش لولاية جديدة. من هنا تعتقد
الدوائر الحاكمة في (إسرائيل) أن روسيا ستقوم بمحاولة لتعزيز نفوذها في مناطق
السلطة الوطنية تنفيذاً لمحاولاتها إيجاد موطئ قدم في المنطقة.
موقف صهيوني
وتنظر (إسرائيل) إلى روسيا على أنها ليست طرفاً نزيهاً في مباحثات السلام في
الشرق الأوسط، وتتهمها بالتحيز الدائم للحق العربي من خلال تبنيها لما يتخذ من
قرارات في الأمم المتحدة ومجلس الأمن. لذلك تطالب (إسرائيل) روسيا بصورة دائمة
إثبات حيادها والضغط على الجانب العربي للقبول بما يعرض عليه أمريكياً
وإسرائيلياً، إذا كانت فعلاً وسيطاً نزيهاً في قضية الصراع الشرق أوسطي.
كما تلوم السلطات الإسرائيلية موسكو على ما تقوم به تجاه رجال الأعمال الروس من
أتباع الديانة اليهودية من ممارسات توصف بالظلم، في الوقت الذي تؤكد فيه موسكو
أن ما تقوم به ليس سوى تطبيقاً للقانون بحق مخالفيه أياً كانت ديانتهم.
وتأخذ (إسرائيل) على روسيا عدم إزالة ما تبقى من عوائق أمام تدفق اليهود الروس
على (إسرائيل) وبالتالي مدها بكوادر علمية وفنية وأدبية هي بأمسّ الحاجة إليها.
وتنظر (إسرائيل) إلى روسيا على أنها نبع لا ينضب لهجرة اليهود الروس الذي يقارب
عددهم المليون نسمة. وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون قد دعاهم خلال
زيارته الأخيرة لموسكو في أيلول/سبتمبر 2003 ((للعودة إلى أرض الميعاد))، لكن
دعوته لم تجد آذاناً صاغية أمل شارون أن يسمعها نداءه. وعلى العكس من ذلك تشهد
روسيا عودة الكثير من يهودها الذين غادروا إلى (إسرائيل)، فيما يفضل اليهود
الروس الذين يرغبون بالهجرة دولَ أوروبا الغربية والولايات المتحدة للاستقرار.
وبدأت (إسرائيل) أخيراً بإبداء خشيتها من النفوذ الذي بات يشكله نحو 20 مليون
مسلم يعيشون في روسيا الاتحادية. وتخشى السلطات الإسرائيلية اتحاد هؤلاء
المسلمين في إطار سياسي متجانس وتوجيه الموقف السياسي الروسي لصالح تبني
القضايا العربية والإسلامية بالكامل خاصة بعد أن أبدت روسيا رغبتها بالانضمام
إلى منظمة المؤتمر الإسلامي.
وتشكل الهند وآسية الوسطى مناطق احتكاك بين الجانبين اللذين يسعيان لفرض
هيمنتهما عليها. واضطر إيهود أولمرت نائب رئيس الوزراء الإسرائيلي لتأجيل
زيارته للهند أوائل كانون الأول/ديسمبر 2004 حتى لا تتقاطع مع زيارة الرئيس
الروسي بوتين إليها.
رغم التوتر والفتور الذي تتميز به العلاقات الروسية – الإسرائيلية إلا أن هناك
مصالح مشتركة يأمل كل طرف تحقيقها لدى الطرف الآخر.
ويأتي موضوع ما بات يعرف ((بمكافحة الإرهاب)) على رأس سلم الأولويات. وتحاول
(إسرائيل) الإيحاء بأنها الدولة الأولى عالمياً في هذا المجال، لذلك فإن على
روسيا اتخاذها مثلاً أعلى والتنسيق معها. ويعرض المسؤولون الإسرائيليون على
نظرائهم الروس مشاريع مشتركة لمكافحة الإرهاب مثل التعاون بين أجهزة استخبارات
كل من البلدين وإنشاء مراكز تدريب مشتركة وتبادل للمعلومات حول المنظمات
الإرهابية ونشاطاتها. ويؤكد الإسرائيليون للروس على أن الإرهاب بات عالمياً
لذلك فإن مكافحته يجب أن تصبح عالمية، وإن ما يحدث في روسيا من تفجيرات وما
يحدث في الأراضي المحتلة يصدر عن جهة واحدة، لذلك يجب الوقوف جبهة واحدة بوجهه
والضغط المشترك على الدول الراعية له بكافة الوسائل بما فيها العسكرية من خلال
توجيه ضربات استباقية.
وترغب (إسرائيل) في تعزيز حركة التبادل التجاري مع روسيا التي تستورد منها
النفط والأخشاب والمعادن والأحجار الكريمة. وتعتبر (إسرائيل) الشريك الثاني
لروسيا اقتصادياً في الشرق الأوسط بعد تركيا.
ويسعى الجانبان إلى إقامة صناعات عسكرية مشتركة مستفيدين من الخبرات التي يتمتع
بها عدد كبير من الفنيين الروس المهاجرين إلى (إسرائيل) في هذا المجال.
من جهتها تحاول روسيا قدر الإمكان استغلال الجالية الروسية في (إسرائيل) لتحقيق
مآربها، لكن دون جدوى حتى الآن. ويقدر عدد الروس المقيمين بصورة دائمة في
الأراضي المحتلة بمليون نسمة. ويلعب هؤلاء دوراً أساسياً في الانتخابات
ويستطيعون ترجيح كفة هذا الحزب أو ذاك، وتنظر روسيا لهؤلاء على اعتبارهم جسراً
للتواصل الثقافي والسياحي والاقتصادي بينها وبين (إسرائيل).
أمل مفقود
تعتبر السياسة الخارجية الروسية فاشلة بكافة المقاييس. وتشهد الساحة الدولية
انحساراً للوجود الروسي حتى في المناطق التي تعتبر تقليدياً مناطق نفوذ روسية
كالقوقاز وآسية الوسطى وصربيا وكوبا وفيتنام ومناطق البلطيق وشرق أوروبا
عموماً.
وليس الوضع الداخلي في روسيا بأفضل حالاً مما عليه وضع السياسة الخارجية. وتشهد
روسيا نمواً في معدلات الجريمة والفساد السياسي وتراجعاً في مجالات حقوق
الإنسان والحريات عامة. كما أن عجز روسيا عن حسم الحرب في الشيشان وانتهاكاتها
المستمرة لحقوق الإنسان هناك يضعف موقفها الدولي ويعرضها للنقد المستمر من
الدول الغربية والمنظمات الدولية العاملة في مجالات حقوق الإنسان.
وحتى تكون الدولة ذات سياسة خارجية ناجحة يجب عليها أن تتمتع بالقوة العسكرية
التي تستطيع استخدامها أو التهديد بذلك لفرض تصوراتها، والقوة الاقتصادية
المنافسة، وروسيا لا تتمتع بأي منهما الآن.
ولم تثمر محاولات روسيا إثبات وجودها على الساحة الدولية حتى الآن عن أية نتيجة
إيجابية. هذا بلا شك يضعف الموقف الروسي في محاولة إيجاد منطقة نفوذ له في
الشرق الأوسط. وهكذا بات من الواضح أن حظوظ روسيا في العودة إلى تلك المنطقة
محكوم عليها بالفشل حتى الآن.