رئيس الوزراء الصهيوني يلتقي بوش في واشنطن:
لقاء النوايا السيئة
كان اللقاء بين إيهود أولمرت وجورج بوش في العاصمة واشنطن
خلال شهر تشرين الثاني/نوفمبر الماضي لقاء لتبادل العزاء، وفي الوقت نفسه لوضع
مجموعة من التفاهمات حول جملة القضايا الأساسية ذات الهمّ المشترك بين تل أبيب
وواشنطن.
بوش يعزّي أولمرت في خسارته في حرب لبنان، على الرغم من الدعم العسكري والسياسي
الذي وفّرته الإدارة الأمريكية لسلطات الاحتلال. وأولمرت يعزّي بوش في هزيمته
التي ألحقها به الأمريكيون في الانتخابات النصفية لمجلسي النواب والشيوخ، وهو
ما بات يلقي بمزيد من القيود على الحركة السياسية لجورج بوش وإدارته للسنتين
القادمتين.
بين أولمرت وبوش مجموعة من القواسم المشتركة: أولمرت يعاني من أوضاع سياسية
داخلية صعبة.. شعبيته تتراجع ووزير دفاعه مهدّد، ورئيس أركانه سيئ السمعة وجيشه
مهزوم والتهديد الاستراتيجي لكيانه من المقاومة في فلسطين ولبنان وإيران وسوريا
يطرق أبوابه.
وبوش مثله، شعبيته تتراجع واضطر للتخلي عن صديقه وحليفه وزير الدفاع رامسفليد،
وقواته العسكرية تهزم كل يوم في العراق وأفغانستان، والتهديد الاستراتيجي يطرق
أبوابه في آسيا وأمريكا اللاتينية ومن إيران والعراق، ومشروعه ((الجديد)) للشرق
الأوسط تعثّر أو تمزّق.
الرجلان مكبلان بأكثر من عقدة، لكن لأن لديهما هواجس ومخاوف وقواسم مشتركة
وأهدافاً عدوانية فقد اتسمت المحادثات بينهما بشيء من الصراحة حول المستقبل.
ولأن إمكانياتهما باتت قليلة بعد سلسلة الإخفاقات والهزائم فقد حاولا الثبات
((سياسياً ومبدئياً)) عند بعض القضايا، ونسجا جملة من التفاهمات بانتظار شيئين:
تحسّن الأوضاع لمصلحتهما، أو الإعداد لمغامرة تتناسب مع التهديدات الاستراتيجية
لهما.
اللقاءات بين أولمرت وبوش ومن معهما ركزت على قضايا: فلسطين ولبنان وسوريا
والعراق وإيران.
في الموضوع الفلسطيني انصبت التفاهمات على التالي: لا لمفاوضات جديدة مباشرة،
لا لمؤتمر دولي للسلام، إمكانية المشاركة في قمة إقليمية مصغرة شرط أن تدفع دول
المنطقة الفلسطينيين نحو التعاون، لكن بعد تلبية الفلسطينيين لشروط الحد الأدنى
إسرائيلياً أي الاعتراف بـ(إسرائيل) ونبذ العنف.
من التفاهمات الفلسطينية أيضاً عدم التعاون مع حكومة فلسطينية لا تلبّي الشروط
إلا في الحدود الدنيا. أما الخطوط الأساسية الأمريكية الإسرائيلية المشتركة في
الموضوع الفلسطيني فظلت كما هي، على الأقل تجاه حلّ الدولتين ومبادئ اللجنة
الرباعية وخارطة الطريق.
في الموضوع الإيراني كانت التحليلات مشتركة تجاه الهواجس من القنبلة النووية
الإيرانية، إلا أن التفاهم الأمريكي الإسرائيلي حول إيران انصبّ على التالي:
منع إيران من امتلاك تكنولوجيا نووية مهما كان الثمن، الحصار وعزل إيران هي
سياسة حتمية إذا رفضت طهران التعاون، ضرب إيران عسكرياً أمر وارد بعد استنفاد
السبل.
تعمد أولمرت القول إنه وبوش ((على تفاهم تام حول أهدافهما)) المتعلقة بإيران.
سياسة الاحتواء مع إيران ممكنة، التفاوض ممكن لكن عبر وسطاء في البداية ثم بشكل
مباشر.
إذا رفضت طهران الاستماع فستواجه التالي: قصف أمريكي شديد، وإذا كان متعذراً
ذلك لأسباب عسكرية وسياسية وشعبية أمريكية، فإن واشنطن ستعطي تل أبيب الضوء
الأخضر والإمكانيات والمساعدات لضرب طهران من الآن وحتى الصيف القادم.
استيعات إيران أفضل وأقل ثمناً من المواجهة معها، لكن الاستيعاب مرهون بالتفاهم
مع إيران حول العراق وسوريا وفلسطين ولبنان.
الأزمة في السياسة الأمريكية الإسرائيلية ظهرت تجاه الموقف من سوريا، تفاهم
أولمرت – بوش قضى بتحييد سوريا الآن وإلى وقت متوسط، وعدم فتح قنوات اتصال
مباشرة مع دمشق، لكن إدراج سوريا في خانة الامتحان كي تقدّم دمشق تعاوناً يخدم
الولايات المتحدة في لبنان وفلسطين والعراق.
من المفارقة أن بوش صرّح بعد لقائه بأولمرت أنه يرغب في أن ((نشهد بعض التقدم
في اتجاه السلام من قبل السوريين)). مع العلم أن الإدارة الأمريكية رفضت ومنذ
سنتين أي محاولة لفتح حوار سوري – إسرائيلي.
لقاء بوش – أولمرت فوق نار الأزمات التي تلاحقهما ظل مخيفاً لأنه أخفى أكثر مما
أظهر. المصادر الصهيونية المتابِعة للحوارات أظهرت ميل الرجلين لعمل ما في
المنطقة على رغم كل المخاطر المحدقة. المصادر تقول إن هناك إصراراً أمريكياً
على ضرب إيران، ومع تصاعد أجواء التقارب الأمريكي – الإيراني قد تكون سوريا هي
الهدف لعدوان أمريكي – إسرائيلي جديد. إقرأ كوندوليزا رايس.