المهندس يحيى عياش:
جدّد المقاومة وأعاق التسوية
ظهر المهندس يحيى عياش في مرحلة فلسطينية حرجة. كانت
الانتفاضة الفلسطينية انطلقت في 8/12/1987 بعد مخاض سياسي حافل أعقب الاجتياح
الصهيوني للبنان عام 1982 وخروج منظمة التحرير الفلسطينية وبيان قمّة فاس
ونتائج قمة عمان عام 1987، وهو ما مثّل إعطاء دفعة لمسيرة التسوية السلمية في
ظل قبول فلسطيني – أردني – مصري، وتأييد دولي تمثّل في المبادرات الأمريكية
المتلاحقة.
انطلاق الانتفاضة الفلسطينية عام 1987 وكل منجزاتها السياسية والأمنية وكل
الضجيج الذي أحدثته بعد ممارسات الاحتلال من إبعاد واستخدام سياسة تكسير
العظام، لم تكن حائلاً دون تنشيط الاتصالات واللقاءات والحوارات التي أثمرت
انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر، الذي أطلق مبادرة ما يسمى
بـ((السلام الفلسطيني)) وحرّك الاتصالات الأمريكية – الفلسطينية المعلنة لأول
مرة في تونس، ودفع الأردنيين عام 1988 لفكّ ارتباطهم بالضفة الغربية، وأعلن
ياسر عرفات إثرها تنكّره للمقاومة.
تزامنت هذه الخطوات مع حرب الخليج الثانية بعد الاجتياح العراقي الخاطئ للكويت،
ودخول واشنطن بقوة إلى المنطقة كـ((محرّر))، دفع إلى عقد مؤتمر مدريد الذي فتح
الباب أمام اتفاق فلسطيني – إسرائيلي، ظهر واضحاً من بداية الحوارات المعلنة
والسرية أنها لصالح الاحتلال بالكامل وأن العدو الصهيوني تمسّك بكل مطالبه
مدعوماً من إرادة دولية قوية وفريق تفاوضي خبير وكفؤ، ما دفع الفلسطينيين
–الطرف الضعيف- إلى التنازل. في هذه الفترة ظهر يحيى عياش، وكأن القدر اختاره
للرد على تلك الفترة ولإعاقتها وفضحها.
يحيى عياش جاء إلى العمل العسكري هاوياً ومحباً، كان متفوقاً في مدرسته ومبدعاً
في تحصيله العلمي، انضم إلى العمل العسكري في حماس، لكن تفوّقه ومثابرته
وإمكانياته الفنية دفعوه ليحتلّ مكانة متقدمة في تطوير العمل العسكري وافتتاح
مرحلة جديدة من المقاومة.
اشتغل عياش على تطوير الجانب التقني في العمليات، فدرس وسائل استخدامها،
ونتائجها، وبحث في الإمكانيات المتوفرة، وسعى لتجميع بعض المستلزمات، فكان أن
أرسى بداية عهد عسكري جديد مؤثر، يقوم على تطوير وسائل التفجير وتفعيل النتائج
وإلحاق أكبر خسائر ممكنة بالعدو، وضرب أهداف موجعة.
ظهور عياش جاء في مرحلة بناء التسوية وصياغة مشروع أوسلو الذي اعترف بالكيان
الصهيوني وفتح علاقات مباشرة معه، وشرّع التنسيق الأمني، وحمى ظاهرة العملاء
وربط الاقتصاد الفلسطيني بالصهيوني، وأقام مؤسسات الحكم الإداري الذاتي، وبنى
نظاماً أمنياً سمح لأول مرة لفلسطينيين بملاحقة أبناء المقاومة، وشرّع السجون
للمجاهدين، وهدّد رموز العمل السياسي الوطني، وقسّم الشعب الفلسطيني إلى أقسام،
والأراضي إلى مراتب، وحاول إزاحة رموز العمل الوطني من أصحاب التاريخ النضالي
الطويل ليحلّ مكانهم ضباط الأمن والمخابرات المرتبطين بالاحتلال.
اتفاق أوسلو جاء ليبني كياناً فلسطينياً بديلاً لكيان الاحتلال يقوم بوظيفته
بالكامل، ويؤدي نفس الدور.
هذه المرحلة اتسمت بالتالي: العمل لبناء نظام فلسطيني جديد مرتبط بالاحتلال
وينفّذ سياساته ويدافع عنه ويشرّع بقاءه، تجاهل الحقوق والمطالب الفلسطينية مثل
القدس والعودة وإزالة المستوطنات وإطلاق سراح الأسرى والمعتقلين، دخول السلطة
الفلسطينية إلى الأراضي (أ) وبناء مؤسسات وأجهزة السلطة كما حددها اتفاق أوسلو،
ارتفاع حدة الإرهاب الصهيوني عبر تصعيد عمليات القتل والانتهاكات ومنها مجزرة
الحرم الإبراهيمي في الخليل.
ويجيء تطور أسلوب عياش كاستمرار لتطور وسائل القتال التي اعتمدتها المقاومة من
الحجر إلى السكين إلى المولوتوف إلى إطلاق الرصاص، وكان قد سبقها تطور مهم
تمثّل في خطف المقاومين جنوداً صهاينة لمبادلتهم بأسرى، وإن جرى تصفيتهم لأسباب
مختلفة.
من مميزات أداء يحيى عياش أنه اتخذ طابعين مهمين؛ عسكري وأمني. في البعد
العسكري نفّذ عياش عمليات عسكرية مهمة استهدفت جنوداً صهاينة ومستوطنات ودوريات
للاحتلال على طرقات الضفة الغربية، ولاحقاً أعقبها عمليات تفجيرية استشهادية،
وأثمرت هذه العمليات عن سقوط خسائر بشرية صهيونية كبيرة.
أما في البعد الأمني فقد استطاع عياش بناء منظومة أمنية مذهلة، مكّنته من
استقطاب أعضاء جدد إلى خلاياه، ومن توسيع دائرة وحداته إلى أكثر من مدينة
فلسطينية ولاحقاً إلى قطاع غزة، ومن إرساء آلية للتواصل فيما بينها، ومن توفير
تنقّلها عبر طرق ومواصلات، مع ما يستلزم ذلك من خدمات لوجستية. واعترف الصهاينة
أكثر من مرة أن العمليات النوعية التي ينفّذها عياش، تحتاج إلى عقول تخطط
وأدوات تنفّذ، وتسهيلات في التنقل والحركة. واستطاع الصهاينة أكثر من مرة
الوصول إلى أدلة تُظهر استخدام عياش ثياب جنود صهاينة أو لباس حاخامات أو
بطاقات عبرية أو زيّ مستوطنين أو سيارات مموهة.
وعبر العمليات النوعية التي نفّذها عياش ضد الصهاينة استطاع تحقيق ما يلي:
-أخاف المجتمع الإسرائيلي ودفع الصهاينة للشعور بالقلق والرعب.
-أرهق المجتمع الصهيوني بسبب كثرة الخسائر التي تكبّدها، والتهديدات التي
لاحقته.
-أظهر إمكانية خرق المستوى الأمني وضرب وسائل الحماية الأمنية للمجتمع
الإسرائيلي واستهداف عمق هذا المجتمع.
-أثبتت تفوّق المقاومين على الجيش الصهيوني وأجهزته الأمنية في أكثر من مواجهة.
-بعد كل عملية صهيونية كانت ترتفع الدعوات الإسرائيلية للرحيل وأخرى تعترف
بالفشل وبضعها يحذّر من الخطر القادم ويشير إلى مستقبل الاحتلال المهدد في هذه
المنطقة.
ولا يخفى أن الإسرائيليين عملوا كثيراً من أجل كشف هذه المجموعة التي تنفّذ كل
هذه العمليات، فوقعوا في مأزق وبدأوا كعادتهم عند كل فشل يحملون سوريا وإيران
المسؤولية، ولم تمنعهم اتفاقات السلام الموقعة حديثاً مع السلطة الفلسطينية من
تحميلها المسؤولية ما مهّد لإشكاليات فلسطينية كثيرة، تمثّلت في حملات اعتقال
ومداهمة نفّذتها أجهزة الأمن بقيادة الرجوب ودحلان، وهو ما أوصل هذه الأجهزة
بقيادة موسى عرفات إلى الوصول إلى الحلقة القريبة من عياش، وهو أحد زملائه
الذين كان يدرس معهم، ما أدى إلى تفجير هاتفه النقال.
استطاع عياش خلال عمله القصير، لكن المهم والحساس، من تحقيق النتائج التالية:
-ضرب التسوية ومنع مشروعها من التوسّع، ومحاصرة امتدادها.
-كشف الأضاليل التي دسّت في مشروع أوسلو وملحقاته.
-إثبات مشروعية المقاومة وتأكيد استمرارها رغم كل ما تتعرض له من محاولات
استئصال.
-تحذير كل أطراف التسوية من مسلسل التنازلات التي ظهرت في القدس واللاجئين
والسيادة.
-إشعار المجتمع الدولي بصعوبة تمرير التسوية وأي اتفاق آخر لا يلبّي طموح
الفلسطينيين.
-توجيه رسالة سياسية مفادها أن معارضي التسوية أقوياء ولديهم صلابة ومشروعية،
وأنه لا يمكن تخطّيهم أو خداعهم.
-ربط عياش بين الضفة وغزة في عملياته في وقت كان هناك من يسعى إلى فصلهما.
أما على الصعيد الشعبي فإن عمليات عياش أكدت الدعم الشعبي للمقاومة ولمشروع
العمل العسكري، وأظهرت قوة المقاومة شعبياً بين فئات المجتمع، وسمحت
للفلسطينيين بالدفاع عن المقاومة، ونقلت المقاومة أو عمّمتها إلى مختلف شرائج
المجتمع وهو ما ظهر لاحقاً في انتفاضة الأقصى.
رحل المهندس عياش، لكنه لا يزال بين شعبه ولا يزال نهجه طاغياً في كل محاور
العمل العسكري، لأن المهندس نقل تجربته إلى الآخرين. واليوم لم تعد مشكلة
الاحتلال مع عياش فقط مع مئات النماذج أمثال المهندس.
رابين: أخشى أن يكون جالساً بيننا
قال المسؤولون الصهاينة الكثير عن المهندس يحيى عياش، وأقوالهم تعكس القلق الذي
كانوا يعيشونه، فأكثر من 80% من سكان الكيان الصهيوني صاروا يخافون استخدام
المواصلات العامة من جراء العمليات الاستشهادية في عهده، واشتكى أكثر من عشرين
ألف صهيوني من أمراض نفسية نتجت عن تلك العمليات، وهذه بعض أقوال الصهاينة في
المهندس:
إسحق رابين رئيس الوزراء الأسبق، والذي أطلق لقب المهندس على عياش، قال: ((لا
شك أن (المهندس) يمتلك قدرات خارقة لا يملكها غيره، وإن استمرار وجوده طليقاً
يمثل خطراً داهماً على أمن (إسرائيل) واستقرارها)). وبلغ الهوس الصهيوني ذروته
حين قال رابين ((أخشى أن يكون جالساً بيننا في الكنيست)).
أما موشيه شاحل، وزير الأمن الداخلي الأسبق، فقال ((لا أستطيع أن أصف المهندس
يحيى عياش إلا بالمعجزة، فدولة (إسرائيل) بكافة أجهزتها لا تستطيع أن تضع حلاً
لتهديداته)).
الجنرال أمنون شاحاك، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي الأسبق، حذّر من المهندس
وقال ((إن (إسرائيل) ستواجه تهديداً استراتيجياً على وجودها إذا استمر ظهور
أناس على شاكلة المهندس)).
بينما أقرّ يعكوف بيرس، رئيس المخابرات الإسرائيلية الأسبق بأن ((عدم القبض على
المهندس يمثل أكبر فشل ميداني يواجه المخابرات منذ إنشاء دولة (إسرائيل)...)).
فيما قال (جدعون عزرا)، نائب رئيس المخابرات الأسبق ((إن احتراف المهندس وقدرته
تجلت في خبرته وقدرته على إعداد عبوات ناسفة من لا شيء)).
اعتبر المحلل السياسي الصهيوني إيهود يعاري ((أن لكل مرحلة من مراحل النضال
الفلسطيني رموزها وأنه مثلما شكل عماد عقل رمز العمل العسكري في حركة حماس، فإن
يحيى عياش يمثل رمز العمل العسكري الاستشهادي)).
أما المحلل السياسي والصحفي الصهيوني شمعون رومح فعبّر عن إعجابه بالمهندس
بالقول ((إنه لمن دواعي الأسف أن أجد نفسي مضطراً للاعتراف بإعجابي وتقديري
بهذا الرجل الذي يبرهن على قدرات وخبرات فائقة في تنفيذ المهام الموكلة إليه،
وعلى روح مبادرة عالية، وقدرة على البقاء، وتجديد النشاط دون انقطاع)).
الباحث الصهيوني الدكتور إبراهام سيلع من الجامعة العبرية شدّد على ((أن
المشكلة في البيئة العقائدية الأصولية التي يتنفس (المهندس) من رئتها هي التي
تبدع وتفرز ظاهرة المهندس، وظاهرة الرجال المستعدين للموت في سبيل عقيدتهم)).