"التهدئة" استنفدت أغراضها!
مع أفول عام 2005، انتهى الموعد الزمني
المقرّر لـ((التهدئة)) التي تمّ الإعلان عنها في القاهرة خلال آذار/مارس
الماضي، بموافقة اثني عشر فصيلاً فلسطينياً، وبرعاية مصرية رسمية. وقد دار خلال
الأسابيع الماضية جدل ساخن في الساحة الفلسطينية حول استمرار ((التهدئة)) من
عدمها. ومن المستهجن خروج ((عش الدبابير)) من أوكاره، بمجرّد إدلاء المجاهد
خالد مشعل بتصريحات فُهم منها أن لا تجديد للتهدئة، وكأنه مسّ مقدساً من
المقدسات، أو ثابتاً من الثوابت!
وخرج علينا –فوراً- المسؤول إياه في السلطة الفلسطينية، ليصدر بياناً يصف فيه
تصريحات رمز كبير، وقائد مجاهد بأنها تصريحات غير مسؤولة!
أي أن المسؤولية عند هؤلاء، أصبحت تكمن في تقديم التنازلات، والاستجابة
للإملاءات، ورفع الرايات البيض في مواجهة العدوان الغاشم على شعبنا!
إن فهمنا للتهدئة، هو أنها خيار عارض، وطارئ، تفرضه الضرورات السياسية، أو
الميدانية، وأن المقاومة هي الخيار الاستراتيجي، وهي الأصل، وما عداها هو
الاستثناء.. وإذا كانت فصائل المقاومة قد سجّلت موقفاً حكيماً ومسؤولاً، عندما
أعلنت عن مبادرتها السياسية بـ((التهدئة))، فإنها انطلقت في ذلك من تقدير عالٍ
للظروف السياسية، قاذفة الكرة بذلك من الملعب الفلسطيني إلى الملعب الصهيوني،
فاسحة المجال لشعبنا الفلسطيني الصابر كي يلتقط أنفاسه، ويضمّد جراحه،
وللمقاتلين المقاومين، حتى يستريحوا ((استراحة المحارب)).
ولكن المراقب للمشهد السياسي بعد الإعلان عن التهدئة، لحظ بوضوح أن الاحتلال
الصهيوني، تعامل مع مبادرة ((التهدئة)) بصلف وعنجهية، فلم يبادلها بمبادرة
مماثلة، يوقف فيها العدوان، وإنما واصل عدوانه على الشعب الفلسطيني، اغتيالاً،
واعتقالاً، وهدماً للبيوت، وتجريفاً للحقول، وبناء للجدار الفاصل.
أما الأنظمة العربية والإسلامية، المعنية وغير المعنية، فقد أخذت دور الوسيط،
أو المتفرّج على جرائم العدو، وإذا تحرّكت وجّهت ضغوطها إلى الضحية (وهم
الفلسطينيون)، وليس إلى الجلاد!
وأما الإدارة الأمريكية، فالمساندة المطلقة للكيان الصهيوني، كان ثابتها الوحيد
الذي لا تغيير عليه، فهي الأم الرؤوم لهذا الكيان الغاصب، تمدّه بأسباب القوة،
وتدفع عنه الإدانة. وتسير دول الاتحاد الأوروبي على خطاها، حيث أصبح الاتحاد في
ظل أشخاص كبلير وبرلسكوني وغيرهما تابعاً ذليلاً، لا يملك قراره، ولا استقلاله،
وما تأمر به الإدارة الأمريكية هو القرار الذي يطاع ويلبَّى دون تردّد!
والغريب أن ((إعلان القاهرة)) تحوّل إلى سيف مسلط على الفصائل الموقّعة عليه،
فكلّما ردّ فصيل أو أكثر على العدوان الصهيوني، سارعت السلطة الفلسطينية
بآليتها السياسية والإعلامية، إلى توجيه أصابع الاتهام إلى هذا الفصيل، أو ذاك،
بأنه خرق الإجماع الوطني، وهدّد الوحدة الوطنية، وفتح الباب على مصراعيه للحرب
الأهلية!
في ضوء هذا المشهد المؤسف، فإن المطالبة بتحديد ((التهدئة))، لا تعني سوى
مبادرة فلسطينية مجانية، تكافئ الاحتلال بدل معاقبته، وتشعره بـ((نشوة
الانتصار))، وتشجّعه على المضي في غيّه السادر، وعدوانه الغاشم، لأنه سيفهم
المبادرة الجديدة أنها علامة ضعف، وتراجع، وانتكاس.
أما شعبنا الفلسطيني الصابر، فإن تهدئة جديدة ستحبطه، وتضعف معنوياته، لأن
سابقتها لم توقف العدوان، ولم تنجح في إطلاق سراح الرابضين في سجون الاحتلال من
الأسرى والمعتقلين البواسل، وهو لا يجد الأمل بعد الله سبحانه وتعالى، سوى في
المقاومة الباسلة، التي تثخن العدو بالجراح، وتدافع عن الأرض، وتصون العِرض
والكرامة.
إن ((التهدئة)) في تقديرنا قد استنفدت أغراضها، وإن تجديدها أو تمديدها في
المرحلة المقبلة، لا يحقّق المصلحة العليا للشعب الفلسطيني، وليس معنى ذلك، أن
تبادر الفصائل المقاومة بالضرورة إلى الإشعال الفوري للجبهة العسكرية مع
الاحتلال، ولكن المعنى المباشر لذلك، هو أن فصائل المقاومة، أصبحت في حِلّ من
أمرها، لا يقيّدها إعلان أو التزام، فالالتزام وعد وعهد، والعهود لأصحاب القيم
والمبادئ ملزمة لأصحابها (إن العهد كان مسؤولاً).
لذا، فلتكن المبادرة بيد فصائل المقاومة، تضغط على الزناد، كلّما أتيح لها ذلك،
وتدافع عن شعبها وأرضها، كلّما استباح العدوان الغاشم الحمى، مستهدفاً البشر،
والحجر، والشجر، وهي في ذلك تأخذ الإذن الدائم من المولى سبحانه وتعالى، الذي
قال في محكم التنزيل ((أُذن للذين يقاتلون بأنهم ظُلموا..)).
التحرير