مفاجأة (كاديما) المحافظة على
شعبيته
أولمرت يصعّد لإقناع الجمهور الصهيوني بقدراته القيادية
أخذ الغياب المفاجئ لرئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون عن
ساحة الفعل السياسي الدولة العبرية على حين غرة. فقد كان من المفترض أن يواصل
شارون العمل من أجل تعزيز موقع حزبه الجديد ((كاديما)) الذي قبل كل شيء ارتبط
بشخصه وتمحور حول قيادته، مع العلم أن شارون خطط لتطبيق مخططاته السياسية عبر
قيادة هذا الحزب ودفعه لتولي مقاليد الأمور في الدولة العبرية.
كان واضحاً منذ البداية أن التأييد الجارف الذي يحظى به هذا الحزب كما عكست ذلك
استطلاعات الرأي العام إنما يعكس ثقة الجمهور الصهيوني بشارون وبقدراته
القيادية، أكثر مما يعكس ثقته بالإطار الفكري للحزب، وهو الإطار الذي لم يتبلور
بشكل واضح حتى الآن. لكن المفاجأة التي لا تقل إثارة عن مرض شارون الميئوس منه،
هو حقيقة بقاء التأييد الجماهيري لحزب كاديما على الرغم من مرور شهر على غياب
شارون. فجميع استطلاعات الرأي العام تتواتر على التنبؤ بحصول الحزب على أكثر من
ثلث مقاعد البرلمان المقبل، في حين واصل كل من حزبي الليكود والعمل تراجعهما
بشكل ملفت للنظر، وفي حال تحققت استطلاعات الرأي العام فإن هذين الحزبين
سيتحولان إلى حزبين هامشيين مقارنة بحزب ((كاديما)). مع أن كل ما يطرحه هذا
الحزب هو برنامج سياسي ذو خطوط عريضة فضفاضة، وأقل إلزاماً، هذا على الرغم من
أن الذي حل محل شارون في قيادة ((كاديما)) هو إيهود أولمرت وهو السياسي النخبوي
الذي يعتبر من أكثر الساسة المنبوذين جماهيرياً.
المراقبون في الدولة العبرية يرون أن مواصلة الشارع الإسرائيلي تأييد
((كاديما)) على الرغم من غياب شارون إنما يمثل جزءاً من تعاطف هذا الشارع مع
شارون، وأنه يمكن أن تتقلص قوة هذا الحزب حتى موعد الانتخابات، في حين أن هناك
من المراقبين من يتوقع أن يواصل ((كاديما)) تعزيز مكانته على اعتبار أن الجمهور
الإسرائيلي أصبح معنياً بالبحث عن خيار آخر غير حزب العمل والليكود.
عهد أولمرت
بعد أن أصبح في حكم المؤكد أن شارون قد أنهى حياته السياسية بغض النظر عن فرص
بقائه حياً، فإن مقاليد الأمور باتت حالياً في يد القائم بأعماله إيهود أولمرت.
أولمرت الذي لم يحلم مجرد حلم أن يصبح في يوم من الأيام على رأس دائرة صنع
القرار في الدولة العبرية يبدو عاقداً العزم على استغلال التعاطف الذي تبديه
الجماهير تجاهه كخليفة لشارون في رئاسة الوزراء وفي زعامة حزب ((كاديما))، من
أجل إقناع الشارع الإسرائيلي بقدراته القيادية وأنه بالإمكان الاعتماد عليه في
إدارة شؤون الدولة من ناحية وضمان أمنها وتعزيز المكاسب الاستراتيجية التي حظيت
بها (إسرائيل) تحت زعامة شارون. وبخلاف ما تحاول الكثير من وسائل الإعلام
ترويجه من أنه ((سياسي مغمور وحمائمي))، فإن أولمرت، وعلى الرغم من أنه كان
نخبوياً ولم يكن يحظى بشعبية كبيرة، إلا أنه بكل تأكيد سياسي ((داهية)).
فأولمرت، هو النجل الأكبر لإسحاق أولمرت، أحد زعماء التنظيم الإرهابي الصهيوني
((ليحي)) التي عاث قتلاً بين الفلسطينيين قبيل الإعلان عن الدولة العبرية. وكان
أولمرت أصغر نائب في البرلمان الإسرائيلي في العام 1973، وهو الذي تولى عدة
مناصب وزارية في عهد رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إسحاق شامير، وانتزع رئاسة
بلدية الاحتلال في القدس من تيدي كوليك أحد زعماء حزب العمل الإسرائيلي بعد أن
أخذ يزايد على كوليك في كل ما يتعلق بالأنشطة الاستيطانية ذات الطابع التهويدي
في القدس المحتلة. وبعد أن تم تنصيبه رئيساً لبلدية الاحتلال، أطلق أولمرت
مشروع النفق في البلدة القديمة من القدس أواخر العام 1996، الأمر الذي فجر
انتفاضة النفق التي استشهد فيها العشرات من الفلسطينيين في حين قتل ثمانية عشر
عسكرياً صهيونياً.
وفي عهد أولمرت تعزز الدور الذي يقوم به المليونير اليهودي الأمريكي أورفينغ
ميسكوفيتش ومنظمة ((عطيرات كوهنيم)) في مجال تبني المشاريع التهويدية في مدينة
القدس، حيث وبتشجيع من أولمرت نفسه، قام نشطاء ((عطيرات كوهنيم)) بالاستيلاء
على العشرات من العقارات الفلسطينية في البلدة القديمة من القدس وتم تحويلها
إلى كنس وإلى شقق سكنية للمستوطنين، سيما في محيط المسجد الأقصى. وعلى الرغم من
أن كوليك سلف أولمرت في رئاسة البلدية لم يأل جهداً في إصدار القرارات الادارية
والتنظيمية من أجل تضييق الخناق على الفلسطينيين داخل المدينة المقدسة لدفعهم
لمغادرتها وإحلال مهاجرين يهود، إلا أن أولمرت جعل تهجير الفلسطينيين من القدس
الشغل الشاغل له وللمجلس البلدي الذي يرأسه. فقد ضاعف أولمرت من إصدار أوامر
هدم منازل الفلسطينيين في المدينة وضواحيها بزعم البناء بدون الحصول على ترخيص
من البلدية، مع العلم أن البلدية لا تقوم بإصدار تراخيص بناء للفلسطينيين. وفي
عهده انتقلت المئات من الأُسر الفلسطينية المقدسية للعيش في خيام بسبب أوامر
الهدم. وما يعكس الطابع السادي لأولمرت هو أنه كان يأمر بألا يتم هدم بيوت
الفلسطينيين إلا بعد أن يتم استكمال بناء المنزل بشكل كامل، حتى يضمن أن تكون
الأُسر الفلسطينية قد أنفقت ما في جعبتها من مال.
وفي عهد أولمرت تضاعف حجم ضريبة ((الأرنونة)) التي تفرضها البلدية على
الفلسطينيين حتى وصلت إلى مقاييس خيالية مقاربة بالأوضاع المالية الصعبة
للفلسطينيين هناك. وتواطأت بلدية الاحتلال تحت سيطرة أولمرت مع وزارة الداخلية
الإسرائيلية من أجل تهجير الفلسطينيين المقدسيين، حيث عملت وزارة الداخلية بعد
إلحاح من أولمرت على سحب بطاقات الهوية المقدسية الزرقاء من كل مقدسي يترك
المدينة لمدة عام، وفي نفس الوقت تم حرمان المقدسيين الذين ينتقلون للعيش في
الضفة الغربية بسبب ارتباطات العمل من حق العودة للإقامة في المدينة. لذلك فإن
كل المقدسيات اللواتي تزوجن من فلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة فقدن الحق
في العودة للإقامة في القدس، مع أن أولمرت كان يستعطف كل يهود العالم للقدوم
للإقامة في المدينة من أجل ضمان تهويدها. بالإضافة إلى ذلك فقد حرص أولمرت على
منع إقامة بنى تحتية صناعية أو تجارية لاستيعاب الأيدي الفلسطينية العاطلة عن
العمل في القدس، وذلك من أجل دفعهم لترك المدينة.
لكن أولمرت صاحب كل هذا الإرث تحول منذ انضمامه لحكومة شارون في العام 2003 إلى
رمز لـ((الاعتدال)) في الحكومة، في نظر البعض، سيما في الجانب العربي
والفلسطيني. ومردّ هذا الانطباع عن هذا الشخص هو حقيقة تحمسه لخطة ((فك
الارتباط)) التي تضمنت إخلاء مستوطنات قطاع غزة وأربع مستوطنات في شمال الضفة
الغربية، بالإضافة إلى تصريحاته المتتالية بأنه مستعد لإخلاء المستوطنات
النائية في الضفة الغربية.
والذين يرمون أولمرت بالاعتدال يتجاهلون حقيقة أن رهانات أولمرت على ((فك
الارتباط))، هي نفس رهانات سلفه شارون عليها. فأولمرت يعتبر أن من حق (إسرائيل)
الاحتفاظ بالكتل الاستيطانية الكبرى في الضفة الغربية إلى جانب الإبقاء على
القدس ((الكبرى)) كعاصمة للدولة العبرية، إلى جانب الاحتفاظ بمنطقة ((غور
الأردن))، ورفض الانسحاب إلى حدود الرابع من حزيران/يوينو 67، واعتبار حق
العودة للاجئين الفلسطينيين خطاً أحمر لا يمكن القبول به مطلقاً. من هنا فإن
أولمرت يعتبر السياسي الأمثل بالنسبة للإدارة الأمريكية، حيث إنه –مثل شارون–
يعتبر أنه يتوجب إبداء بعض التنازلات المدروسة من أجل ضمان تأييد الإدارة
الأمريكية، على اعتبار أن ذلك مصلحة استراتيجية للدولة العبرية.
تقدّم
حتى الآن تتواتر استطلاعات الرأي العام التي تؤكد أن حزب ((كاديما)) تحت قيادة
أولمرت سيحصل على أكثر من ثلث مقاعد البرلمان المقبل، وأن الجمهور الإسرائيلي
يثق بقيادة أولمرت أكثر من ثقته بقيادة نتنياهو زعيم الليكود وبيريتس زعيم حزب
العمل. لكن أولمرت يعي قبل غيره أنه من المرجح أن تعكس هذه المعطيات تعاطف
الشارع الإسرائيلي مع شارون وليس ثقة بقيادة أولمرت، من هنا فإنه من المتوقع أن
تتغير نتائج هذه الاستطلاعات لغير صالح أولمرت وحزب ((كاديما))، والكثير من
المراقبين في الدولة العبرية يرون أنه من شبه المؤكد أن يبادر أولمرت للقيام
بعمليات أمنية لإقناع ضد الفلسطينيين وضد أهداف خارج حدود فلسطين من أجل
استرضاء جمهوره والتدليل على أهليته بالقيادة، وليس من المستبعد أن يأمر أولمرت
قيادة الجيش والمخابرات باستغلال عمليات المقاومة الفلسطينية، وتحديداً عمليات
إطلاق الصواريخ لتبرير تجريد حملات عسكرية ضد المقاومة في قطاع غزة، وتكثيف
عمليات الاغتيال والاعتقالات. كما أنه ليس من المستبعد أن يصدر أولمرت تعليماته
بالقيام بعمل عسكري ضد المشروع النووي الايراني.
قائمة الليكود
في أعقاب غياب شارون وتقديم موعد الانتخابات واختيار نتنياهو زعيماً لليكود،
شهدت الحلبة الحزبية في الدولة العبرية عدة تطورات فارقة، تمثلت في قيام
نتنياهو بالإملاء على وزراء حزبه تقديم استقالاتهم من حكومة إيهود أولمرت رغماً
عنهم، وخوفاً من معاقبة اللجنة المركزية للحزب لهم. الخطوة التي أجبر نتنياهو
وزراء حزبه على القيام بها تهدف إلى خدمة الخط الدعائي لليكود عشية الانتخابات،
حيث إن نتنياهو يرى أنه من السخف أن يدعي الليكود معارضة حزب ((كاديما)) في
الوقت الذي يشارك وزراء الليكود في حكومة يديرها حزب كاديما. لكن وزراء الحزب
المرغمين على تقديم الاستقالة أعدوا سكاكينهم لإعمالها في جسد نتنياهو بعد
الانتخابات. فقد نقل عن وزير الخارجية المستقيل سيلفان شالوم أنه ينوي التنافس
على زعامة الليكود بعد الانتخابات في حال لم يحصل الحزب على أكثر من عشرين
مقعداً، مع العلم أن استطلاعات الرأي العام تتوقع أن يحصل الحزب على 13-16
مقعد.
من ناحية ثانية تم في الليكود انتخاب لائحة مرشحي حزب الليكود للانتخابات، حيث
تبين أن معظم الذين فازوا ينتمون إلى اليمين المتطرف. وشهدت الانتخابات مفاجآت
من العيار الكبير، حيث خرج عدد كبير من الشخصيات التاريخية مثل وزير الخارجية
الأسبق ديفيد ليفي الذي لم ينتخب في مكان مضمون في القائمة، كما أن الوزير
السابق عوزي لانداو حل في المكان الرابع عشر، في حين مُني عضو الكنيست الدرزي
أيوب قرّة، الذي ينافس اليهود في تطرفهم ضد الفلسطينيين بهزيمة إذ أنه لم يتم
إعادة انتخابه ضمن قائمة مرشحي الحزب للبرلمان. وقد تميزت قائمة مرشحي الليكود
بأنه باستثناء ثلاثة فقط، فإن جميع المرشحين هم من الأشكناز الغربيين، الأمر
الذي سيصعب الطريق على الحزب لنيل ثقة الشرقيين، وإن كان هناك من يقول إن هذا
لن يكون عائقاً كبيراً بسبب حلول سيلفان شالوم المغربي في المكان الثاني بعد
نتنياهو، في حين حل في المكان الثالث موشيه كحلون الذي ينتمي إلى عائلة مهاجرة
من ليبيا.
وفي حزب شينوي الذي يعتبر ثالث أكبر حزب في البرلمان الحالي حدثت مفاجآت كبيرة.
فقد أجريت انتخابات داخلية لانتخاب قائمة مرشحي الحزب، حيث تم إقصاء الرجل
الثاني في الحزب إبراهام بوراز وتم انتخاب شخص مغمور بدلاً منه، في حين حافظ
زعيم الحزب تومي لبيد بالكاد على مكانته كزعيم للحزب. مع العلم أن جميع
استطلاعات الرأي العام تتوقع انهيار الحزب في الانتخابات القادمة. وهناك مؤشرات
على توجه كل من لبيد وبوراز إلى الانشقاق على الحزب.
وفي حزب المفدال الديني حقق المتطرفون نتائج كبيرة، فقد حلّ نيسان شلوميانسكي
وهو أحد قادة المستوطنين في المكان الأول ضمن قائمة الحزب للانتخابات، وكما أن
جميع المرشحين الذين تم فرزهم ينتمون إلى الجناح اليميني المتطرف.
وفي حزب العمل تبدو الأمور أكثر مأساوية، حيث إن زعيم حزب العمل يعي تدهور
شعبيته الكبير لدى الجمهور، لذا فإنه يحاول إقناع سلفه في قيادة الحزب شمعون
بيريز بالعودة للحزب من أجل دعمه.