عام على رئاسة محمود عباس (أبو
مازن) للسلطة:
تعطيل منظمة التحرير وإقفال مؤسساتها
لندن/د. إبراهيم حمامي
تقلّد محمود عباس منصب أول رئيس وزراء في السلطة الفلسطينية. وسرعان ما بدأ
تحركاته آنذاك، ففي قمتي شرم الشيخ والعقبة المتعاقبتين في سنة 2003؛ ظهر محمود
عباس على المنصة بدلاً من الرئيس عرفات الذي اعتاد اعتلاءها. كان المشهد، غير
مألوف فلسطينياً وإقليمياً ودولياً، يحمل في طياته الكثير من التداعيات، طالما
أن الرئيس عرفات ذاته كان محاصراً في مقرّه في رام الله، بينما يعرب رئيس
وزرائه بثقة بالغة عن عزمه على مكافحة ((الإرهاب))، في إشارة إلى المقاومة
الفلسطينية.
وفي باكورة الاتصالات الأولى من نوعها آنذاك؛ عقد رئيس الحكومة الصهيونية أرييل
شارون ونظيره من جانب السلطة الفلسطينية محمود عباس قمة لبحث ((خارطة الطريق))
في السابع عشر من أيار/مايو 2003، وتجدّد اللقاء بينهما في مكتب شارون في
التاسع والعشرين من ذلك الشهر.
وأظهرت الإدارة الأمريكية ترحيبها المبالغ فيه بعباس، الذي جاء إلى المنصب
بضغوط أمريكية على السلطة. وقد تحدث الرئيس الأمريكي جورج بوش إليه لأول مرة في
العشرين من أيار/مايو 2003، بينما رفض بوش لقاء عرفات ولو لمرة واحدة.
وسرعان ما أخذ محمود عباس آنذاك بالبروز دولياً وعربياً على حساب الوجه
التاريخي ياسر عرفات. فبينما بقي ((أبو عمار)) محاصراً في مقر المقاطعة في رام
الله، كان يجري استقبال عباس بحفاوة بالغة في شرم الشيخ والعقبة.
مرحلة ما بعد عرفات
رغم معارضة عبّاس القوية لعرفات بشأن الجمع بين منصبي رئيس السلطة ورئيس اللجنة
التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، إلا أنه تناسى تلك المعارضة وأصر على
الجمع بين المنصبين لتحقيق وتطبيق باقي مشروع إنهاء منظمة التحرير الفلسطينية،
وهكذا كان، فقد عُيّن عباس رئيساً للجنة التنفيذية للمنظمة بعد ساعات من إعلان
وفاة عرفات، وأصبح رئسياً للسلطة في التاسع من شهر يناير/كانون الثاني 2005 بعد
انتخابات كان فيها المرشح الأوحد لفتح.
يعرف الجميع أنه بعد ولادة السلطة الفلسطينية و((للمحافظة على المنظمة خشية أن
تفشل التسوية)) أُبقي في الخارج على ستّ مؤسسات هي: الدائرة السياسية، ودائرة
العائدين، وهيئة أركان الجيش الفلسطيني التي يرأسها أبو المعتصم (في تونس)،
ورئاسة المجلس الوطني وسكرتاريته (في عمان)، وفرعان للصندوق القومي في كل من
تونس والأردن، ومكتب التعبئة والتنظيم لحركة ((فتح)) الذي يقوده محمود غنيم
(أبو ماهر)، إضافة للمجلس الوطني الفلسطيني، وكان لا بد من القضاء على هذه
المؤسسات الواحدة تلو الأخرى، وتجاوز صلاحياتها وأعمالها وأيضاً ثوابتها إن دعت
الضرورة، إضافة لباقي مؤسسات المنظمة، لإنهاء دورها تماماً وإحلال السلطة
الفلسطينية مكانها.
الصندوق القومي الفلسطيني
أحال أبو مازن إدارة الصندوق إلى مدير مكتب عرفات رمزي خوري الذي انتدب للإشراف
على الصندوق من عمّان رغم اتهامه بالاسم بقضايا فساد مالي، وقد أصدر خوري
قراراً بإغلاق مكتب الصندوق في تونس بناءاً على أوامر مباشرة من عبّاس، وهو ما
أكده مدير مكتب عباس رفيق الحسيني في لقاء مع صحيفة ((الحياة الجديدة)) بتاريخ
2/11/2005، حيث قال ((إن القرار بإغلاق الفرع مردّه عدم الحاجة لوجوده هناك بعد
انتقال كافة القيادات والمسؤولين من تونس إلى الأراضي الفلسطينية وبالتالي لم
يعد هناك وجود للثورة الفلسطينية يبرر استمرار عمل فرع الصندوق)).
الدائرة السياسية
لا يخفى على أحد الصراع الدائر بين تيار عبّاس والقدومي حول الصلاحيات، فيما
يختص بمكاتب و((سفارات)) و((ممثليات)) فلسطين في الخارج، وهو الصراع الذي أخذ
شكلاً جديداً بتحييد القدومي وبالتالي الدائرة السياسية لصالح ناصر القدوة وزير
خارجية السلطة، رغم أن اتفاقات أوسلو نفسها تنص على أنه ليس من صلاحيات السلطة
ممارسة العمل الدبلوماسي، وذلك في إطار تفريغ منظمة التحرير الفلسطينية وإنهاء
دورها، وهو ما عبّر عنه السفير في منظمة التحرير جمعة ناجي في مقابلة مع صحيفة
الحياة بقوله: ((إن الدائرة باتت اليوم هيكلاً فارغاً بلا دورة دموية))، وكان
القدومي نفسه انتقد في تصريحات أدلى بها أخيراً لنفس الصحيفة التدخلات التي قال
((إن السلطة تقوم بها من دون وجه حق، والتي زادت من إضعاف منظمة التحرير، بعدما
غيبتها في الداخل، خصوصاً إثر تشكيل مؤسسات شبيهة بها في الأراضي الفلسطينية)).
دائرة اللاجئين
تراجع دورها في الفترة الأخيرة، بسبب وجود رئيسها زكريا الآغا (وهو عضو في
قيادة فتح أيضاً) في رام الله على الرغم من أن مقرها الرسمي في تونس. ويعتبر
أبو مازن عودة اللاجئين صعبة التحقيق. ففي لقاء مع صحيفة ((المصور)) المصرية
بتاريخ 3/12/2004 قال عبّاس: ((إنني لا أريد أن أغيّر ديمغرافياً الدولة
الإسرائيلية ولكننا نطلب التوصل إلى ((حل)) لمشكلة اللاجئين)).
وخلال شهر يناير/كانون الثاني 2005 أعلن عبّاس أنه على استعداد لتقديم
((تنازلات مؤلمة)) بالنسبة لموضوع اللاجئين! ليضيف في حديث مع البي بي سي
البريطانية بتاريخ 2/01/2005 أن الحل العادل لمشكلة اللاجئين هو بالتفاوض حول
القرار 194.
وفي حديث نشرته صحيفة ((دير شبيغل)) الألمانية في 21/2/2005 قال عبّاس فيما
قال: ((إنه مستعد للتفاوض بشأن المكان الذي سيعود إليه اللاجئون))، مضيفاً أن
((هناك 5 ملايين لاجئ نعرف أنهم لن يعودوا جميعاً))، مشيراً إلى أن ((كثيرين
منهم لا يريدون العودة لأنهم يعيشون حياة كريمة في الولايات المتحدة أو سعداء
في الأردن ولكن يجب تعويضهم)).
المجلس الوطني الفلسطيني
يقول عبد الله الحوراني عضو المجلس الوطني في مقال تحت عنوان: ((منظمة التحرير
الفلسطينية.. أين صارت وكيف تعود))، المجلس الوطني الفلسطيني أصبح عدده يتجاوز
الـ750 عضواً لكثرة ما أضيف إليه من أشخاص دون أي اعتبار لموضوع الكفاءَة أو
الاختصاص، فبات أقرب إلى صيغة المهرجانات الجماهيرية الخطابية. ولم يعقد أي
اجتماع له من نيسان/أبريل 1996، مع أن النظام الأساسي ينص على ضرورة انعقاده
سنوياً، كما ينص على ضرورة تجديد العضوية (إعادة النظر في الأعضاء) كل ثلاث
سنوات. والمجلس المركزي أيضاً، الذي ينص النظام على تجديده مع تجديد المجلس
الوطني مضت عليه المدة نفسها دون تغيير، كما أنه لم يجتمع خلال السنوات التسع
الماضية أكثر من أربع أو خمس مرات، مع أن نظامه ينص على ضرورة انعقاده كل ثلاثة
أشهر، هذا فضلاً عن أن كثيراً من قراراته، إن لم نقل كلها، لم ينفذ، خاصة تلك
التي تتعلق بإصلاح واقع المنظمة وتأكيد مرجعيتها، وتعزيز الوحدة الوطنية.
لم توفر السلطة الفلسطينية جهداً أو طريقة لتعطيل انعقاد المجلس الوطني
الفلسطيني إلا وسلكتها، وتحت مسميات ومبررات عديدة، ورغم عقد ورش عمل ولقاءات
وندوات إلا أن المجلس لم ينعقد.
اللجنة التنفيذية
سيطر عبّاس على رئاسة اللجنة بعد ساعات من وفاة عرفات، وأصر على عقدها كلما كان
ذلك لمصلحته.
يضيف عبد الله الحوراني في مقاله السابق: حال اللجنة التنفيذية للمنظمة، وهي
أعلى هيئة قيادية سياسية للشعب الفلسطيني، هي انعكاس لحال المجلسين، الوطني
والمركزي. فهي لم يجر تجديد انتخابها منذ تسع سنوات، رغم ما جرى لها وعليها من
أحداث. فمن بين أعضائها الثمانية عشر، هناك أربعة استشهدوا، وأحد الأخوة
الأعضاء معتقل في سجون الاحتلال، وبعض الأعضاء ترك أو جمّد عضويته، وبعضهم غير
متفرغ لعمله في اللجنة التنفيذية حيث يمارس مهمات وظيفية خارجها، رغم ما في ذلك
من مخالفة صريحة للنظام الأساسي للمنظمة. وآخرون لا يتولون أية مهمات، ولا
يقومون بأية أعمال غير حضور اجتماعات اللجنة التنفيذية. وبدلاً من معالجة هذا
الوضع، وفق ما ينص عليه النظام الأساسي، بما يعيد لها دورها وأهليتها ومكانتها
القيادية، وشمولية تمثيلها لكل التيارات السياسية، بما يضفي مصداقية أكبر على
وحدة ووحدانية تمثيلها للشعب الفلسطيني... جرى تعويمها أكثر، بفتح أبواب
اجتماعاتها لكل من رغب، أو تواجد في مبنى الاجتماع من ممثلي فصائل، أو وزراء في
السلطة، أو أعضاء في المجلس التشريعي أو حتى بعض موظفي المقر. لدرجة أن
اجتماعاتها باتت أقل انضباطاً ونظاماً من اجتماع أي مكتب سياسي أو أي هيئة
قيادية لأي فصيل من فصائلها. وهكذا تهلهل وضعها أكثر، ولم تعد بياناتها أو
قراراتها تحمل معنى أو موقفاً محدداً، أو تحظى باهتمام واحترام الرأي العام.
ومن الناحية القانونية فإن اللجنة التنفيذية تعتبر بحكم المنتهية واللاغية
لفقدان النصاب القانوني بغياب ثلث أعضائها (اللجنة مكونة من 18 عضواً) كالتالي:
ياسر عرفات – متوفي، فاروق القدومي تعذر الحضور/ممتنع، فيصل الحسيني – متوفي،
ياسر عمرو – متوفي، سليمان النجاب – متوفي، أسعد عبد الرحمن – مستقيل، عبد
الرحيم ملوح – أسير.
وتنص المادة 14 (معدلة) من النظام الأساسي على ما يلي:
إذا شغرت العضوية في اللجنة التنفيذية بين فترات انعقاد المجلس الوطني لأي سبب
من الأسباب، تملأ الحالات الشاغرة كما يلي:
أ. إذا كانت الحالات الشاغرة تقل عن الثلث، يؤجل ملؤها إلى أول انعقاد للمجلس
الوطني.
ب. إذا كانت الحالات الشاغرة تساوي ثلث أعضاء اللجنة التنفيذية أو أكثر، يتم
ملؤها من قبل المجلس الوطني، في جلسة خاصة يدعى لها خلال مدة لا تتجاوز ثلاثين
يوماً.
ج. في حالة القوة القاهرة التي يتعذر معها دعوة المجلس الوطني إلى اجتماع غير
عادي، يتم ملء الشواغر، لأي من الحالتين السابقتين من قبل اللجنة التنفيذية،
ومكتب المجلس، ومن يستطيع الحضور من أعضاء المجلس، وذلك في اجتماع مشترك يتم
لهذا الغرض، ويكون اختيار الأعضاء الجدد بأغلبية أصوات الحاضرين.
وفي الحالة الراهنة التي تعيشها اللجنة التنفيذية فإن أكثر من ثلث أعضائها،
البالغ عددهم ثمانية عشر عضواً ، يعتبر شاغراً - بالوفاة، أو الاعتقال، أو
تجميد العضوية، أو التغيب-. وهذا يقتضي، كما ينص النظام، ضرورة الدعوة الفورية
للمجلس الوطني لاجتماع غير عادي لملء هذه الشواغر.
وإذا ما قيل بتعذر انعقاد المجلس نظراً لظروف الاحتلال القاهرة، ونظراً لكثرة
عدد أعضاء المجلس (أكثر من 750)، ووجود أعداد غير قليلة منهم خارج الوطن ولا
يسمح لهم بالدخول، ونظراً لانقطاع دورات المجلس عن الانعقاد لمدة تجاوزت التسع
سنوات (مع أن النظام ينص على انعقاده سنوياً، ويتم تجديد المجلس أو تأكيد
العضوية أو إعادة النظر فيها كل ثلاث سنوات)، ونظراً لتراكم العديد من القضايا
التي تتطلب البحث، بما في ذلك الأنظمة والقوانين، وطريقة تركيب المجلس،
واستيعاب القوى السياسية الموجودة خارج المنظمة.... فإنه قد يكون من الصعب عقد
المجلس في وقت قريب، أو عقد دورة استثنائية لملء شواغر اللجنة التنفيذية فقط،
وتأجيل بقية القضايا.
الإصلاح
لو راجعنا خطاب أبو مازن الانتخابي لوجدنا فيه التالي:
((تعزيز الوحدة الوطنية وتفعيل مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية: إن تمتين
أواصر الوحدة الوطنية لشعبنا وقواه وفصائله وتياراته هو الضمانة الأكيدة
لمواجهة التحديات، لذلك سنستمر بعزم وتصميم بالعمل على التواصل إلى قواسم
مشتركة لبرنامج عمل وطني يجند كل الطاقات خدمة لأهداف نضالنا.
ويرتبط بهذه المهمة تطوير الدور القائد لمنظمة التحرير الفلسطينية الممثل
الشرعي والوحيد لشعبنا في جميع أماكن تواجده، في العملية السياسية وفي رعاية
مصالح وحقوق أبناء شعبنا اللاجئين في المنافي والشتات. وسنعمل بلا كلل من أجل
مشاركة جميع القوى والفصائل والتيارات في صياغة قرارنا الوطني، ضمن أطر منظمة
التحرير والسلطة الوطنية.
وسنقوم بتفعيل مؤسسات ودوائر المنظمة، وتطوير عمل البعثات الدبلوماسية
الفلسطينية وهيئات الجاليات الفلسطينية في دول العالم)).
الكلام كثير وجميل ولكن أين التطبيق.
لمتابعة موضوع الانتخابات اضغط
هنا