فلسطين المسلمة    -     شهرية - سياسية - جامعة

• من نحن • اشتراك • الأعداد السابقة • الإتصال بنا • دليل المواقع • خريطة الموقع •

Feb2006
PDF نسخة
وراء الأخبار
ولنا كلمة
دفاتر فلسطينية
هنا فلسطين
حول القضية
أخبار وتقارير1
أخبار وتقارير2
تقرير
شؤون العدو1
شؤون العدو2
شؤون فلسطينية1
شؤون فلسطينية2
شؤون فلسطينية3
الغلاف1
الغلاف2
الغلاف3
الغلاف4
الغلاف5
الغلاف6
الغلاف7
الغلاف8
الغلاف9
حوار - طارق الهاشمي
شؤون إقليمية
أوراق ثقافية1
أوراق ثقافية2
أوراق ثقافية3
تـــكريـــم
مؤتمــــــر
أقوال وأرقام
قناديل الشهادة
لحظة
لوحات فنية

 

شؤون فلسطينية2

الهدنة انتهت.. لكنها مثّلت تجربة مهمة


بعد مضي قرابة الأحد عشر شهراً على الهدنة التي أعلنت في آذار/مارس الماضي 2005 عادت التطورات الأخيرة في الأراضي الفلسطينية لتطرح مستقبلها ومصيرها من جديد.
فهذه الهدنة تعرضت خلال الأشهر الأخيرة إلى هزة قوية بعد إقدام حكومة شارون على خرقها بتنفيذ عمليات اغتيال لكوادر من الانتفاضة، وقيام حركات المقاومة بالرد على ذلك بقصف المستوطنات الصهيونية بالصواريخ.
وقد أثارت هذه التطورات تساؤلات عدة ما إذا كانت الهدنة قد استنفدت أغراضها صهيونياً وفلسطينياً؟ وما هي التوقعات المنتظرة في المستقبل؟
فالبعض بات يرى أن الهدنة استنفدت أغراضها وأصبح من غير الممكن الالتزام بها لا إسرائيلياً ولا فلسطينياً لعدة أسباب: ففي الجانب الصهيوني تحققت الأهداف التي سعى إليها شارون من وراء الهدنة، فشارون أو من سيخلفه حالياً بعد مرضه لم يعد مضطراً للاستمرار بها.
فما أراده رئيس الوزراء الصهيوني آنذاك في الجانب العسكري هو إعطاء الجيش الصهيوني متنفساً ليكون بمنأى عن عمليات المقاومة النوعية التي استنزفته وهزت كيانه، إن كان عبر الأنفاق أو الكمائن أو القصف بالصواريخ.
وفي الجانب السياسي تمكن شارون من تمرير مشروعه داخلياً إن كان على صعيد الموافقة على الميزانية أو على خطة الانسحاب من قطاع غزة وشمال الضفة الغربية، الأمر الذي مكنه من السيطرة على الوضع ولجم المعارضين لسياسته لفترة، ووفر له المناخ لتعويم موقفه عربياً ودولياً وكسب تأييد الإدارة الأميركية في دعم مشروعه للاستيلاء على المستوطنات الكبرى في الضفة الغربية وجعل القدس عاصمة أبدية لـ(إسرائيل) وعدم العودة إلى حدود 67، ورفض عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى الأراضي الفلسطينية التي احتلت عام 1948.
أما في الجانب الفلسطيني فالجميع كان يدرك بأن حركات المقاومة كانت بحاجة إلى كسب الوقت ونزع الذرائع وخلق المناخات التي تعزز خيارها، ولذلك وافقت على الهدنة سعياً للاستفادة من مناخ التهدئة لالتقاط الأنفاس وتنظيم صفوفها وتعزيز قوة المقاومة على كل المستويات، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى لتسقط ذرائع وحجج السلطة الفلسطينية من خلال إعطائها الفرصة لتحقيق بعض المطالب الفلسطينية، وهذا ما ظهر من خلال فشل محمود عباس في الحصول على أي شيء من شارون الذي عاد إلى ممارسة ذات السياسة التي اتبعها مع الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، بالضغط على عباس من أجل القيام بنزع سلاح المقاومة كشرط مسبق لأي تفاوض، والضغط على السلطة لمنع بعض القوى الفلسطينية وعلى رأسها حماس من دخول معترك الانتخابات التشريعية، أو الاستفادة منها لإبراز شعبيتها أو إكسابها الشرعية الشعبية، خصوصاً بعد الفوز الكبير الذي حققته حماس في انتخابات البلديات في المناطق ذات الكثافة السكانية وتلك التي تقع على خط المواجهة مع الاحتلال.

ميزان المصلحة
وهذه الأسباب هي التي ربما دفعت ببعض أطراف الهدنة إلى إعلان وفاتها والتلويح بوقفها، لأنه برأيهم ليس من الحكمة الدخول في تهدئة مفتوحة مع الاحتلال. فالتهدئة برأيهم شأنها شأن أية قضية أو ممارسة سياسية وطنية، ينبغي أن توزن بميزان المصلحة الوطنية الواسعة لا المصلحة الفئوية الضيقة، وأن ترتبط بمحددات وضوابط واشتراطات في إطار تبادلي لا أن تكون خياراً مجانياً، وسلوكاً من طرف واحد.
وربما أن حركة ((حماس)) وحدها هي التي أدركت هذه الحقيقة، وبنت فعلها المقاوم على أساسها. فقد أدركت منذ البداية أن العمل المقاوم أو إيقافه ليس فعلاً مجرداً منعزلاً عن سياقات الواقع المختلفة، بل ينبغي أن يكون سلوكاً مدروساً من كل الجوانب.
وبناء على الكلام السابق يمكن القول بأن قرار الهدنة أساساً إذا ما نظر إليه من حيث توقيته والدور الذي يلعبه أو مدى تأثيره في الوضع السياسي بمجمله، وبغض النظر عن مجموعة الأسباب والعوامل التي دفعت النقاشات الداخلية باتجاهه، فإنه يمكن اعتبار توقيته في البداية كان موفقاً جداً حيث خفف قرار الهدنة آنذاك العبء عن الفلسطينيين، وأمكن من خلاله توحيد الساحة ولو لفترة وجيزة حتى تمر العاصفة.
وعندما أعلنت الفصائل عن الهدنة وضعت عدة شروط رافعة شعار ((لا للهدنة المجانية))، فالفصائل المقاومة رفضت أن تكون هذه الهدنة مجانية وبلا ثمن على الأرض يخفف من معاناة الفلسطينيين لذلك أصرت على ضرورة أن تكون الهدنة ملزمة للجانب الصهيوني، وأن هناك جملة من الاستحقاقات على الجانب الصهيوني القيام بها لأنه بحاجة لمثل هذه التهدئة، ولوقف إطلاق النار، ومن هنا جاءت مطالبة الجانب الصهيوني بعدة خطوات منها إطلاق سراح عدد من الأسرى الفلسطينيين الذين بلغ عددهم نحو ثمانية آلاف أسير ومعتقل، ووقف كل الاعتداءات على الفلسطينيين من اغتيالات وتوغلات واعتقالات، وفتح المعابر.. وغيرها من الإجراءات التي تنغص على الفلسطينيين حياتهم.
وما سبق طبعاً يندرج في إطار العلاقات بين الفلسطينيين والإسرائيليين. أما في الجانب الآخر الفلسطيني – الفلسطيني فقد أعلنت الهدنة في وقت يتزامن مع إجراء الانتخابات البلدية والتشريعية في مواعيدها المقررة مسبقاً، ووفق نظام انتخابي متفق عليه والأهم طبعاً المضي قدماً في سياسة الإصلاح ومحاربة الفساد.
وطبعاً تم التلاعب في معظم هذه البنود حيث تم تأجيل الانتخابات مرة تلو الأخرى رغم الاتفاق على منظمة التحرير وإصلاحها وتجاهل الإصلاح ومحاربة الفساد وبشكل منهجي وجذري. والخلاصة التي تحققت أن معظم الشروط في السياقين الفلسطيني الإسرائيلي والفلسطيني الفلسطيني لم تتحقق وهو ما جعل من استمرار الهدنة محل شك وارتياب.
ورغم المصير المتوقع الذي آلت اليه التهدئة إلا أنها شكلت تجربة سياسية فريدة، وفرصة لنوع من التقييم للتجربة الوطنية الفلسطينية في مجال السياسة والمقاومة، واستخلاص عِبَر المرحلة الماضية، وإرساء أسس وقواعد جديدة لمرحلة جديدة. فمن إيجابيات التهدئة أنها لفتت نظر بعض قوى المقاومة إلى ضرورة استخدام منطق الحسابات والتوازنات حيال أية سياسة أو موقف، والتخطيط لدى أية ممارسة كفاحية، بحيث تؤدي نتائجها المرجوة، وتصب في مسار التطوير الإيجابي خصوصاً على أبواب الاستحقاقات الوطنية الهامة والمنعطفات التاريخية الحادة كالانتخابات التشريعية، التي يُنتظر أن تضع اللبنات الأولى للبنيان الفلسطيني الجديد.

على شفا الانهيار!!
تقول قراءة الواقع السياسي في الوقت الراهن إن الهدنة التي أعلنتها الفصائل الفلسطينية أوائل العام الجاري باتت تحتضر، وللدقة فهي تعيش حالة موت سريري وكل الأطراف تنتظر الظرف الملائم لإعلان وفاة الهدنة بشكل رسمي وبما يتلاءم مع مصالحها وأهدافها الخاصة.
كما أسلفنا فإن الأسباب التي تقود للانهيار متعددة، وعوضاً عن السياسات والممارسات الصهيونية الأخيرة يمكن الحديث عن أن الشروط التي أعلنت الهدنة بموجبها لم تتحقق وبالتالي فإن استمرارها على قيد الحياة سيكون شكلاً من أشكال العبث ليس إلا.
فخطورة التعاطي الصهيوني مع الهدنة الفلسطينية لا تنبع فقط من التجاوزات والانتهاكات اليومية والمتكررة للقوات الصهيونية على أكثر من صعيد، وإنما من المحاولات الصهيونية الرامية لتثبيت هذا الواقع بمعطياته الحالية: هدوء فلسطيني يقابله عدوان صهيوني.‏
فعلى ما يبدو أن الدولة العبرية وبعد أن نفذت انسحابات شكلية من بعض المناطق الفلسطينية، وأفرزت ظروفاً جديدة تستدعي مفاوضات طويلة تعمل على الاحتفاظ بالوضع الأمني بشكله الحالي لا يلزمها بوقف عدوانها على الفلسطينيين، وبالمقابل يرتب على السلطة الفلسطينية مسؤوليات وتبعات أي حادث أمني مهما كان مستواه وطبيعته حتى لو كان من قبيل رد الفعل أو الاشتباك المتبادل مع عناصر الشرطة الفلسطينية.
وربما أن ما صرح به وزير الحرب الصهيوني شاؤول موفاز في واشنطن حول ضرورة أن تضغط الإدارة الأمريكية على السلطة الفلسطينية لجعل اتفاق الهدنة بمستوجباته الحالية التي اتفق عليها الفلسطينيون (سلطة وفصائل) واجباً أمنياً فلسطينياً تجاه الدولة العبرية والمجتمع الدولي لا يستدعي أي مقابل أمني أو سياسي صهيوني ملزم.‏
هذا التعامل الصهيوني مع الهدنة يقول بوضوح إنه حاول استغلال الهدنة إلى أقصى حد ممكن، وحاول تقييد المقاومة بفرض واقع تمثل باغتيال قادة المقاومة واستمراره بحصار المدن والقرى والمخيمات الفلسطينية. ويمكن القول أن الجانب الصهيوني عمل خلال فترة التهدئة في اتجاهين: أولهما: رفع وتيرة عمليات الاغتيال ضد قادة ورموز المقاومة. وثانيهما: حشر المقاومة وتقييد ردود فعلها تجاه ما يرتكبه، وإظهار ما يقوم به مجرد عمليات وقائية ضد من يسميهم قنابل موقوتة.
وقد أدركت حركتا حماس والجهاد أن الكيان الصهيوني أراد من تصعيده للاعتداءات وعمليات الاغتيال حشر المقاومة وجعلها تخسر رصيدها الشعبي بحيث تظهر وكأنها عاجزة وغير قادرة على التحرك أو الرد، ولذلك سارعت الحركتان إلى إعلان إلغاء التهدئة.
وحتى الانسحاب الصهيوني من قطاع غزة لم يتحقق على النحو المرغوب به فلسطينياً. فغزة تحولت عملياً إلى سجن كبير والدولة العبرية تتصرف وكأنها لم تنسحب من غزة، وقضايا المعابر وحرية حركة الاشخاص والبضائع ما زالت متعثرة ناهيك عن قضايا الميناء والمطار والممر الآمن من الضفة الغربية، ولم تقدم الدولة العبرية ثمناً جدياً للسلطة الفلسطينية مقابل المساهمة والمساعدة في تنفيذ الانسحاب بشكل هادئ وآمن.
والدولة العبرية كافأت السلطة بوضعها أمام اختبار غزة بالضغط عليها لنزع سلاح فصائل المقاومة وتفكيك بناها التحتية وفرض الهدوء والأمن في قطاع غزة، ومنع انطلاق العمليات ضد (إسرائيل) من هناك، وكل هذا دون مقابل منها سوى الاكتفاء بالانتقال إلى البند الأول من خارطة الطريق وفق المنظور الصهيوني، أي مع المائة تحفُّظ التي تم اختزالها إلى أربعة عشر تحفظاً.
وزيادة استغلت الدولة العبرية التهدئة والانسحاب المنسق الهادئ من قطاع غزة وشمال الضفة للقيام بمزيد من الخطوات والممارسات التعسفية في الضفة الغربية، خاصة المضي قدماً في بناء جدار الفصل العنصري وخاصة في منطقة القدس ((غلاف القدس)) الذي يعزل المدينة المقدسة عن محيطها البشري والجغرافي الفلسطيني، إضافة إلى ذلك تم تجزئة الضفة إلى كانتونات محاصرة معزولة عبر تحويل الحواجز العسكرية إلى معابر شبه دولية مثل معبر قلنديا الذي يعزل وسط الضفة عن جنوبها، وهذا يتزامن بالطبع مع استئناف الاغتيالات والاعتقالات بحق قادة وأعضاء مختلف فصائل المقاومة.
وليس الأمر بأحسن حالاً فيما يتعلق بعملية التسوية خلال فترة التهدئة حيث استغلت الدولة العبرية خطة فك الارتباط لتجميد بل وقتل عملية التسوية، والتشكيك بمصداقية السلطة وفي أهليتها كشريك تفاوضي معها، والحديث عن استحالة الوصول إلى اتفاقية سلام في الجيل الحالي، والاكتفاء باتفاقات مرحلية طويلة المدى وانتظار الجيل القادم للتوصل إلى حل نهائي للصراع.
وخلال ذات الفترة من الهدنة أيضاً تنصل الرئيس الأمريكي جورج بوش من خارطة الطريق ورؤاه الخاصة والمتعلقة بإقامة الدولة الفلسطينية قبيل انتهاء ولايته الحالية، وتماشى بالمقابل مع المنطق الشاروني بضرورة تخطي السلطة الفلسطينية لاختبار غزة بنجاح وتفكيك البنى التحتية لحركات المقاومة، ثم الانشغال في القضايا المرحلية مثل الميناء والمطار والمعابر وحرية الحركة وتحسين الوضع الاقتصادي الفلسطيني قبل الانتقال إلى المفاوضات النهائية. كل ذلك دون سقف محدد أو مدى واضح ونهائي.
إذاً عندما يكون الفلسطينيون في السجون والدم الفلسطيني مسفوحاً وعملية التسوية مجمدة أو ميتة والمنطقة تتعرض للمزيد من الضغوط الأمريكية... في ظل هذه المشاهد من الصعوبة تصور استمرار الهدنة في فلسطين بل على العكس يصبح حتمياً انهيارها، وهذا الانهيار هو مسألة وقت فقط حيث تندلع الاشتباكات ثم تتوقف إلى أن تندلع ويصبح من المستحيل إيقافها والعودة من جديد إلى التهدئة التي تفتقر إلى الظروف الموضوعية لاستمرارها.
 

 

فلسطين المسلمة - جميع الحقوق محفوظة © 2003