نبيل الخطيب فنان فلسطيني يعرض مسرحاً ملتزماً في
غزة:
رغم المغريات المادية رفضت أن أقدّم ما يخالف قناعاتي
حاورته ابتسام صايمة
نبيل عيسى الخطيب فنان ومخرج وكاتب
مسرحي من مدينة غزة، ولد في مخيم جباليا عام 1968، متزوج وله سبعة أبناء، يعمل
مديراً لقسم الدراما في شركة أمجاد للإنتاج الفني والإعلامي وإذاعة صوت الأقصى.
وذلك إلى جانب عمله كمدير لفرقة الشهداء للإنتاج الفني في غزة، أشرف على العديد
من الأعمال الفنية والإذاعية وإخراج الرسوم المتحركة وإعداد وتقديم البرامج
الإذاعية والتلفزيونية، في مكتبه بمؤسسة الشهداء في مدينة غزة كان لنا معه هذا
الحوار:
- متى وكيف بدأت مسيرتك الفنية؟
• أحببت الفن منذ نعومة أظفاري، وكنت أشارك في النشاطات المدرسية منذ كنت
صغيراً في المرحلة الابتدائية، ولكن ظهرت هذه الموهبة حين كنت معتقلاً في
الانتفاضة الأولى في سجون العدو.. فقد كان الشباب يعقدون جلسة سمر كل يوم خميس،
وكنت أشارك فيها ببعض الاسكتشات من كتابتي وكانت تلقى ترحيباً مشجعاً من
الأخوة. وحينما خرجت من السجن أسسنا فرقة الشهداء، ثم بعد ذلك التحقت بالعمل مع
شركة أمجاد للإنتاج الفني، فكان ((أوبريت الرحيل)) ثم ((آه يا قدس))، وكذلك
أوبريت للشيخ ياسين رحمه الله في ذكرى استشهاده الأولى والذي عرض في المؤتمر
الذي عقدته الجامعة الإسلامية بغزة. وأخيراً عرضنا مسرحية ((أخوة الدم)) على
المسرح، هذا إلى جانب عملي في الاذاعات المحلية حيث قدمت برنامج ((بحر
الإنسانية)) في إذاعة الحرية بغزة تقريباً 100 حلقة، ثم انتقلت إلى إذاعة
الأقصى وأقدّم الآن برنامجين إذاعيين بها.
أما بالنسبة للإخراج فقد أخرجت العديد من المسرحيات والبرامج الإذاعية، إلى
جانب أربعة أفلام رسوم متحركة للوحدة التابعة للجامعة الإسلامية بغزة، وشاركت
في تقديم ما يزيد على 30 مسرحية قمت بكتابتها وتمثيلها مع فرقة الشهداء خلال
حفلات ومهرجانات كنا نحييها.
- هل دعمت الموهبة بالمؤهل العلمي؟
• بالنسبة لمؤهلاتي العلمية، منذ مرحلة الطفولة كنت أحلم بدراسة الفن، وحين
أنهيت الدراسة الثانوية في عام 1985 جاءت الانتفاضة الأولى عام 1987، ولم تسمح
ظروفي المادية بالسفر للخارج ومواصلة تعليمي في هذا المجال. ولكن حين علمت أن
جامعة الأقصى بغزة قد افتتحت قسم فنون إذاعة وتلفزيون ذهبت فوراً للشيخ ياسين
رحمه الله وأبلغته بنيتي الالتحاق به وأن ظروفي المادية لا تسمح، فشجعني على
الالتحاق به وأخبرني أنه سيتولى أمر التكاليف المادية وكان ذلك منه رحمه الله.
- عرفناك ممثلاً ساخراً، ولكنك كنت في آخر أعمالك الفنية ((مسرحية أخوة الدم))
والتي كانت من كتابتك أيضاً مختلفاً، فلماذا؟
• أولاً، على الفنان أن يقدم كل الأدوار ولا يكرر نفسه، ولكني كنت دائماً أفضل
تقديم الفكرة بأسلوب ساخر، لأنني وجدت أن الجمهور الغزي والذي يعاني من ضغوط
كثيرة ومتنوعة يحاول الهروب من مشاكله بمشاهدة مسرحية أو مهرجان أو حفلة زفاف،
فكنا ننتهز الفرصة لنقدم له فكرتنا بهذا الأسلوب القريب من نفسه، ولكن الوضع
الذي عانينا منه في الشهور الأخيرة لا يمكن أن يقدم بأسلوب كوميدي، وكان علينا
أن ندق جرس إنذار كمثقفين وفنانين، لنقول إن الوضع خطير ويجب تداركه وأسلوب
السخرية لن يوصل ما نريد إيصاله من تسليط الضوء على الواقع المر الذي عانته غزة
في المرحلة الأخيرة وأنه يجب أن يكون الوطن فوق الجميع، وقد عرضت هذه المسرحية
على مدار ثلاثة أيام متوالية ثاني وثالث ورابع أيام عيد الفطر الماضي على مسرح
الهلال بغزة، ولاقت إقبالاً كبيراً من الجمهور، وتحدثت عنها وسائل الإعلام
المحلية. وكنت أتمنى أن نستطيع المشاركة بها في المهرجان المسرحي الذي أقيم في
سوريا مؤخراً، لكنها للأسف لم تكن جاهزة في الوقت المناسب.
- لديك الكثير من الأعمال المسرحية الساخرة، هل تعتقد أنه بالفعل استطعت من
خلال هذا الأسلوب إيصال الفكرة؟
• الفن لا يجب أن ينقل الواقع كما هو وإلا لن يسمى فناً؛ بل عليه أن يقدمه
بأسلوب مختلف يستطيع به إيصال ما يريده للمشاهد دون تلقين، فكثيرة هي الأعمال
التي قدمتها والتي لاقت إقبالاً كبيراً من الجمهور وكانت في نفس الوقت تحمل
فكرة مهمة قدمتها لهم من خلال السخرية وإسقاط الواقع السياسي على العمل، فهناك
مسرحية ((الطيارة)) والتي تحكي قصة استغلال المسؤولين للمواطنين في بلادنا.
هذه الفكرة رمزية وبها الكثير من نقد الواقع الذي فرض علينا كفلسطينيين بعد
قدوم سلطة أوسلو، ورغم أنها قدمت بأسلوب كوميدي ساخر إلا أنها استطاعت توصيل
الفكرة التي أردت توصيلها والناس تعي وتفهم ما يدور حولها.
- بناء على ما سبق هل تعتبر الفن رسالة؟
• بالطبع أعتبر الفن رسالة، وعلينا كفنانين ملتزمين أن ننحاز لقضايا أمتنا
ونقدم معاناتنا على شكل أعمال فنية حتى يحس بنا العالم.. فالعالم يحاربنا عن
طريق الإعلام، والفن وسيلة مهمة من وسائل هذه الحرب، فلمَ لا نستغل هذه الأداة
جيداً وعن طريق أعمال فنية راقية تصلح للعرض والمشاركة في مهرجانات دولية
كمهرجان القاهرة الدولي والذي فاز بجوائزه أكثر من عمل من غزة.
واجبنا توجيه الشباب والفن وسيلة ناجحة لذلك، واجبنا إبراز دور مجاهدينا
وشهدائنا وما قدموه من بطولات وما أكثرها عندنا، فلو أردنا أن نقدم عملاً فنياً
عن الشيخ أحمد ياسين رحمه الله فيجب أن نقدمه بالشكل الذي يليق بصورته فنقدم
الممثل الكفء، ويجب أن نستخدم التقنيات الملائمة، فالإضاءة لغة والتصوير لغة
والمؤثرات لغة، وجميعها يجب أن تتضافر لتخرج العمل بشكل جميل ولائق، فالفن
رسالة ولكن يجب أن يقدم بشكل جيد حتى يؤدي رسالته المنشودة.
- العمل المسرحي ما زال في بداياته في غزة، ما هي أهم المعوقات التي تعانون
منها كفنانين مسرحيين؟
• هناك أزمة في مفهوم الفن الإسلامي وماذا يقدم، وإشكالية في المصطلح التي
يعاني منها الأدب الإسلامي ككل، ويندرج هذا الإشكال على المسرح أيضاً، فكثيراً
ما نتساءل ما هو الفن الإسلامي؟ هل هو الذي تقدمه الحركة الإسلامية؟ وإن قدمت
حركات أخرى عملاً عن الشيخ ياسين رحمه الله أفلا يعتبر ذلك فناً إسلامياً؟ أم
هو الذي يتحدث عن التاريخ الإسلامي وسير الخلفاء والصحابة؟ أم الذي يقدم الفكرة
النابعة من التصور الإسلامي للإنسان والكون والحياة؟
ولذلك أفضل إطلاق مصطلح ((الفن الملتزم)) على الفن الذي نقدمه فيدخل في إطار
الفن كل عمل يوافق عقيدتنا ومبادئنا كمسلمين ملتزمين.
ومن ضمن المعوقات قلة الوعي الفني عند الجمهور وحتى على مستوى المسؤولين،
فالكثيرون يعتبرون الفن من الكماليات التي لا تستحق أن نخصص لها ميزانية معينة
رغم أن هناك مؤسسات كاملة تولي الفن أهمية كبرى وتعتبره أحد أسلحتها في نشر
فكرها، ولا زلت أذكر حديث الشيخ ياسين لنا في أوائل الثمانينات حين كان يدعو
لإقامة مسرح يستقطب الناس ويقدم الفكرة الإسلامية ((ما لم نستطع إيصاله بالمنبر
والكتيب يصل عن طريق منبر المسرح))، ولذلك أسس مسرحاً في غزة وكان هناك عدة فرق
مسرحية ولكن بقيت أعمالها محصورة في دائرة معينة وخاصة في الأعراس والمهرجانات.
ورغم التطور الفكري ووعي المسؤولين لقيمة الفن، إلا أنه لا يوجد جهة رسمية حتى
الآن تتبنى المؤسسات الفنية العاملة على الساحة وتدعمها مالياً وفنياً، فما
زلنا نعمل بوسائل بسيطة رغم التقدم التكنولوجي الهائل في العالم حولنا، ورغم
أننا نملك كادراً فنياً لديه الكثير من المؤهلات الناجحة.
كذلك هناك أزمة مفاهيم بين ما هو مقبول شرعاً وغير مقبول، خاصة في الأمور
الخلافية مثل توظيف تقنية المؤثرات الموسيقية التي تخدم الفكرة ولا تطغى عليها.
ومن أهم المعوقات انحصار أعمالنا داخل مجتمعنا المحلي بسبب ظروفنا السياسية
وعدم قدرتنا على التواصل مع العالم الخارجي، خاصة بعد ظروف الإغلاق المتكرر
للمعبر.
- ما هو تقييمك لأداء الفنانين المسرحيين بغزة؟
• نعاني من مشكلة عدم وجود رابطة تجمع أكثر من 15 فرقة فنية عاملة على الساحة
ليتم التنسيق فيما بينها، وغالباً ما يكون هذا التعاون بشكل فردي، فأنا مثلاً
أعمل مديراً لمؤسسة الشهداء ولدينا فرقة مسرحية بالإضافة إلى النشيد، وأعمل
كذلك مع فرقة أمجاد للإنتاج الفني والتي أنتجت الكثير من الأعمال المتميزة. لكن
من خلال متابعتي للمشهد الفني أستطيع القول أن لدينا مواهب مميزة، ولكن ينقصها
أن يتبنى أعمالها ويطورها جهات رسمية تعي أهمية هذه الرسالة وتدعمها مالياً
ومعنوياً وتقدم أعمالها للعالم الخارجي.
- هناك جهات معينة حاولت استقطاب هؤلاء الفنانين وترغيبهم مادياً ومنهم نبيل
الخطيب، متى وكيف تم ذلك؟
• نعم هناك مؤسسات عاملة على الساحة تحت إطار دول غربية وهي تُدعم مادياً بشكل
جيد، وحاولت أن تستقطب عدة أسماء للعمل تحت هذا الإطار مستخدمة الإغراءات
المادية الكبيرة التي قدمتها ومستغلة الظروف المالية الصعبة التي نعاني منها في
القطاع، وهناك من استجاب وهناك من صمد في وجه هذا الإغراء، المشكلة كانت فيما
سيقدمه هذا الفنان.
لقد جاؤوني وعرضوا علي عرضاً مغرياً كمكتب فخم ودعم مادي وتقني كبير لأعمالي
وعالم الشهرة الذي ينتظرني في سبيل أن أقدم أفكارهم من خلال السيناريو المكتوب
لديهم، وحين طالعت السيناريوهات المقدمة لي وجدت أنها تتحدث عن إيجابيات
الاختلاط وكيف ينمي الشخصية عند الفتاة، وأن التقاليد والعادات التي يتمسك بها
الأهل ويدعون فتاتهم للتمسك بها بالية ويجب أن نتخلص منها. وكذلك باقي الكتابات
التي قدمت لي، كان هذا العرض في منتصف التسعينات وقد أخبرتهم برفضي لتقديم عمل
يعارض مبادئي التي تربيت عليها، وما زلت مستمراً والحمد لله في تقديم الأعمال
التي أرضي بها ضميري وربي من خلال عملي الحالي كفنان ملتزم.