أكل العنب أم قتل الناطور؟
حقيقة الأهداف الأمريكية تجاه إيران
واشنطن/د. أسامة
عبد الحكيم
يتزايد الحديث في وسائل الإعلام الدولية عن الهدف التالي للإدارة الأمريكية بعد
الإطاحة بنظام الرئيس العراقي صدام حسين، ويتساءل المراقبون هل تكون إيران هذا
الهدف؟
خطاب الرئيس الأمريكي جورج بوش عن حال الاتحاد الذي ألقاه بتاريخ 29 كانون
الثاني/يناير 2003 ووصف فيه إيران إلى جانب العراق وكوريا الشمالية بمحور الشر،
يرجح ذلك.
يقوم المحافظون الجدد في الولايات المتحدة من خلال وسائل الإعلام التي يسيطرون
عليها، بتحريض الإدارة الأمريكية على مهاجمة إيران وسوريا عسكرياً، ويبحثون
لذلك عن أي مبررات تخدم أهدافهم حتى لو اضطروا لقلب الحقائق.
فقد نشر ديفيد وورمسير وهو من منظري المحافظين الجدد ورقة بحثية سياسية ربط
فيها بين المصالح الاستراتيجية الأمريكية والإسرائيلية في منطقة الشرق الأوسط،
جاء فيها ((إن السيطرة على العراق وتغيير هويته تعني السيطرة على ميزان القوى
في الشرق لفترة طويلة من الزمن وإن الولايات المتحدة و(إسرائيل) يمكنهما القيام
بهذه الحرب سوياً)). ودعت الورقة لتشكيل حلف جديد يشمل إضافة إلى الولايات
المتحدة الأمريكية و(إسرائيل) الأردن وتركيا، وتوسيع رقعة التغيير لتشمل محور:
سوريا - إيران والسلطة الفلسطينية.
ورسم وورمسير خطة لحرب تقوم بها (إسرائيل) والولايات المتحدة بصورة مشتركةَ
وهدفها ضرب مراكز الراديكالية في الشرق الأوسط. وقد نشر وورمسير خطته هذه في
الأول من كانون الثاني/يناير 2001، أي قبل تسعة أشهر على أحداث 11
أيلول/سبتمبر، مركّزاً على أن الأزمات غالباً ما تكون فرصاً يجب اغتنامها.
دور المحافظين
في 20 أيلول/سبتمبر من عام 2001 أرسل 40 من عتاة المحافظين الجدد واليهود رسالة
مفتوحة إلى الرئيس بوش ترسم له طريقة مكافحة الإرهاب، على حد وصفهم. أبرز
الموقعين على هذه الرسالة: بيننت، بودهوريتز، كيركباتريك، بيرل، كريستول،
كراوثامر، بايبس، غيريتشت، مورافتشيك، ويلسي، كوهين وغيرهم. جاء في هذه الرسالة
((إن للولايات المتحدة و(إسرائيل) عدواً مشتركاً. وإن هاتين الدولتين هما هدف
لما صحت تسميته ((محور الشر))، وإن (إسرائيل) تُهاجَم لأنها صديقة للولايات
المتحدة)). ونقلت الرسالة عن وزير الدفاع الأمريكي رمسفيلد قوله ((إن إيران
إضافة إلى العراق وسوريا مشغولة بتشجيع وتمويل ثقافة الإجرام السياسي
والتفجيرات الانتحارية ضد (إسرائيل)، كما أنهم يقومون بمساعدة الحملات
الإرهابية ضد الولايات المتحدة منذ العقدين الآخرين، لقد قامت الولايات المتحدة
بإعلان الحرب على الإرهاب، وإن (إسرائيل) تقوم بالحرب ذاتها)). واتخذت هذه
الرسالة طابع الإنذار، إذ كي يحصل الرئيس على تأييد هؤلاء عليه القضاء على
((حزب الله)) واتخاذ الإجراءات المناسبة للانتقام من سوريا وإيران إذا رفضتا فك
ارتباطهما بهذا الحزب، وكذلك القضاء على العراق، وأي فشل في ذلك سيؤدي إلى فشل
مبكر وربما نهائي في الحرب المعلنة على الإرهاب الدولي وفق ما جاء في الرسالة.
وفي لقاء مع وكالة ((سي. إن. إن)) بتاريخ 12 أيلول/سبتمبر، ولم يكن قد مضى بعد
24 ساعة على تفجيرات نيويورك وواشنطن قال بيننت ((إننا في حرب بين الخير والشر،
وعلى الكونغرس إعلان الحرب على الإسلام العسكري، كما وصفه. وإن القوة العسكرية
الخارقة للولايات المتحدة يجب أن تستخدم ضد لبنان، ليبيا، العراق، سوريا،
وإيران)).
وفي مقال آخر نشره تحت عنوان ((الحرب على سادة الإرهاب)) ذكر ليديين، باحث في
معهد إنتربرايز الأمريكي، أن ((على أمريكا أولاً القضاء على أنظمة الإرهاب
الثلاثة؛ إيران، العراق وسوريا. علماً أن دور أمريكا يجب أن لا يقتصر على هذا،
فعلينا التأكد التام من تطبيق الثورة الديمقراطية في الدول المعنية. وليست
المسألة زعزعة استقرار هذه الأنظمة أم لا، إنما كيفية تحقيق ذلك)).
التنظير لحروب على كافة القوى التي لا تسير في الركب الأمريكي كان متواصلاً
منـﺫ انهيار الاتحاد السوفييتي وخوف الغرب من ظهور الإسلام كقوة بديلة. لكن
أحداث أيلول/سبتمبر وضرب الولايات المتحدة في عقر دارها وضع تلك الخطط على
نيران حامية. وجاء الاحتلال الأمريكي لأفغانستان وتبعه احتلال العراق وممارسة
الضغوط على الحركات الإسلامية المسلحة كحركة حماس وحزب الله والتهديد المستمر
لإيران وسوريا كجزء مما سمّاه بوش الابن ((الحرب العالمية على الإرهاب))، وإن
كان الهدف الرئيسي هو ضرب الإسلام كمشروع إصلاحي توحيدي وحماية الأمن
الإسرائيلي، بل حماية (إسرائيل) نفسها من حرب تتهدد مصيرها.
ثورة في إيران
واستمر التهديد الأمريكي لإيران وتابع ليديين تحريضه فكتب عدة مقالات في مجلة
((وول ستريت جورنال)) قال فيها إن الشعب الإيراني قد خاب ظنه بنظام حكم رجال
الدين بمن فيهم الرئيس الإصلاحي خاتمي، وإن هذا الشعب جاهز للثورة ضد حكومته
لصالح حكومة صديقة للولايات المتحدة. وتابع ليديين قوله (تشرين الثاني/نوفمبر
2001) إن إيران أمّ الإرهاب الحديث، جاهزة لانفجار يبلغ عنان السماء، وإن الشعب
الإيراني ينتظر شرارة تشجيع من الولايات المتحدة لإطلاق لهيب الثورة
الديمقراطية. وقام ليديين بتأسيس ((التحالف من أجل الديمقراطية في إيران)) ضم
إلى جانبه موريس أميتاي، جيمس ويلسي، فرانك غافانني وباول سايمون إضافة إلى روب
صبحاني. وفي جواب على سؤال عن المستقبل الإيراني قال ليديين ((إن مبلغ 20 مليون
دولار سيضمن وجود إيران حرة، وإنه شخصياً يعرف كيفية استخدام هذا المبلغ على
أكمل وجه)). يذكر أن ليديين هو أحد أعضاء مجلس السياسة الدفاعية التابع
للبنتاغون وأحد المتورطين في فضيحة إيران كونترا، لكنه لم يقدم لأية محاكمة.
وينقل عن ليديين قوله إن الشعب الإيراني أكثر الشعوب الإسلامية حباً لأمريكا في
حين أن النظام الإيراني أكثر الأنظمة عداءاً لأمريكا في العالم.
ونقل الكاتب جو صوبران (25/3/2003) عن ليديين قوله إن غزو العراق ليس حرباً،
إنما هو معركة في الحرب الأوسع والتي يجب أن تمتد لتشمل بلدانا أخرى وتبدأ من
إيران. ويعتقد ليديين أنه على الولايات المتحدة مساعدة المقاتلين من أجل الحرية
في إيران كما ساعدت المقاتلين من أجل الحرية خلال فترة الحرب الباردة. (منشورات
معهد إنتربرايز الأمريكية 26 تموز/يونيو 2003).
ووفق ليديين فإن أمام الولايات المتحدة ضرورة إستراتيجية ملحة في صراعها في
الشرق الأوسط تتمثل في كون إيران مركز شبكة الإرهاب الدولية. وإن إسقاط ما
يسميه ((المللاقراطية)) أهم من إسقاط نظام صدام حسين، وإن إحلال الحرية في
إيران ستكون حدثاً تاريخياً وصفعة عنيفة على وجه الإرهاب. وعلى الولايات
المتحدة لأسباب أخلاقية وإستراتيجية مساعدة الشعب الإيراني لأنه يستحق هذه
المساعدة، وبدل البحث عن مبررات لاسترضاء زعماء الإرهاب فعلى أمريكا تسخير
طاقاتها وأفكارها للإسراع في إنجاح الثورة الإيرانية، -يتابع ليديين-.
أما ريوويل مارك غيريتشت، العميل السابق لوكالة الإستخبارات الأمريكية والباحث
في معهد إنتربرايز الأمريكي، فقد نشر مقالاً في مجلة ((ويكلي ستاندرد)) –
آب/أغسطس 2002، جاء فيه إن وجود القوات الأمريكية في العراق سيشجع على ثورة في
الجوار (المقصود إيران). وتابع غيريتشت ((إن السخط الشعبي في إيران سيتجه نحو
السخونة عندما سيكون الجيش الأمريكي قريباً من الجمهورية الإسلامية. وإن غزواً
أمريكياً محتملاً (للعراق) يمكن أن يثير مظاهرات في إيران تتبعها انتفاضات في
كبرى المدن الإيرانية لن يكون بإمكان قوى مكافحة الشغب الموالية للنظام السيطرة
عليها)).
ويرى غيريتشت أن ((إيران الديمقراطية حيث لا سيطرة لرجال الدين سيكون لها تأثير
هائل على الشرق الأوسط. فالثورة الإسلامية ستموت وسيحل مكانها بديل ديمقراطي
علماني سيزرع جذوره في قلب العالم الإسلامي)).
وكتب وليم كريستول، الصحافي الأمريكي ورئيس ((مشروع القرن الأمريكي الجديد))،
في صحيفة ((ستاندرد)) -5 أيار/مايو، 2003- إن المعركة القادمة والفاصلة ستكون
ضد إيران. هذه المعركة والتي يأمل أن لا تكون عسكرية، قد بدأت الآن وسببها
المباشر مَن منَ الطرفين سيحدد المستقبل العراقي على حد قوله. وتكتسب كتابات
كريستول أهمية بالغة باعتباره أحد أبرز منظري المحافظين الجدد.
ويدعو كريستول الإدارة الأمريكية لقلب نظام الحكم في إيران وإقامة نظام موال
للغرب ومعاد للإرهاب، لأن ذلك سيعزز من فرص السلام بين الفلسطينيين
والإسرائيليين على حد قوله.
مستقبل إيران
وفي 6 أيار/مايو 2003 عقد مركز دراسات إنتربرايز الأمريكي مؤتمراً حول مستقبل
إيران تحت عنوان ((المللاقراطية، الديمقراطية والحرب على الإرهاب)). تحدث في
هذا المؤتمر الباحثان في المعهد ليديين، غيريتشت وموريس أميتاي من المعهد
اليهودي لدراسات الأمن القومي وروب صبحاني، المعارض الإيراني البارز والخبير
النفطي، إضافة إلى أوري لوبراني المستشار في وزارة الدفاع الإسرائيلية وآخر
سفير لـ(إسرائيل) في إيران ومنسق الشؤون اللبنانية السابق.
وقدمت ميراف وورمسير الباحثة في معهد هدسون للشرق الأوسط مداخلة في إحدى جلستي
المؤتمر أشارت فيها إلى ((أن معركتنا ضد العراق كانت واحدة من سلسلة معارك في
الحرب ضد الإرهاب ومن غير المنطقي التفكير بمعالجة الملف العراقي بمفرده، علينا
التحرك وبسرعة)). وقالت الباحثة ((إنه كان من الخطأ إرسال خليل زادة لمباحثات
سرية في جنيف مع الإيرانيين)). بعيد ذلك أوقفت الولايات المتحدة المحادثات بحجة
وقوف إيران خلف أحداث الرياض في 12 أيار/مايو 2003.
من جهته دعا نورمان بودهوريتز الكاتب في مجلة كومنتري اليهودية، الرئيس بوش لشن
حرب عالمية على الإسلام العسكري، طالباً منه عدم قصر ((محور الشر)) على العراق،
إيران وكوريا الشمالية إنما توسيعه ليشمل سوريا، لبنان، والسلطة الوطنية
الفلسطينية. ودعا بودهوريتز بوش لاتباع سياسة تغيير الأنظمة -باستثناء
(إسرائيل)- في منطقة الشرق الأوسط.
أما بول وولفوويتز، نائب وزير الدفاع الأمريكي السابق، فيقول ((إن إيجاد حكومة
أمريكية التوجه في العراق، سيؤدي إلى إعادة رسم خارطة الشرق الأوسط، وسيعمم هذا
الأمر على سوريا وإيران وربما إلى دول أخرى)).
من جهة أخرى تقدم السناتور سام براونباك المحسوب على الجناح اليميني المحافظ
بمشروع ((قانون إيران الديمقراطي)) والذي ينص على ضرورة إجراء استفتاء في إيران
تحت إشراف دولي بهدف تمكين الشعب الإيراني من تغيير نظام حكمهم سلمياً. ويطالب
براونباك الكونغرس بتخصيص مبلغ 50 مليون دولار لدعم البث التلفزيوني والإذاعي
التابع للمعارضة الإيرانية التي تبث من الولايات المتحدة بهدف دعم الديمقراطية
وإعادة نظام حكم الشاه واحترام حقوق الإنسان في إيران. وقال سام براونباك إن
إذاعة ((فاردا)) يمكن أن تستخدم من قبل الأمريكيين من أصل إيراني للتأثير على
أقاربهم في إيران بهدف تغيير النظام. ويأمل براونباك بترجمة الكتب وأشرطة
الفيديو إلى اللغة الفارسية لضمان تأثير أكبر على مختلف شرائح الشعب الإيراني.
ودعا توم لانتوس عضو الكونغرس عن الحزب الديمقراطي -ولاية كاليفورنيا- الكونغرس
لإصدار قرار يدعم الشعب الإيراني في صراعه ضد حكومته.
ريتشارد بيرل أحد الأعضاء السابقين في مجلس الدفاع الاستشاري يعرب عن أمله أن
سقوط نظام الحكم في إيران سيتم دون أن تستخدم الولايات المتحدة قوتها العسكرية،
علماً أن هذه القوة قد تكون ضرورية للتأثير لصالح تغيير النظام. وقال بيرل أمام
المجلس الألماني للعلاقات الخارجية (الصحف 17/6/2003) إن أمريكا ترى إشارات
توحي بأن الإيرانيين يريدون تغييراً في النظام وإنهم يستحقون التشجيع. وأكد
بيرل أن إمكانية تغيير النظام واردة لأن النظام هناك ذو شعبية متدنية على حد
قوله.
حقيقة موقف الولايات المتحدة من التغيير في الشرق الأوسط كشف عنها جيمس ويلزي
رئيس وكالة الاستخبارات الأمريكية السابق وعضو المجلس الاستشاري للدفاع والذي
يعتبر من كبار المسيحيين المحافظين. يقول ويلزي (جيروزاليم ريبورت 16
حزيران/يونيو 2003) إن أولوية الولايات المتحدة في العراق والعالم الإسلامي يجب
أن لا تكون دعم الديمقراطية، إنما محاربة المتطرفين الإسلاميين أعداء
الديمقراطية، كما يصفهم. ويتابع ويلزي ((إن المنظمات الأصولية الإسلامية
والإرهابيين ينظمون خلاياهم على غرار الشيوعيين، وعلينا متابعتهم، مهاجمتهم،
اعتقالهم، القضاء عليهم، هزيمتهم وقتلهم)).
ويتساءل فريق من الأمريكيين لماذا على أمريكا معاداة الإسلام وإراقة الدماء
الأمريكية لأجل (إسرائيل)؟ يجيب على هذا السؤال آرناود دي بورتشغريف، المحرر في
صحيفة ((واشنطن تايمز))، إن الحرب على الإسلام تأتي تنفيذاً لمبدأ بوش - شارون
الذي وضعه ليكوديو واشنطن منذ أصبحوا المسؤولين عن السياسة الأمريكية في الشرق
الأوسط وذلك مع وصول جورج بوش إلى الحكم، والهادف لضمان أمن (إسرائيل).
أيّد هذا الرأي مايكل ليند، الكاتب الأمريكي الشهير، الذي كتب يقول: إن عصابة
بيرل، وورمسير وفيث التي تنتمي إلى اليمين المسيحي المتطرف، رغم قلة عددها إلا
أنها أصبحت قوة هامة في الدوائر التي ترسم سياسة الحزب الجمهوري. وتابع ليند
قوله أن هؤلاء الصقور يتحدثون للرأي العام عن حملة صليبية لإرساء الديمقراطية
في العالم إلا أن حقيقة الموقف هي اهتمامهم بجعل (إسرائيل) قوية ذات سمعة طيبة.