مجزرة ((بيت حانون)) المبيتة: أول غيوم اليأس
الصهيونية
القدس/مها عبد الهادي
((الحادثة الأليمة في بيت حانون بقطاع غزة تجر النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي
مرة أخرى إلى مفترق طرق خطير من ناحية تكتيكية واستراتيجية على حد سواء)).
بهذه العبارات وصف المعلق العسكري الصهيوني في صحيفة ((هآرتس)) زئيف شيف نتائج
المجزرة الرهيبة التي ارتكبت في بلدة بيت حانون على يد عناصر جيشه وحكومته.
وأضاف شيف: من ناحية عسكرية ينبغي الاعتراف بأن الجيش الإسرائيلي فشل عملياً في
حربه على صواريخ القسام.
هذه هي حقيقة المشهد. فما زرعه الجيش الصهيوني من دمار ورعب في بيت حانون وما
أبقاه من وراء العملية: ثلاثة وخمسون شهيداً فلسطينياً ومئات الجرحى والمنازل
المهدمة والبيارات المحروقة وتخريب في أجهزة إيصال المياه للمواطنين، كل ذلك من
أجل هدف لم يتحقق، فإطلاق صواريخ القسام استمر.
مجزرة مبيتة
كان الواقع الصهيوني الحائر من حجم التطورات وتغير الوقائع حوله محلياً
وإقليمياً ينبئ بما حصل في غزة وما سيحصل لاحقاً في مناطق أخرى. فهذه المذبحة
الأبشع التي اقترفتها قوات الاحتلال الصهيونية في بيت حانون لم تكن سوى التطبيق
الإرهابي للحظة التي أرادها رئيس الوزراء الصهيوني إيهود أولمرت نتيجة الضيق من
أفعال المقاومة الفلسطينية وتطورها وتبوئها المسرح السياسي في فلسطين. ففي
العشرين من تشرين الأول/أكتوبر 2006 كان أولمرت قد صرح: ((إن الفلسطينيين
يقتربون من ((لحظة الحقيقة)) في علاقاتهم مع إسرائيل)).. وقال للصحفيين على متن
الطائرة التي أقلته آنذاك إلى الدولة العبرية بعد زيارة استمرت ثلاثة أيام
لموسكو ((إن لحظة الحقيقة للفلسطينيين تقترب)).. وأضاف أولمرت موضحاً ماهية
الحقيقة التي يريدها: ((إما أن يقوم أبو مازن بخطوات شجاعة، (أي باتجاه التصعيد
مع حماس وإجبارها على تلبية الشروط الصهيونية والأمريكية)، وإما نفقد جميعاً
الأمل المتبقي))، أي إذا لم يفعل الرئيس الفلسطيني ذلك فعلى الفلسطينيين أن
يتلقوا إذن النتائج. وأوضح أنه ((يتوجب على عباس أن يستعمل كل طاقته وقدرته
التي ما زال يتمتع بها لحمل حماس على القبول بالمطالب الدولية)).
ولا يقلل ذلك من الأهداف التكتيكية التي تتمحور حول مسائل محددة طبقاً للظروف
الملموسة، فعلى سبيل المثال أعلنت حكومة أولمرت أن أهدافها من اجتياح بيت حانون
الذي بدأ أول الشهر الماضي، تتراوح ما بين الضغط للإسراع بالإفراج عن الجندي
الأسير جلعاد شاليت، وتحسين شروط صفقة التبادل الجاري التفاوض بشأنها، وتبهيت
الانتصار الفلسطيني من الصفقة إذا ما نفذت، عبر إعطاء الفلسطينيين درساً لن
ينسوه، بجعلهم يدفعون ثمناً باهظاً لعملية الأسر، يدفعهم التفكير مليون مرة،
قبل الإقدام على عمليات جديدة، وتنفيس الغضب الشعبي في البلدات الصهيونية
الجنوبية التي تعرضت إلى أكثر من 1500 صاروخ وقذيفة منذ ((الانسحاب الصهيوني))
من غزة، وما بين إيقاف إطلاق الصواريخ وتدمير الأنفاق ومنع عمليات تهريب السلاح
وقطع الطريق على تنفيذ الأهداف الفلسطينية للاستفادة من تجربة حزب الله،
والحصول على أسلحة متقدمة خصوصاً في مجال الصواريخ والقذائف.
وذات النبرة كانت قد نقلت على لسان وزير الحرب الصهيوني الذي استخدم مصطلحات
حربية تقرب المعنى الحقيقي للحملة على غزة حيث قال: لن نوافق على تحويل قطاع
غزة إلى جنوب لبنان. ولن نقوم بفحص من يطلق الصواريخ، سنقصف الجميع، ولا يهم
إلى أي منظمة ينتمون. وأضاف: ((إسرائيل لن تسمح بتحوّل القطاع إلى جنوب لبنان
ثانٍ)).
وهذه التصريحات تؤكد بوضوح المضامين الحربية المبيتة على غزة، إضافة لما كشفته
صحيفة ((معاريف)) في 1/1/2006عن أن ((الجيش الصهيوني أعد خطة تدريبات للقتال في
عمق القطاع وذلك بعد أن وصلت لبنان إلى غزة))، على حد زعمه.. بينما كان وزير
الحرب بيرتس ورئيس أركانه الجنرال حلوتس قد ((صادقا –قبل ذلك- على خطة تشمل
تنفيذ عدة عمليات حربية في عدة أماكن مختلفة من القطاع)).. وذلك لأنه ((يجب أن
لا نبقى لا مبالين إزاء ما يجري في غزة.. وحتى لو لم تكن الأمور واضحة إنما يجب
العمل -حربياً- على الأقل إلى أن نرى تغييراً داخلياً هناك))، على حد قولهم.
يضاف إلى ذلك ما كان المعلق العسكري الصهيوني المعروف رون بن يشاي قد أكده قبل
هذه التطورات عندما وثق في ((يديعوت أحرونوت)) مؤكداً: ((في قيادة المنطقة
الجنوبية هناك اليوم خطة متبلورة لعملية عسكرية في غزة قد تشمل إعادة احتلال
محور فيلادلفي -صلاح الدين- وحفر قناة عريضة على امتداد الحدود مع مصر وملأها
بالماء.. إضافة إلى شن عمليات حربية تكنولوجية متطورة ضد الفلسطينيين)).. وأوضح
أيضاً: ((إن هذه العملية تهدف إلى معالجة ثلاثة أهداف. الأول: وضع حد لتهريب
الأسلحة والمتفجرات والمعرفة التكنولوجية التي قد تمكن حماس من أن تعمل بعد ستة
أشهر أو سنة في غزة كما عمل حزب الله في لبنان. والثاني: البحث عن والعمل على
تحييد معظم الصواريخ المضادة للدروع والمتفجرات التي هربت إلى غزة، إضافة إلى
البحث عن الأنفاق التي تستخدم للتهريب. الثالث: وضع حد لقدرة الفلسطينيين على
إطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل)). وكان المتحدثون في الحكومة الصهيونية قد
أجمعوا على إعادة السيطرة على محور فيلادلفي.
فرض حلول صهيونية
أما الهدف الآخر المبيت من وراء الحملة فهو إخراج قطاع غزة من دائرة الصراع حيث
أكدت مصادر صهيونية عدة أن نجاعة العمليات محدودة في منع إطلاق الصواريخ، بل
تحقق عكس المرجو منها، إذ أنها لم تمس بشعبية حماس، بل أضعفت الانتقادات على
أدائها، وأظهرتها بصورة المقاوم للاحتلال الصهيوني، وأضعفت موقف الرئيس عباس،
وأبعدت شبح الحرب الأهلية لدرجة اقتراب المشاورات لتشكيل حكومة وحدة وطنية من
النجاح.
وهو ما دعا إليه أفيغدور ليبرمان زعيم حزب ((إسرائيل بيتنا)) والعنصري المتطرف
الذي دعا إلى المطالبة بأن يسير الحل السياسي مع الحل العسكري، والحل السياسي
الذي يقصده ليبرمان هو العمل على إيجاد قيادة بديلة عميلة بين الفلسطينيين تحل
محل القيادة الحالية، وإخراج قطاع غزة من دائرة الصراع يهدف إلى فرض الحل
الصهيوني المرسوم والذي أخذ أشكالاً مختلفة طوال السنوات الماضية، من محاولة
باراك لفرض الحل النهائي على مقاس الشروط والأهداف والمصالح الصهيونية العام
2000 في مؤتمر كامب ديفيد، إلى شن الحرب على الفلسطينيين لإجبارهم بالقوة على
قبول ما رفضوه على طاولة المفاوضات، إلى محاولات شارون لتطبيق أهداف سلفه من
خلال توسيع الحرب ضد الفلسطينيين والعمل على تغيير وعيهم وقيادتهم لفرض مشروع
شارون الذي كان يعرف باسم الحل الانتقالي طويل الأمد متعدد المراحل، ثم أخذ
يعرف بالخطوات أحادية الجانب التي بدأت بفك الارتباط من قطاع غزة، وكان من
المقرر استكمالها بتطبيق خطة الانطواء في الضفة. وذات المرتكزات الصهيونية لا
تزال مستمرة بصرف النظر عمن يحكم الدولة العبرية، فالاستيطان مستمر، والجدار
يستكمل، وتقطيع الأوصال للأراضي الفلسطينية وجعل حياة الفلسطينيين جحيماً لا
يطاق مستمر، وتهويد القدس وفصلها عن بقية الأراضي المحتلة يتعمق كل يوم. أما
الخلاف بين المشاريع الصهيونية فهو حول المدى والأشكال والمسميات.
أما الحقيقة الكبيرة الأخرى التي تقف وراء هذه الحملة والمجزرة فهي الرابطة ما
بين فلسطين ولبنان كما عبّر عنها تساحي هنغبي رئيس لجنة الحرب والشؤون الخارجية
في الكنيست الصهيوني الذي قال ((إن عملية بيت حانون أطلقت بعد استخلاص العبر
مما حصل خلال حرب لبنان هذا الصيف))، و((إن ما حصل في لبنان مع حزب الله علمنا
أن الانتظار دون القيام بشيء على مدى سنوات يمكن أن يكلفنا غالياً جداً)). وأكد
هنغبي للإذاعة العبرية أن حرباً مع الفلسطينيين لا مفر منها، ويجب الاستعداد
لها.
الوضع الصهيوني الداخلي
التباينات المشروعة في الآراء بين المستويين السياسي والعسكري الصهيوني حول
ضرورة شن عملية عسكرية واسعة النطاق في قطاع غزة تحولت إلى جزء من صراع البقاء
غير المشروع الذي يقوده أولئك الذين أداروا حرب لبنان الثانية، وهو ما جاء في
صحيفة ((هآرتس)) 2/11/2006 تحت عنوان ((ما الذي يُحرك الجيش الإسرائيلي)).
كل هذه الظروف قادت لدق طبول الحرب على غزة بدأها رئيس الأركان الصهيوني دان
حالوتس، الذي طالب صراحة بإيجاد حل عسكري لمسألة إطلاق الصواريخ من قطاع غزة
باتجاه المدن الصهيوني. وهذا الحل من وجهة نظره يتمثل في عملية برية مستمرة
وعميقة في القطاع. ولتبرير هذا الهجوم العسكري ادعى حالوتس أن القطاع تحول إلى
مركز لتجميع السلاح من مختلف الأصناف، بما في ذلك صواريخ كاتيوشا وغراد،
وصواريخ مضادة للدروع وأخرى مضادة للطيران، مع وجود مدربين عسكريين مؤهلين،
تلقوا تدريبهم في الخارج على أيدي الإيرانيين ورجال حزب الله.
وحسب وجهة النظر هذه فلا بد من العمل السريع والجذري في القطاع، حتى لا تواجه
الدولة العبرية مرة أخرى مفاجأة ((سيئة)) كالتي لقيتها في لبنان، ومن هنا دقت
ساعة الإجهاز على القطاع هيأت له الدبلوماسية الصهيونية في المجتمع الدولي،
وكان في إطارها الشكوى التي تقدمت بها الدولة العبرية مؤخراً إلى مجلس الأمن
الدولي، والتي تتضمن تهديداً باستخدام القوة في إطار ما تقوله إنها ((مضطرة
للدفاع عن نفسها)) والهدف هو الحصول على ضوء أخضر، أو على الأقل مباركة ضمنية
وصمت دولي على عدوانها القادم على غزة وبطبيعة الحال، وفي ظل الوضع الحالي في
القطاع، تستطيع الدولة العبرية الادعاء بسهولة أن هذه المنطقة تقودها العصابات
المسلحة أو ما تسميها ((دولة الإرهاب الفلسطيني)).
فإذن جاءت هذه الحملة التي أطلق عليها قادة الجيش الصهيوني اسم ((غيوم
الخريف))، بعد فترة من التصعيد الإعلامي والسياسي الصهيوني ضد حكومة حماس
وفصائل المقاومة واتهامها بالعمل الدؤوب لإنشاء بنى تحتية عسكرية جدية وحقيقية،
تستفيد من تجربة المقاومة اللبنانية. وفشل التصعيد السياسي والإعلامي في
التحريض على المقاومة دفع الدولة العبرية إلى الارتقاء درجة والانتقال إلى
التصعيد الميداني وزيادة التوتر في القطاع وإيصال الأمور إلى حافة الهاوية عبر
التهديد بإعادة احتلال القطاع وتحديداً الشريط الحدودي الفاصل بين مصر وقطاع
غزة، وهذا التهديد يهدف إلى حثّ مصر على التدخل للعمل ضد المقاومة والتضييق على
نشاطاتها وفعالياتها المختلفة، ويهدف أيضاً إلى دفع الرئيس الفلسطيني للتحرك
والعمل على وقف إطلاق الصواريخ على المستوطنات الصهيونية بحجة أن ذلك يتعارض مع
المصلحة الوطنية ويجلب الويلات على الشعب الفلسطيني.
غيوم اليأس
ومن خلال التعمق في كل الظروف والادعاءات الصهيونية التي سبق التطرق لها سنتوصل
إلى حقيقة أن ((غيوم الخريف)) التي أنتجت مجزرة بيت حانون حملت في طياتها
تعبيراً عن اليأس والإحباط الصهيوني من عدم القدرة على إطلاق سراح الجندي
الأسير جلعاد شاليت على الرغم من كل الضغوط والحصار الخانق المفروض على قطاع
غزة.
كما حملت يأساً صهيونياً من فشل محاولاتها الإيقاع بين الفلسطينيين. فأحد
الأهداف الصهيونية البارزة من الاجتياح الحالي محاولة عرقلة وتعطيل المشاورات
الفلسطينية الرامية لتشكيل حكومة وحدة وطنية. فالوحدة الفلسطينية على أساس وطني
واقعي، ودون قبول صريح ولا رفض حازم للاشتراطات الصهيونية آخر ما تريده الدولة
العبرية.