د. طلال عتريسي عميد كلية العلوم
الاجتماعية في الجامعة اللبنانية:
لا إمكانية لاندلاع حرب أهلية في لبنان
وموضوع فدرالية الطوائف غير مطروح
بيروت/أحمد الحاج
بعد سلسلة من الأحداث الأمنية والسياسية التي تشهدها الساحة اللبنانية،
وللاطلاع على ما يجري في لبنان، التقت ((فلسطين المسلمة)) مدير معهد العلوم
الاجتماعية في الجامعة اللبنانية الباحث والمحلّل السياسي الدكتور طلال عتريسي،
وكان الحوار التالي:
-إلى أين تتجه الأزمة السياسية في لبنان بعد سلسلة
الأحداث؟
• الأزمة في لبنان مرشحة للاستمرار على ما هي عليه إذا لم تتم معالجة قضايا
الخلاف الأساسية بين الأطراف المشكّلة للحكومة الحالية، والتي لديها امتدادات
طائفية وحزبية وشعبية خارج الحكومة. وما لم يتم حسم هذه القضايا الأساسية مثل
موضوع آلية عمل مجلس الوزراء بشأن طريقة اتخاذ القرار، وهل هي على قاعدة
التوافق أم على قاعدة الأكثرية، أو ما لم يتم حسم القضايا الأخرى المتعلّقة
بمستقبل لبنان وموقعه ودوره، وقضية المقاومة، والقرار 1559 هل يُعتبر نُفذ أو
لم يُنفذ، هل ستبقى هناك خطوط مفتوحة من أجل مزيد من الضغوط لأجل تنفيذ هذا
القرار. كل هذه المسائل يجب أن يكون هناك وضوح حولها، ومعالجتها ضمن كل
الأطراف، وإلا ستبقى الأزمة الحكومية مستمرة.
-أليس هناك في الأفق آلية للتوافق؟
• أظن أن هناك مصلحة للتوافق لأن عدم التوافق سيأخذ البلاد إلى أزمة مفتوحة لا
أحد يعرف تداعياتها. ويمكن أن تؤثر على كل عمل مجلس الوزراء وعلى مجلس النواب،
ويمكن أن تنسحب على المؤسسات الأخرى في لبنان، سواء السياسية والاجتماعية
وغيرها. لا يبدو لغاية هذه اللحظة أن الأفق مقفل تماماً، لأن الاتصالات مازالت
جارية، وهناك محاولات للضغط عبر الشارع، وهناك ضغوط عبر الخارج، وأظن أن الجميع
محكوم في النهاية بالعودة إلى الحوار.
-هل يمكن أن يتجه البلد إلى فيدراليات طوائفية؟
• موضوع فيدرالية الطوائف، تمّ طرحه في بعض الأوساط استناداً إلى ما يحصل في
مناطق أخرى في المنطقة العربية، ولكن حجم الطوائف في لبنان يختلف عن حجمها في
مناطق أخرى مثل العراق، حيث هناك طوائف وعرقيات كبيرة. لا أظن أن موضوع
فيدرالية الطوائف مطروح أو أنه يمكن أن يبصر النور في ظل تفاوت كبير في أحجام
الطوائف وانتشارها وغير ذلك. وهذا الأمر ليس قراراً ذاتياً بالنسبة للطوائف، بل
هو شأن كلّ التحوّلات الكبرى المصيرية في لبنان، لا يمكن أن ينفصل عما يجري في
المنطقة وما يحصل فيها من مشاريع.
-ما مصير التحالف الرباعي (أمل وحزب الله، والتقدمي
الاشتراكي، وتيار المستقبل) في ظل الشحن الطائفي والمذهبي الموجود حالياً؟
• هذا التحالف في الأصل لم يكن متيناً ومتماسكاً، بدأ انتخابياً بدرجة أولى،
وسياسياً بدرجة ثانية بالتوافق حول موضوع المقاومة والتوافق حول كشف حقيقة
اغتيال الرئيس الحريري، والتوافق حول القضايا الوطنية الكبرى. ولكن بمرور الوقت
وبعد أشهر قليلة من الانتخابات، بدأنا نلحظ نوعاً من الاهتزاز في هذا التحالف
في أكثر من مناسبة على صعيد التحقيق نفسه، وعلى صعيد حجم الثقة في لجنة التحقيق
الدولية. وعلى صعيد بعض التعيينات في الإدارة الأمنية وغير الأمنية، وأيضاً على
صعيد العلاقة مع سوريا ومع الفلسطينيين، وكلّها تعتبر من القضايا الوطنية
الكبرى التي لم يحصل تشاور حقيقي بشأن اتخاذ القرار منها. لهذا السبب سبق ما
يحصل اليوم اهتزاز في هذا التحالف وهو يحتاج إلى إعادة بحث وإلى إعادة توافق
حول القضايا الأساسية قبل أن ينهار كلياً.
-يمكن أن نعتبر أن هذا التحالف تحالف شكلي؟
• هو لم يبدأ شكلياً، بل بدأ حول قضايا أساسية، الانتخابات، حماية المقاومة
وثبات الموقف من المقاومة، والمضي إلى النهاية في كشف حقيقة جريمة اغتيال
الرئيس الحريري. ما حصل بعد الانتخابات اهتزاز في بعض بنود الاتفاق. في بعض
الأحيان هناك كلام حول اتصالات مع الأمم المتحدة ومبعوثها تيري رود لارسن حول
المقاومة. بدأ الكلام حول لجنة التحقيق والتشكيك فيما ذكرته، والكلام حول
السلاح الفلسطيني دون تشاور، وترسيم الحدود مع سوريا. وهذه مواضيع وطنية كبيرة،
وليست من قبيل تعيين موظف أو إقالة آخر. بدأ الاهتزاز من هذه المسائل وصولاً
إلى المحكمة الدولية التي كانت ذروة تصاعد الاختلاف، ولهذا السبب يبدو أن
المسألة بحاجة إلى إعادة نظر جدية وجذرية في طبيعة هذا التحالف، فإما أن يستمر
على أسس ثابتة بين أطرافه وإما أن يذهب كل طرف في حساباته الخاصة.
-هل تتوقعون توسّع موجة الاغتيالات في ظل الانكشاف
الأمني والسياسي؟
• طبعاً، طالما أنه ليس هناك سقف سياسي متين في البلد، وليس هناك سقف أمني.
معروف في كل البلدان أن هذا الوضع مناسب، وهو أفضل وضع لتدخّل قوى مختلفة على
خط تسعير التوتر وزيادة الفتن الداخلية. ولبنان بلد مكشوف أمام العدو
الإسرائيلي، وهناك تجارب كثيرة في الاغتيالات التي نفذها العدو. ويمكن أن يقوم
بهذه الاغتيالات أي طرف آخر لديه مصلحة في زيادة التوتر الداخلي. فمن لديه
مصلحة في توتير الوضع الداخلي، وفي توتير العلاقات السورية اللبنانية،
واللبنانية العربية؟ ومن لديه مصلحة في طرح أسئلة حول ارتباط لبنان بالصراع
العربي الإسرائيلي؟ الآن تُطرح هذه الأسئلة بعد عمليات الاغتيال والتوتر. من
لديه مصلحة في ذلك، لديه مصلحة في التفجير.
-هل المخاوف من اندلاع حرب أهلية في لبنان واقعية؟ وإذا
توفّرت إرادة القتال لدى طرف من الأطراف في لبنان، فهل يمكن أن تندلع الحرب؟
• لا أظن أن هناك إمكانية لاندلاع حرب أهلية في الظروف الراهنة، وأعتقد أنه بعد
اغتيال الرئيس الحريري كانت هناك فرصة أكبر لاندلاع الحرب بسبب ما نتج عن
اغتياله من توتّر شديد على صعيد الشارع والأحزاب وبين القوى المختلفة، ولكن ليس
هناك قرار إقليمي في تفجير الوضع في لبنان، وليس هناك مصلحة في الحرب في الظرف
الراهن بظل الانشغال الأمريكي في العراق والانشغال الإسرائيلي في الموضوع
الفلسطيني، وفي ظل حرص الأطراف الداخلية أيضاً على عدم تكرار تجربة لاتزال
ساخنة. فلم يمضِ على الحرب الأهلية سوى بضع سنوات، وما يزال الجيل نفسه هو الذي
عايش الحرب ومارسها. وانطلاقاً من ذلك لا أظن أن هناك نيّة لعودة الاقتتال
الداخلي، خاصة وأن مشروع الاقتتال غير واضح إلى أين يمكن أن يذهب. وما هي القوى
التي ستقاتل بعضها، وعلى أي شيء؟ أين هي خطوط التماس التي ستفرز المقاتلين؟ هذا
غير واضح. ولهذا السبب، لا أظن أن إمكانية عودة الحرب الأهلية متوفرة بالمدى
المنظور.
-ولكن الخطاب الطائفي على مستوى الشارع هو خطاب عنيف؟
• أعتقد أن ما يساهم في ذلك هو وسائل الإعلام بالدرجة الأولى التي تلعب دوراً
سيئاً جداً في هذه المرحلة، إذ إن تصريحات المسؤولين السياسيين هي أقل طائفية
وأقل تشنجاً من وسائل الإعلام. ويجب الانتباه إلى هذه المسألة حتى لا تصل إلى
مرحلة لا يمكن السيطرة عليها.
-ما المخرج من الأزمة اللبنانية السورية في ظلّ أغلبية
نيابية معارضة لسوريا؟
• هذه الأزمة نشأت على قاعدة الاتهام الوحيد وغير القابل للجدل من قبل هذه
الأكثرية في اغتيال الرئيس الحريري وكل الاغتيالات الأخرى. هذا منشأ هذه
الأزمة، فلم تطرح هذه الأكثرية أي احتمال بوجود طرف آخر يمارس هذه الاغتيالات.
حصل أحياناً بعض الانفراجات من خلال لقاءات رئيس الحكومة اللبنانية مع مسؤولين
سوريين. ولكن هناك أطرافاً تدفع باتجاه هذا التأزيم. من جهة أخرى لا تستقيم
العلاقة اللبنانية السورية في ظل تجاذب داخلي حول موقع لبنان ودوره وارتباطاته
بقضيته العربية والموقف اللبناني من العلاقة مع سوريا. يجب أن يكون هناك توافق
داخلي ما لبحث كل القضايا مع سوريا سواء ترسيم الحدود أو غيره. وفي ظل التشنج
الحالي لا يمكن البحث الجدي في العلاقة مع سوريا.
-هناك مبادرة سعودية، ومبادرة الجامعة العربية؟
• قد لا يكون هناك حلول جاهزة عند الجامعة العربية أو المملكة السعودية. ولكن
هذه المبادرات هدفت إلى لجم التصعيد الذي كان مستمراً. والمبادرة السعودية هدفت
إلى تخفيف حجم الضغط على سوريا بطريقة ما، وعدم الانجرار وراء مغامرة إسقاط
النظام في سوريا، وتهدئة الوضع الداخلي في لبنان بمنع التصعيد من الاستمرار.
ففي اليوم الذي انسحب وزراء أمل وحزب الله من الحكومة أتى السفير السعودي وزار
الأمين العام لحزب الله. فالسعودية تلعب دوراً إيجابياً في تخفيف الاحتقان.
وكذلك الجامعة العربية لا يمكن أن تقبل بحالة مشابهة للوضع في العراق فيما
يتعلق بسوريا ولبنان.
-هل انتقل لبنان إلى الوصاية الأمريكية والفرنسية؟
• هناك واقع جديد في لبنان. في الماضي كان الحضور السوري في كل المجالات
السياسية والأمنية والتجارية وغير ذلك. ولكن ذلك الحضور كان يرتبط بالمواجهة مع
(إسرائيل). وبعد انكفاء النفوذ السوري عن لبنان، تمّ ملء هذا الفراغ إلى حدّ
كبير بالنفوذين الأمريكي والفرنسي. وهناك إشارات كبيرة بدأت مع الانتخابات.
وكان السفيران الأمريكي والفرنسي يتدخلان بتشكيل اللوائح وتقديم ما يُسمّى
بالنصائح لإدخال هذا الشخص باللائحة وإخراج ذلك الشخص. من جهة ثانية هناك مواقف
للسفير الأمريكي في لبنان تعترض على بعض التعيينات. وشاهدنا الـ(إف.بي.أي)
يتدخل في التحقيق في بعض التفجيرات.
-نشهد تمزقاً عربياً في أكثر من بلد، سواء كان تمزقاً
عرقياً أو طائفياً أو خلافه، هل العرب عاجزون حتى الآن عن بناء وطن، أو لم تنضج
فكرة الوطن لديهم بعد؟
• هناك فرق بين بناء الوطن العربي الموحّد وهذا لم يتحقق، بينما هناك نمو قوي
باتجاه الوطن القُطري. في ظل هذا الانكفاء نحو الوطن القُطري هناك مشاكل كثيرة،
لها علاقة بشرعية السلطة في كل بلد، لها علاقة بموضوع الحريات، هناك مشكلة في
إدارة التنمية الشاملة في هذا البلد، هناك مشكلة في تحديد موقع البلد من
المتغيرات الدولية والصراع المركزي. كل هذه المشاكل تخلق أزمة تطرح قضية الوطن
والهوية والسيادة والسلطة كأسئلة مطروحة في كل بلد عربي، وستبقى مطروحة مع دخول
الولايات المتحدة على خط الإصلاح في الدول العربية، وتحوّلها إلى عامل تأثير في
أكثر من بلد عربي.