التنمية والإصلاح في عهد أبو مازن
تراجع الدخل القومي بنسبة 1.5% وازدياد نسبة المواطنين تحت خط الفقر لتصل لـ50%
• قاسم: عباس عاجز عن الإصلاح
• المصري: 130 مليون شيكل سنوياً لسيارات الموظفين
نابلس/سامر خويرة
((إن إنهاء الاحتلال كان وسيبقى أول أولويات العمل الوطني الفلسطيني، ولكنه ليس
الأولوية الوحيدة. ولا أجد مبرراً لإهمال بقية قضايانا الوطنية بذريعة أننا شعب
تحت الاحتلال. وأعتقد أنكم تتفقون معي على أن الخطوة الأولى نحو بناء مجتمعنا
تكمن في إرساء سيادة القانون، عندها فقط سيتم التطوير الحقيقي لمؤسساتنا
الحكومية ولنظامنا السياسي، وعندها فقط ستتحقق التنمية ويعم الرخاء الاقتصادي
ونتقدم على جميع الصعد الاجتماعية والثقافية والصحية وغيرها. إن إصلاح وتطوير
القضاء، والمؤسسات الأمنية والحكومية، واستمرار تطوير نظامنا المالي والاقتصادي
وإرساء آلية جدية للتعاون بين القطاع العام والقطاع الخاص هي أولويات لتمكين
السلطة الوطنية من أداء دورها في خدمة مصالح شعبنا الفلسطيني، وهي واجب لإرساء
أسس الدولة الفلسطينية التي نصبو إليها)).
هذه مقتطفات من خطاب محمود عباس الذي ألقاه في المجلس التشريعي الفلسطيني يوم
15/1/2005 بعد توليه رسمياً منصب رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية.. ويظهر
الخطاب أن عباس قد وضع الإصلاح بكافة صوره الاقتصادي والسياسي والأمني والحكومي
على رأس أجندته، كما وعد بالعمل على إرساء سيادة القانون والفصل بين السلطات
الثلاث. هذه الإصلاحات كان يطالب بها عباس الرئيسَ عرفات حين كان خارج مقر
الرئاسة، لكنه اليوم وبعد مرور عام على تسلمه منصبه لم يتغير شيء يذكر،
فالإصلاحات الإدارية والهيكلية والمالية تسير كالسلحفاة، والتعدي على القانون
تضاعف، كما أن السلطة التنفيذية تسيطر على التشريعية في حين أن السلطة القضائية
تراجعت للخلف خطوات عدة.
في قراءة متمعنة لكلمة وزير المالية د. سلام فياض عن مشروع قانون الموازنة
العامة للسلطة الفلسطينية لعام 2005 والتي ألقاها أمام المجلس التشريعي يوم
16/3/2005 بحضور الرئيس عباس نجده يعتذر عن التأخير في عرض مشروع القانون على
المجلس لعدم ((تمكننا من الحصول، في الوقت المناسب، على ما يكفي من تطمينات
بشأن توفر قدر من المساعدات الخارجية يكفي للمساعدة في تمكين السلطة الوطنية من
الوفاء بالالتزامات المترتبة على أدائها لمهامها الأساسية))، – كما جاء على
لسانه.
وأشار فياض إلى أن مستوى المساعدات الخارجية المتاحة لتمويل النفقات الجارية
انخفض خلال العامين (2003-2004) إلى نحو 60% مما تلقته السلطة من هذه المساعدات
خلال العامين (2001-2002)، وهو ما يعادل زهاء نصف ما كان متوقعاً في موازنة كل
من عامي (2003 و2004).
وقد كان لهذا التدني في المساعدات –بحسب مراقبين- تأثير سلبي واضح انعكس في
تعثر تنفيذ قانون الموازنة وعلى نحو أضعف إمكانية السلطة على الوفاء
بالتزاماتها.
التراجع الاقتصادي متواصل
وفي استعراض سريع للأوضاع الاقتصادية في الأراضي الفلسطينية خلال فترة
(2004-2005) نلاحظ أن المعاناة استمرت كما استمر الضعف في أداء الاقتصاد
الفلسطيني خلال عام 2004، وتشير البيانات الإحصائية التي أصدرها الجهاز المركزي
للإحصاء الفلسطيني إلى أن معدل النمو السنوي في الناتج المحلي الإجمالي لعام
2004 بلغ حوالي 3% فقط.
وبالنظر لمحدودية الزيادة في معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي، فقد تراجع معدل
الدخل القومي الإجمالي للفرد بنسبة تقارب 1.5%. وزادت نسبة المواطنين الذين
يعيشون تحت خط الفقر والمقدر دولياً بحوالي دولارين يومياً لتصل لـ50% عام
2004، علماً بأن هذه النسبة قد ارتفعت 30% خلال الأربع سنوات الماضية. وأما
المساعدات الخارجية المخصصة لدعم الموازنة لعام 2004، فقد بلغت حوالي 350 مليون
دولار، أي ما يعادل تقريباً نصف المبلغ المقدر للتمويل الخارجي في الموازنة،
الأمر الذي أدى إلى الحد من إمكانية السلطة على التعامل مع الاحتياجات المترتبة
على هذا التدهور في الأوضاع المعيشية.
ومن خلال مراجعة تنفيذ الموازنة في عام 2004 نجد أن النفقات ازدادت، حيث بلغ
إجمالي الرواتب حوالي 875 مليون دولار، وهو ما يزيد بقدر محدود عن المبلغ
المرصود في الموازنة (مقيّماً بسعر الصرف الفعلي للدولار) بحدود 17% عما أُنفق
على هذا البند في عام 2003، ويعكس هذا الارتفاع زيادة غير مبرمجة في أعداد
منتسبي قوات الأمن، مع أنه تم ضبط التعيينات في القطاع المدني بما ينسجم
والموازنة المقرة.
وعودة لخطاب فياض الذي تحدث به عن مشروع قانون الموازنة العامة لعام 2005، نجده
يتوقع ورود تمويل خارجي بقيمة 1171 مليون دولار، منها حوالي 268 مليون دولار
لتمويل مشاريع تطويرية مدرجة في الموازنة وحوالي 663 مليون دولار لتمويل نفقات
جارية، ذلك بالإضافة إلى 240 مليون دولار لتمويل صندوق الرعاية الاجتماعية.
وفيما يتعلق بالنفقات الجارية، بلغت قيمة ما رصد لها في مشروع قانون الموازنة
1.962 مليون دولار، خصص منها مبلغ 938 مليون دولار لبند الرواتب والأجور و244
مليون دولار للنفقات التشغيلية و625 مليون دولار للنفقات التحويلية. كما تم رصد
مبلغ 268 مليون دولار للنفقات التطويرية في مشروع قانون الموازنة. وتتضمن
المشاريع المدرجة في مشروع القانون بناء مدارس ومستشفيات جديدة وشق طرق، بما في
ذلك شق طرق زراعية وبناء جدران استنادية في المناطق الريفية، وتطوير شبكات
المياه والمياه العادمة، ومشاريع أخرى لتطوير البنية التحتية وإعادة بناء ما
دمره الاحتلال، مع التركيز على المناطق الأكثر تضرراً، وبخاصة المناطق المتضررة
من الجدار.
صورة المنقذ
تساءل المحلل السياسي البروفيسور عبد الستار قاسم، المحاضر في قسم العلوم
السياسية في جامعة النجاح الوطنية بنابلس، عن هذه المشاريع وأين هي بعد مرور
نحو عام من الحديث عنها؟ قائلاً ((هذه مشاريع بسيطة قد يستطيع مجلس بلدي القيام
بها، لكن السؤال عن الإصلاحات التي تحدّث عنها الرئيس عباس في خطابه الأول،
المتمثلة بالقضاء على الفساد والعمل على استقلال القضاء وإحداث إصلاحات إدارية
وهيكلية واقتصادية والفصل بين السلطات الثلاث))، مؤكداً أن شيئاً من هذا لم ولن
يحدث في ظل الظروف المحيطة بالرئيس عباس تحديداً.
ويضيف قاسم: حسب طرح عباس فيما يخص الشؤون الداخلية والخارجية، فقد واجه مشكلات
في ثلاث قضايا رئيسة: مواجهة الفساد وإصلاح البيت الداخلي الفلسطيني، المقاومة
الفلسطينية، خذلان (إسرائيل) له. فقد تحدث عن إصلاح الأوضاع الفلسطينية
الداخلية دون أن يطرح برنامجاً متكاملاً بهذا الخصوص حتى الآن أي بعد مرور عام
على وصوله لسدة الحكم، هذا بعكس نظرته الواضحة للمقاومة الفلسطينية وسبل التوصل
إلى حل سلمي مع (إسرائيل).
وأشار قاسم إلى أن محمود عباس وقف -ولو نظرياً- ضد الفساد أثناء توليه منصب
رئاسة الوزراء، لكنه لم يستطع أن ينجز ما وعد به بسبب التوتر الذي خيم على
علاقاته مع عرفات آنذاك. والآن وهو يعتلى قمة الهرم السلطوي ليس من السهل أن
يحقق أيضاً ما كان هو يطالب عرفات به من إصلاحات، لأن الذين وقفوا معه في
الانتخابات وروجوا له ودعموه هم من قادة السلطة الفلسطينية المتهمة بالفساد،
ولا أظن أن هؤلاء سيسمحون بسهولة لإجراءات قد تقودهم إلى المحكمة وربما إلى
الإدانة.
وشدّد قاسم على أنه من أجل النهوض بالاقتصاد يجب توفر عدة مقومات، منها الإرادة
والتنظيم وصياغة المفاهيم ووجود أهداف مقنعة للتطوير وكذلك البيئة التي نعمل من
خلالها، بالإضافة إلى وجود متطلبات للتنمية مثل الأموال والأدوات المتطورة
والحشد الجماهيري.
وفيما يتعلق بالتنظيم فالنهوض يحتاج إلى تنظيم جيد وإدارة قوية وهيكلية وخطط
مدروسة، ونحن لا توجد لدينا خطط نهائياً.
وأشار قاسم إلى أن الأموال التي تصرفها السلطة الفلسطينية في مختلف المجالات
تأتي من الولايات المتحدة الأمريكية ووزير المالية الفلسطيني د. سلام فياض معين
من طرفها، لذا فهم يريدون إصلاحات لكن بحدود مصالحهم.. الإصلاحات بنظرهم أن
تلاحق الفصائل المقاومة، فهم لا يكترثون بالعمل في مجالات الاقتصاد والتنمية
بقدر ما يهمهم أن تعمل السلطة على القضاء على التنظيمات الفلسطينية مهما كلف
هذا الأمر من أموال، لذا نجد أن هناك مبالغ طائلة سرية مرصودة من قبل السلطة ضد
الفصائل وهذه لا تظهر في جداول الميزانية.
ولفت قاسم إلى أن الأساس الاقتصادي التي قامت عليه السلطة عام 1994 غير سليم،
فالاتفاقيات المجحفة بحق الشعب الفلسطيني ربطته بعجلة السياسية الإسرائيلية..
(إسرائيل) تريد أن يكون الشعب الفلسطيني عالة على الآخرين وتحويله إلى مجرد
مستهلك، وهذا ما نعيشه اليوم فعلياً، فنحن نستهلك أضعافاً مضاعفة مما ننتج على
الصعيد القومي.
وختم قاسم حديثه بالقول: إذا كان الرئيس عباس يريد الإصلاح الفعلي فعليه أن
يغير رؤساء الأجهزة الأمنية ورؤساء المديريات العامة في السلطة حتى رئيس
الوزراء نفسه، عليه أن يحاسب ((الحرامية)) الذين يسرقون الملايين من خزينة
الدولة، عليه أن يحض الخبراء على وضع برامج تنمية اقتصادية حقيقية يشرف على
تنفيذها مستشارون مختصون، عليه حشد الطاقات والأموال للنهوض بالشعب الفلسطيني
ورفع مستواه.
لا رقابة على الموازنة
د. معاوية المصري عضو لجنة الموازنة في المجلس التشريعي الفلسطيني عرّج على
موازنة عام 2005 قائلاً: ((لم يكن هناك رقابة عليها، لذا فعندما عرضت على
المجلس التشريعي طالبنا وزارة المالية بضبط عدة بنود فيها لكنها لم تقم بهذا
العمل)).
وأوضح المصري أن التشريعي طالب بوقف التعيينات حيث فوجئنا بأن التعيينات مستمرة
بذات الأسلوب القديم، عن طريق الرشوة والمحسوبية والقربى. كما طالبنا بنقل
عشرات الموظفين من ديوان الموظفين إلى عدد من الوزارات والمؤسسات، فهناك 3500
موظف مسجلون في الديوان ولا يعملون شيئاً، وشددنا أنه لن يسمح بتعيين أي موظف
جديد في أي مؤسسة حكومية إلا من خلال هؤلاء الـ3500 موظف.
ويتابع د. المصري ((فوجئنا كذلك بأن هناك تعييناً لـ12500 موظف في الأجهزة
الأمنية (9 آلاف في غزة و3500 في الضفة)، ولم يكن في الموازنة أية إشارة لهذا
الأمر، وأنا أعتقد أنه أحد الأسباب وراء استقالة وزير المالية د. سلام فياض
مؤخراً)).
ويؤكد عضو لجنة الموازنة في التشريعي أنه لم يتم إحداث أي إصلاح مالي أو
اقتصادي، فقد كانت تجابه طلباتنا بالتجاهل أو الرفض غالباً، وآخر ما طالبنا به
ضبط موضوع السيارات التي يمتلكها المسؤولون في السلطة، فهناك من لديه أربع
سيارات وخمس وحتى ست سيارات، بعضها متطور بحيث لا يخترقها الرصاص وهذه تكلف
ميزانية السلطة 130 مليون شيكل سنوياً (نحو 30 مليون دولار). أضاف ((كان هناك
اقتراح من لجنة الموازنة أن يتم بيع هذه السيارات وإعطاء الموظفين في الدولة
بدل مواصلات، وتم حسابها بحيث لو أعطينا كل موظف يملك سيارة 1000 شيكل شهري
لوفرنا أكثر من 80 مليون شيكل لصالح خزينة الدولة)).