شارون بين الموت العضوي والميراث
السياسي:
هل هناك ملامح سياسية جديدة؟!
فلسطين/إبراهيم أبو الهيجاء
لقد تحدى شارون منافسيه وانتصر سياسياً وحزبياً، ونجا من الفشل بأعجوبة في
الكثير من محطات حياته، ولكن من دون شك فإن شارون لن ينجو من غياب عضوي وطبيعي
فرضته معطيات الزمن وسنة الحياة، وهذه المقالة لا تبدأ من غياب شارون أو عدمه،
لأننا نفترض أن موته عضوياً لا يعني بالضرورة غيابه سياسياً، والقضية ليست
فلسفية بقدر ما هي مهمة في رصد الواقع السياسي الفلسطيني الذي يعنينا بالدرجة
الأولى، واعترافنا المبدئي بقدرة وقوة شارون على البقاء يعني بالمقابل القول أن
هذا الرجل بنى كل هذا النجاح على تعاسة ودمار ودماء العرب والفلسطينيين..
من المهم القول أيضاً أن شارون لم يمثّل حكماً لشخص انتخب وولّى، بل مثّل بشكل
جليّ مدرسة إسرائيلية جديدة ينبغي التنبه إليها ورصدها، وجدنا فيها شارون
وبيريز يعملان معاً، وهذه المدرسة أتت بعد فشل مدرسة اليمين في التعامل العدمي
مع الحقوق الفلسطينية والوقائع الدولية واضطرتهم بعض الليونة كما في اتفاق
الخروج من الخليل إلى تسارع سقوط نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي الليكودي في
حينه، وكذلك فشلت مدرسة اليسار في التعامل المثالي مع الحقوق الفلسطينية
وبالتالي اصطدامها مع منطقها، وأدى ذلك إلى تسارع سقوط باراك، رئيس الوزراء
الإسرائيلي اليساري في حينه، ولاسيما بعد مفاوضات كامب ديفيد ولاحقاً طابا،
واللتين حاولتا اختبار القدرة الإسرائيلية والفلسطينية على التنازل في القضايا
الاستراتيجية.
مدرسة شارون
إذاً صمود شارون على مدى دورتين رغم كل محاولات إسقاطه حزبياً وانتخابياً فشلت
ليس لأن شارون فريدُ زمانه ولا لكونه آخر الجنرالات المؤسسين للدولة الصهيونية،
بل لأنه ملتقى اليمين واليسار وخلاص الجميع، والحل الوسط، وساعد ميراثه الدموي
والسياسي السابق على التحشيد والتمرير، ولعب اليسار الصهيوني دور ((الكمبارس))
لدى شارون لأنه استطاع تحقيق ما قاله ولم يكن لديه الجرأة لفعله، بالعموم
نستطيع هنا الوقوف عند معالم مدرسة شارون والتي تمثلت بالأفكار التالية:
أولاً: ليس هناك حلول نهائية ممكنة مع الفلسطينيين، وبالتالي فشارون منتمٍ بقوة
إلى المدرسة المرحلية التي تطيل ما استطاعت أمد العلاقة مع الفلسطينيين بالفتات
تارة وبالقوة تارة أخرى.
ثانياً: الإيمان بالقوة الذاتية وعدم الركون لشريك فلسطيني أو عربي وبالتالي
فرض الوقائع على الأرض وتمثل ذلك ببناء الجدار والانفصال عن قطاع غزة ولاحقاً
اغتيال الرئيس عرفات المعيق أمام هذه الاستراتيجية.
ثالثاً: تصحيح قواعد اللعبة من ((أوسلو)) على هشاشتها التي يكون فيها
الفلسطينيون شركاء هامشيين وشكليين، إلى قواعد جديدة تفرضها (إسرائيل) بالتفاهم
مع الولايات المتحدة الأمريكية، أي أن (إسرائيل) تفاوض ذاتها أو تتفاهم مع
شركائها حول قضايا غيرها وكانت مظاهر كل ذلك في إنهاء معالم قوة السلطة
وهيبتها، تكريس تفاهمات جوهرية ما بين بوش وشارون حول القضايا المصيرية بحيث لا
تعود (إسرائيل) لخطوط الرابع من حزيران/يونيو ولا يعود اللاجئون أو تعود القدس.
رابعاً: تطوير العلاقة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة في وقت أحوج ما تكون
فيه أمريكا إلى (إسرائيل) في رسم خارطة جديدة في المنطقة ولاسيما بعد أحداث
الحادي عشر من أيلول/سبتمبر، حيث يريد الأمريكيون رسم خارطة أمنية جديدة في
المنطقة والتخلص من بعض الأنظمة وإحداث تغييرات بنيوية في المجتمعات العربية.
خامساً: تبنّي خيار القوة أو المزيد من القوة كلما ضربت المقاومة الفلسطينية
(إسرائيل)، والأهم تبنّي خيار العقاب الجماعي ضد جميع الفلسطينيين، بما يفعّل
خيار الفتنة الداخلية ويحدث تساؤلات جوهرية حول جدوى القتال والمقاومة، ويذكي
ذلك تغييب قادة الصف الأول وتولّي الصف الثاني الأقل خبرة والأكثر حماسة لهذا
الاقتتال.
سادساً: تصدير المشكلة الفلسطينية للعرب المجاورين الذين لا يريدون لأنظمتهم
التأذي خوفاً من مفاعيل القضية الفلسطينية، وهو يلتقي بذلك مع المدرسة
الأمريكية التي يتبناها المحافظون الجدد، والتي ترى أن ((الإرهاب)) الموجه ضدها
كان بسبب فشل التنفيس عن الغضب الشعبي على الأنظمة الحاكمة أو تلك الحكومات
التي شاخ نظامها وتطاول عمرها وعجزت عن مواجهة متغيرات المعرفة والعولمة
والتجارة الحرة، بذكاء وحنكة، فتمسكت بكل الميزات دون أن تعطي أي فتات لشعوبها.
السؤال المهم
السؤال المهم بعد ذلك حول مدرسة شارون هل ماتت أفكاره السياسية بموته العضوي،
الجواب هنا لا يمكن أن يكون كاملاً (بنعم) قاطعة أو (لا) مانعة، والصحيح أن
شارون قادر دون غيره على التحشيد وتمرير القرارات التي كان سيعارضها بالأساس
اليمين والمستوطنون الصهاينة، ولكن لا يمكننا القول أن ميراثه لن يمتد ويؤثر
بعيداً في السياسات الإسرائيلية القادمة.. ليس لأن المسالة مسألة أفكار
وأطروحات نظرية، بل لأن شارون ببساطة خلق وقائع على الأرض لا يمكن تجاهلها،
وأهمها:
أولاً، الجدار وما يعنيه من تأثير خطير على مفاهيم الأرض والحدود والدولة في
قاموس القضية الفلسطينية ولاحقاً تأثيره البالغ في الحقوق الفلسطينية وإمكانيات
التسوية في التنظير الواقعي الفلسطيني.
ثانياً، الانسحاب من قطاع غزة ولاحقاً اتفاق المعابر وما يعنيه بالتالي من
إمكانية رضوخ (إسرائيل) لمنطق المقاومة في الضفة الغربية، حيث كان يميل شارون
إلى استباق الانتصار الفلسطيني والالتفاف عليه بفرض وقائع تنال من واقع
الفلسطينيين وتدغدغ المجتمع الدولي، وبمعنى آخر الاعتراف الإسرائيلي بحدود
القوة والاحتلال معاً، ولكن للتقليل من مفاعيلها يجب الالتفاف عليها ومحاولة
التقليل من تنازلاتها.
ثالثاً، الاتساق التام مع الاستراتيجية الأمريكية، وهذا أمر تمليه الوقائع
الدولية في العراق والضغوط الممارسة على سوريا وإيران، ولاحقاً ضرورة تحقيق
الهدوء على الجبهة الفلسطينية، ورغم تعارض ذلك مع المنطق الشاروني المستند
لميراث القوة والمزيد من القوة إلا أن شارون استطاع أن يوفق بين المتعارضين بما
يجعل خيار القوة ضد الفلسطينيين محطماً لسقف توقعاتهم من جهة ومطفئاً لغضب
اليمين والمستوطنين على التنازلات.
وكل ذلك يعني ببساطة أن أي سياسي سيأتي لـ(إسرائيل) لن يستطيع القفز عن فلسفة
شارون، ولكن سيفتقد للكاريزما القادرة على التنفيذ، ولذا على الرغم من المنطق
الحزبي الذي يقول إن ((كاديما)) لا يمكنه الاستمرار بعد موت شارون العضوي فإننا
نرى أن الأقدر على تنفيذ ميراث شارون السياسي هو ((كاديما)) الحزب الجديد، وهذا
يفسر برأينا الاستطلاعات -غير المفهومة- التي تعطي ((كاديما)) كأكبر الأحزاب
شعبية على الرغم من غياب زعيمه ومؤسسه.
وبرأينا كذلك أن (إسرائيل) بعد شارون ستتنازع فهم فلسفته وحقائقه على الأرض بين
جاذب نحو اليمين وجاذب نحو اليسار، وسيكون المخرج لكليهما حكومة جامعة لليمين
واليسار، وسيكون ((كاديما)) هو المحور وأفكاره، وبالتالي ميراث شارون سيكون هو
المظلة لأي تحرك نرجح أن يتقدم نحو انفصال جديد عن الضفة الغربية في ضوء اتساق
صهيوني لازم مع الأمريكيين وعدم إمكانية الصهاينة على تقديم تنازلات جدية
للفلسطينيين في القضايا النهائية، وربما إعطاء الفلسطينيين دولة شكلية تعتال
على دول الجوار العربية وقليلاً على (إسرائيل). وهذا يعني ببساطة بقاء ضعف
السلطة وربما انهيارها، وسيكون خيار إقامة سلطتين واحدة في غزة وأخرى في الضفة
ممكناً في ظلّ تنازعات فتح الداخلية بعد اغتيال رئيسها ومؤسسها.
وفي ضوء صعوبة توحد المشهد الفلسطيني الذي لا تزال تجذبه مدرسة المقاومة
بمنطقها الواقعي ومدرسة التسوية بمثاليتها العدمية التي لا ترى الحقائق على
الأرض، وبرأينا أن الغلبة ستكون لمنطق المقاومة وإن أخّر قطافها محاولات
(إسرائيل) الالتفاف على مفاعيلها بإنجازات وهمية وانفصالات غير جدية، وبالعموم
لا يمكن لأي فلسطيني مهما بلغت جرأته وعلاقته مع (إسرائيل) والولايات المتحدة
أن يقدم على إنجاز حل نهائي ينتصر للثوابت الفلسطينية. وهذا يعني ببساطة بقاء
الحال في دائرة الجمود التسووي والمقاومة الفاعلة داخلياً على الفساد وخارجياً
على الاحتلال، وستحاول (إسرائيل) تعطيل كل ذلك باليد الحديدية تارة واليد
الناعمة تارة أخرى، لأنها ببساطة مضطرة لمسايرة الأمريكيين في حربهم وإرضاء
الداخل اليميني في الجهة المقابلة.