المعتقلون يعيشون ظروفاً مأساوية
في سجن ((عوفر)):
إهمال طبي وسوء في التغذية واكتظاظ
نزار رمضان/معتقل
((عوفر))
في السهل الكبير الممتد ما بين تلال وجبال رام الله، باتجاه المنطقة الشرقية
الجنوبية من المدينة، يقع معسكر ((عوفر)) الذي يعتبر قاعدة عسكرية هامة في
منطقة الوسط، حيث يحتضن مئات الآليات العسكرية الصهيونية، الثقيلة والمتوسطة،
ويوجد بداخله ساحة كبيرة لتدريب الجنود إضافة إلى مواقع ومراكز عسكرية هامة، إذ
تبلغ مساحة هذا المعسكر نحو 470 دونماً، تمّت مصادرتها من أراضي بلدتي بيتونيا
ورفات، قضاء رام الله وأراضي بلدة بير نبالا التابعة لمحافظة القدس.
معسكر عوفر هو أحد المعسكرت التي أقامتها بريطانيا إبان الانتداب البريطاني على
فلسطين، حيث أطلق عليه هذا الاسم نسبة للقائد البريطاني ((عوفر)) الذي استولى
على هذه الأراضي في بداية الثلاثينيات واستغلّها لمعسكرات التدريب للقوات
البريطانية التي كانت تلاحق الثوار الفلسطينيين.
على الطرف الجنوبي الغربي تم بناء معتقل من الخيام في بداية الانتفاضة الأولى
عام 1987، أطلق عليه معتقل ((بيتونيا)) وكان مكوناً من أربعة أقسام ويتسع
لقرابة نحو 250 معتقلاً. ومع بداية انتفاضة الأقصى، تم توسيع هذا المعتقل ليضم
ستة أقسام أخرى، فأصبح يتسع لنحو 850 معتقلاً. لكن هذا المعتقل الذي يخضع في
إدارته لقيادة الجيش وليس لمصلحة السجون ووزارة الأمن الداخلي الصهيوني لا
يتمتع بمواصفات السجون والمعتقلات المتعارف عليها من الناحية الحقوقية، وإنما
هو عبارة عن مجموعة من الخيام وبركسات صغيرة للنواحي الصحية، وهذه الخيام محاطه
بالأسلاك الشائكة والعوازل الإسمنتية العالية، ولا اهتمام في الجانب الصحي ولا
الغذائي.
يتوسط هذا المعسكر، بالإضافة إلى المعتقل، محكمة عسكرية ودائرة للتحقيق تابعة
لجهاز المخابرات الإسرائيلية العامة ((الشاباك))، حيث يشكل المكان حالة من
الإرهاب النفسي للمعتقلين الفلسطينيين الذي يقضون السنوات الطوال بين أسلاكه
الشائكة.
كاتب هذا التقرير عاش داخل هذا المعتقل إبان اجتياح الضفة الغربية عام 2002،
ولمدة خمسة عشر شهراً، وأعيد اعتقاله مرة أخرى في نفس المعتقل في الحملة
الأخيرة لنشطاء حماس في 25/9/2005، يضم المعتقل الآن بين جنباته وخيامه نحو 844
أسيراً فلسطينياً من غالبية الفصائل الفلسطينية، حيث تبلغ نسبة معتقلي حماس في
هذا المعتقل 38% فيما تبلغ نسبة معتقلي حركة فتح 36%، أما أنصار حركة الجهاد
الإسلامي فيشكلون نحو 14% من المعتقلين، فيما تبلغ نسبة عناصر اليسار الفلسطيني
5% والمستقلين 7% من تعداد المعتقلين.
نقص الطعام
يشكو غالبية الأسرى داخل هذه المعتقل من تقصير متعمد من قبل إدارة المعتقل في
تقديم الطعام والشراب، حيث لا تقدّم هذه الإدارة إلا النذر اليسير من الأطعمة
والأنواع السيئة التي لا يتناولها الجيش، فيما تخلو أنواع هذه الأطعمة من
المواد البروتينينة مثل اللحم والدجاج والسمك وغير ذلك، ويخيم على أنواع الطعام
المواد النشوية غير الصالحة. وقد خاض الأسرى عدة مواجهات مع إدارة المعتقل
لتحسين أوضاعهم المعيشية وتعرضوا للقمع والاعتداء والرش بالغاز أكثر من مرة،
فما كان من إدارة المعتقل إلا أن سمحت فقط للمعتقلين بإدخال سيارات محملة
بالطعام والغذاء على حسابهم الخاص، وليس على حساب إدارة المعتقل، وأكدت مصادر
المعتقلين داخل المعتقل أنهم يقومون شهرياً، بإدخال نحو 50 طناً من الأغذية على
حسابهم الخاص وبدعم نادي الأسير الفلسطيني والفصائل الفلسطينية، وفي حالة توتر
الأوضاع ما بين المعتقلين والإدارة تقوم الأخيرة بحرمانهم من إدخال هذه الأطعمة
ومنع دخول الشاحنات لعدة أشهر.
بدون رعاية صحية
أقامت إدارة المعتقل في بداية نشأته خيمة أطلق عليها ((العيادة الصحية)) وهي
أشبه بمستوصف من القرون الوسطى، حيث لا أدوات صحية ولا دواء، ويعمل في هذه
العيادة عدد من الجنود الذين يخدمون في الجيش، حيث لا علاقة لهم بمهنة الطب،
وتم تطوير العيادة لتصبح ((كرفاناً)) حديدياً، لكن الواقع الطبي بقي متردياً،
ولم يتغير، والمسكنات هي العلاج الأعم والأشمل. وقال أحد قيادات المعتقل إن عدد
الأسرى المرضى يزيد عن 370، حيث يوجد من بينهم 24 مريضاً بحاجة إلى عمليات
جراحية، فيما يعاني 149 أسيراً من أمراض مزمنة تحتاج إلى علاج متواصل، بينما
يعاني البقية أمراضاً كثيرة متجددة جرّاء سوء التغذية والوضع الصحي.
إرباك
يشعر الأسير الفلسطيني داخل معتقل ((عوفر))، بحالة من الاضطراب وعدم الاستقرار
بسبب عمليات التنقل المفاجئة والمتكررة، إضافة إلى الاستمرار في سحب المعتقلين
للتحقيق والاستجواب، وكذلك تحويل الكثير منهم إلى الاعتقال الإداري، وبعد ذلك
بأشهر يعود إلى التحقيق من جديد؟! ويبدو لدى المعتقلين أن إدارة المعتقل
والشاباك تقصد من هذا النهج وضع الأسير الفلسطيني في حالة من الارتباك الدائم،
حتى لا يستقر ويتفرغ للمطالعة أو العمل السياسي أو التنظيمي بين المعتقلين.
اكتظاظ
اشترطت إدارة المعتقل أن يعيش كل 22 أسيراً في خيمة واحدة، مع أن الخيمة لا
تتسع إلا لعشرة فقط. وطالب ممثلو المعتقلين إدارة المعتقل بإضافة خيام جديدة
إلا أنها رفضت وأصرت على حالة الاكتظاظ. وفي الكثير من الأحيان في ظل حملات
الاعتقال الشاملة كان المعتقلون ينامون في العراء في الساحة الخارجية للمعتقل،
الأمر الذي خلق حالة من الاحتقان أدت إلى رفض المعتقلين التجاوب مع إدارة
المعتقل، ورفض أوامرها.. وتصاعدت حالة التوتر إلى أن انفجر الوضع العام في
الخامس من شهر كانون الأول/ديسمبر الماضي، عندما أقدمت إدارة المعتقل المرفقة
بمئات الجنود والقوات الخاصة باقتحام قسم ((2)) في المعتقل من أجل سحب وإخراج
نائب الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، الأسير عبد الرحيم ملوح من
داخل القسم بالقوة، حيث انهالوا عليه ضرباً وركلاً، في حين تعالت أصوات مئات
الأسرى والمعتقلين بالتكبير والمواجهة من خلال إلقاء حاجياتهم وأدواتهم
المنزلية في وجوه السجانين، وقد أصيب جرّاء هذا الهجوم نحو 47 أسيراً بجراح كما
أصيب نحو 131 أسيراً بالاختناق جراء إلقاء الجيش لمئات القنابل الغازية المسيلة
للدموع، واستمرت المواجهات بين الجيش والمعتقلين نحو ساعتين ونصف من الساعة
الثالثة فجراً وحتى الخامسة والنصف، وعقب هذه المواجهات قامت إدارة المعتقل
بنقل العشرات من المعتقلين إلى السجون ومعتقلات أخرى، كما فرضت أوامرها بعدم
السماح للمعتقلين بإدخال سيارات الخضار والفواكه واللحوم لمدة شهرين كعقاب
للأسرى، إضافة إلى منع الكثير من المعتقلين من استقبال أهلهم وذويهم خلال
الزيارات.
من جانبهم أصدر المعتقلون عدة بيانات مناشدة وجهت للرأي العام ومؤسسات حقوق
الإنسان ومؤسسات الأسرى والمجتمع الدولي والصليب الأحمر، تناشدهم من خلالها
العمل على التدخل الفوري والسريع إقليمياً ودولياً. وقد أكد المعتقلون خلال
بياناتهم أنهم يفتقدون لأبسط مستحقات الإنسان التي يكفلها القانون الدولي
الإنساني، وطالبوا أيضاً هيئة الأمم ومجلس الأمن بإرسال لجان تحقيق للبحث في
واقع المعتقلين. وطالبوا بفرض عقوبات دولية على الكيان الصهيوني.