مجزرة بيت حانون
أشلاء متطايرة.. أقدام وأذرع ورؤوس
((كانوا كلهم نايمين))
بعد الحملة العسكرية العدوانية لجيش
الاحتلال على بيت حانون، خرج جنود الاحتلال دون أن يستطيعوا منع صواريخ القسام
من الانطلاق حتى أثناء الحملة نفسها. وبعد المواجه الشعبية من المقاومين
والمواطنين والنساء والأطفال، خرج العدو متقهقراً حانقاً مصمماً على الانتقام،
خاصة أن سجل صواريخ القسام قد بلغ هذا العام حتى الآن 883 صاروخاً حسب
الإحصاءات الصهيونية، فيما يرى المسؤولون المحليون في البلديات الصهيونية انه
أكثر من هذا الرقم بكثير.
هذا الانتقام لم يكن إلا من المدنيين النيام بعد أسبوع من الأرق تحت دوي قصف
المدافع والطائرات. فارتكب في قصف مباشر للمنازل في بيت حانون فقتل وجرح
العشرات.
المجزرة
عند الخامسة والنصف من فجر يوم الأربعاء
8-11-2006، أطلقت المدفعية الإسرائيلية نيران قذائفها على منازل المواطنين في
بيت حانون وهم نيام، ما أدى إلى سقوط عدد كبير من الشهداء والجرحى جرى نقلهم
إلى مشافي العودة وكمال عدوان والشفاء، فأعلنت تلك المشافي حالة الطوارئ نتيجة
سقوط عدد هائل من الشهداء والجرحى حيث امتلأت الثلاجات بجثث الشهداء غالبيتهم
من عائلة العثامنة.
وقال شهود عيان، إن دبابات الاحتلال قصفت بشكل مباشر، وبعدد كبير من قذائف
المدفعية، ستة منازل لفلسطينيين في بلدة بيت حانون مستهدفة عائلات العثامنة
وأبو عودة والكفارنة وأبو جراد، مهدمةً العديد من المنازل على رؤوس أهلها.
واختلطت جثث وأشلاء الشهداء بالحجارة وأثاث المنازل والدمار الذي تسببت به 11
قذيفة مدفعية أطلقت بشكل متواصل. وسقط معظم الشهداء في منزلَي المواطنين
الشقيقين سعد وسعدي العثامنة في حارة الكفارنة في شارع حمد في بلدة بيت حانون،
حيث كان أغلب الشهداء من الأطفال والنساء كبار السن، وتم انتشال جثث الشهداء من
تحت الأنقاض وتعلوهم الأتربة والغبار.
وقال المتحدث باسم وزارة الصحة الفلسطينية خالد راضي أن جميع الضحايا الثمانية
عشر ينتمون إلى عائلة العثامنة، بينهم ثمانية أطفال وخمس نساء وخمسة رجال،
مشيراً إلى إصابة 60 آخرين بينهم 26 قاصراً، ليرتفع العدد الإجمالي للشهداء إلى
أكثر من 70 شهيداً وحوالي 270 جريحاً.
شهود العيان
قال إبراهيم العثامنة أحد الناجين من
المجزرة ((كانوا كلهم نايمين وسقطت القذائف في غرف النوم)). وأضاف باكياً
((استشهد أشقائي السبعة)). أضاف، وهو يقف مذهولاً في برك الدم والماء بينما
تناثرت على الأرض قطع اللحم البشري ((كنت ذاهباً إلى العمل وكنت ما زلت قريباً
من المنزل عندما سقطت أول قذيفة)). وتابع مرتجفاً ((في البداية ظننت أنه قصف
مثل الذي شهدناه كل يوم خلال الفترة الأخيرة ولكني سمعت بعدها خمسة انفجارات
أخرى)). ويستدرك ((عدت على الفور ورأيت أشياء لا يمكن وصفها، لقد كان هناك بحر
من الدماء)). ثم صرخ ((إنهم مجرمون.. إنها مجزرة)).
إحدى المواطنات من عائلة العثامنة ترقد على سرير الشفاء ولا تدري نوع إصابتها،
فقد لُفّ جميع جسدها بالشاش الأبيض، وتقول ((أخي أصيب وذهبنا لإسعافه بعد إطلاق
قذيفة واحدة، ثم سمعنا أصوات القذائف تنهال علينا، والناس كانوا يتجمعون
للإسعاف والإنقاذ.. أين نحن هل أصبحنا في غابة؟!.. ماذا فعلنا؟! كنا نايمين..
حسبنا الله ونعم الوكيل)).
الطفلة أسماء العثامنة (14 عاماً) ترقد كذلك على سرير بمستشفى وقد امتلأ جسدها
بجروح ناجمة عن شظايا واحمرت عيناها من كثرة البكاء. قالت أسماء ((كنا نائمين
وأيقظنا سقوط قذائف على منزل عمي المجاور، ثم انفجر زجاج نوافذ منزلنا أيضاً)).
مضيفة ((الناس خارج المنزل طلبوا منا الفرار. جرينا من المنزل إلى ممر ضيق..
ثماني قذائف على الأقل سقطت في الشارع.. كنا خايفين من الموت داخل المنزل. لكن
الموت أخذ أمي وأختي خارجه)).
يروي أكرم العثامنة ((لم أستطع أن أصدّق عيني فقد رأيت ابنة أحد أشقائي وقد
فُصل رأسها عن جسدها بينما فقد أحد أشقائي يده)). وقالت عطاف حمد (22 عاماً)
((هذه أكثر مشاهد وصور محزنة شاهدتها على الإطلاق. شاهدنا سيقاناً ورؤوساً
وأيادي مبعثرة في الشارع)).
أسامة أحمد عثامنة، والذي فقد زوجته وشقيقته وأمه وجدته، والذي يمكث في
المستشفى بجانب ابنيه المصابين؛ صخر (14 عاماً) وصائب (12 عاماً)، قال ((في
الساعة الخامسة وخمس وثلاثين دقيقة بالضبط، وبينما كان كل أفراد العائلة
نياماً، إلا أنا حيث كنت أتوضأ للصلاة، سقطت القذيفة الأولى، والتي لم توقع سوى
إصابات بسيطة لكنها دبت الرعب في قلوب أبناء العائلة ليستفيقوا على عجل بحثاً
عن مصدر الصوت، فانهمرت بعدها ثماني قذائف تقريباً خلال عشر دقائق تقريباً))،
وأضاف ((المنظر كان رهيباً، ولا أستطيع أن أصفه رغم أنني لا أتمكن من نسيانه
وبأدق تفاصيله، فقد رأيت طفلة في عامها الثاني، انفصل رأسها عن جسدها وطُحِن.
رأيت أشلاء متطايرة، أقدام وأذرع ورؤوس))، وأضاف ((سمعت صرخة مرعبة، فذهبت إلى
مصدر الصوت لأرى شقيقتي أصيبت بالجزء السفلي من جسدها وقطعت قدمها فهرعت إليها
برفقة ابني البكر؛ يَزن، ربطنا موقع جرحها بمنديلها، ونقلناها بالسيارة إلى
مستشفى بيت حانون، ووقعت قذيفة أخرى فأصبت أنا بشظاياها إصابة بسيطة بكف يدي،
وحينها كانت زوجتي وأولادي وأمي في الشارع على ما أذكر)).
أسامة، الذي فقد 19 عزيزاً عليه، بينهم 15 فرداً من أبناء عائلته، يرثي لحال
اخته ((أختي التي استشهدت كانت أرملة وخلفت وراءها خمس بنات وولد، وأختي التي
أصيبت استشهد زوجها ولها ابنة عمرها عامان ونصف))، ويسأل عن باقي أفراد العائلة
الذين يتلقون العلاج 9 في غزة ومصر وفي أراضي 1948.
الشهيد التاسع عشر في مجزرة بيت حانون كان باسم جاسم (37 عاماً)، فيما بقيت
والدته، ياسمين (62 عاماً) تتلقى العلاج.

التشييع
في موكب جنائزي مهيب شيع عشرات الآلاف من الفلسطينيين جثامين ثمانية عشر شهيداً
قضوا في المجزرة الإسرائيلية في بيت حانون.
انطلقت مسيرة التشييع من مستشفى الشهيد كمال عدوان وهي تحمل جثامين 13 شهيداً،
فيما انطلق موكب آخر يحمل خمسة شهداء من مستشفى بلدة بيت حانون. وخرجت الجماهير
الفلسطينية الغاضبة المنددة بالمجازر الصهيونية باتجاه شارع حمد في بلدة بيت
حانون لإلقاء نظرة الوداع الأخيرة على جثامين الشهداء الطاهرة من عائلة
العثامنة.
وقد شارك في الموكب الآلاف من أبناء الشعب الفلسطيني، وهتف المشاركون في
التشييع منددين بالاحتلال الصهيوني وجرائمه المستمرة، ومطالبين المقاومة
الفلسطينية برد مزلزل في قلب الكيان الصهيوني.
كما شهدت مخيمات الفلسطينيين في الشتات إضرابات عامة ومسيرات شعبية وصلاة
الغائب على أرواح الشهداء بعد صلاة الجمعة.
مسؤولية الاحتلال
ولم يستطع الاحتلال التنصل من جريمته هذه، واعترف بها، معرباً على لسان عدد من
المسؤولين السياسيين منهم رئيس الوزراء إيهود أولمرت، ووزيرة الخارجية تسيبي
ليفني، عن الأسف لما جرى، لكنه أصر على مواصلة عدوان ((غيوم الخريف))، الذي
ارتفعت حصيلة ضحاياه إلى 90 شهيداً و350 جريحاً.
في البداية قال ناطق باسم جيش الاحتلال، أنه ليس هناك ما يثبت أن مصدر القصف
جيش الاحتلال، زاعماً أن السبب قد يكون انفجاراً داخلياً في أحد المنازل.
وزعم قادة الاحتلال أن خللاً في رادار المدفعية كان السبب في المجزرة، متنصلاً
من مسؤولية القتل المتعمد.
وقال داني جيلرمان مندوب (إسرائيل) الدائم لدى الأمم المتحدة ((إن حوادث
مأساوية مثلما حدث في بيت حانون قد تتكرر إذا واصل الفلسطينيون إطلاق القذائف
الصاروخية تجاه إسرائيل)).
وقد عرض القاتل مساعدة الضحية للتكفير عن جريمته، وتم نقل عدد من الجرحى إلى
مستشفى أخيلوف الصهيوني. ولكن المفاجأة كانت أن المستشفيات الإسرائيلية طالبت
أهالي الجرحى بدفع تكاليف العلاج.
وقال باسم عثامنة ((لا يكفى أن ترتكب إسرائيل تلك المجزرة وبدلاً من أن تحاول
التكفير عن ذنوبها وتعالج الجرحى على حسابها، إذا بهم يقدمون فاتورة حساب بآلاف
الدولارات عن كل جريح، وتطالبنا بدفع التكاليف)).
الجدير بالذكر أن السلطة الفلسطينية تعهدت بدفع تكاليف العلاج من أموالها التي
تحتجزها سلطات الاحتلال من أموال الجمارك الفلسطينية، فيما دفعت الحكومة
الفلسطينية أكثر من أربعمائة ألف دولار لبناء المنازل المهدمة.