يفرّون خارج حدود فلسطين:
الصهاينة يتمنّون نزع سلاح حزب الله للأبد
كل من تعوّد رصد
تطورات الأحداث في الكيان الصهيوني، يلمس بوضوح حجم حالة الفزع والهلع التي
تعمّ هذه الدولة في أعقاب تنفيذ حزب الله عملية ((الوعد الصادق))، ونجاحه في
دكّ العمق الصهيوني على نحوٍ لم يجرّبه المغتصبون الصهاينة من قبل؛ الأمر الذي
عنى بالنسبة للكثيرين من صناع القرار في هذه الدولة أنه بعد أكثر من 56 عاماً
على وجود هذه الدولة، فإن وجودها يتهدده الخطر.
الفرار الكبير
حتى قبل أن يشرع حزب الله في قصف العمق الصهيوني بالصواريخ، بدأ الآلاف من
المستوطنين اليهود في شمال فلسطين المحتلة ترك منازلهم والفرار نحو مدن الوسط؛
الأكثر بعداً عن مرمى صواريخ حزب الله. وقد أوجزت إحدى المستوِطنات من مستوطنة
(المطلة)، الأسباب التي دفعتها للفرار على الرغم من أن حزب الله لم يشرع في
القصف، فقالت ((لقد عوّدنا حزب الله على أنه يعني ما يقول، وأنه ينفذ ما يهدد
به. لقد عشت في هذه المدينة 30 عاماً، عرفت خلالها أن الذي يحدد وتيرة الحياة
فيها هو حسن نصر الله وليس أي أحد غيره)). وبعد سقوط صواريخ حزب الله ووصولها
إلى المدن التي لم يتوقع أي مستوطن حتى في أشد الكوابيس أن تصل إليها، بدأ
الفرار الجماعي على نطاق واسع، لدرجة أن الحكومة الصهيونية وبتوصية من الجيش
قررت منع وسائل الإعلام من تغطية الأحداث في شمال فلسطين خوفاً من أن تتم تغطية
عملية الفرار التي لم يتم رصدها بما فيه الكفاية من قبل كاميرات التلفزيون.
وكما يقول مصدر في مكتب رئيس الوزراء الصهيوني إيهود أولمرت، فإن قرار منع
وسائل الإعلام الصهيونية من تغطية عمليات الفرار جاء من أجل عدم حدوث مزيد من
المسّ بمعنويات الجمهور الصهيوني.
المستوطنون الذين فرّوا من الشمال قصدوا أقارب لهم هناك، أو معارف. لكن معظم
المستوطنيين اختاروا الفرار نحو سواحل المدن الجنوبية، على اعتبار أن فرص المسّ
بهذه المدن ستكون قليلة مقارنة مع تلك في الشمال. مستوطنات الشمال تحولت إلى
مناطق أشباح، حيث بدت وكأنها تخضع لنظام حظر التجوال المتواصل. ومن المفارقة،
أن زوجاً من الصهاينة يقيم في مستوطنة (سديروت)، القريبة من قطاع غزة والتي
تتعرض للقصف بواسطة صواريخ ((القسام)) بشكل متواصل، قد قررا قبيل تفجر الأحداث
في الشمال التوجه نحو المنتجعات السياحية في الجليل من أجل الاحتفال بعيد
زواجهما بعيداً، لكنهما فوجئا بأن الصواريخ تلاحقهما أينما توجّها، فقررا
الانتقال إلى منطقة الوسط وتحديداً إلى بلدة ((بات يام)). لكن الذي ضاعف الأمور
تعقيداً هو التأكيدات الصهيونية أن لدى حزب الله صواريخ بإمكانها ضرب تل أبيب،
وهناك من يقول إن هذه الصواريخ بإمكانها ضرب ((بئر السبع)) في الجنوب، الأمر
الذي يعني أن دولة الاحتلال تحولت إلى ساحة مواجهة، وهذا ما لم يحدث حتى في
العام 1948. كل ذلك دفع الكثير من الصهاينة لاستغلال عطلة الصيف والفرار
للخارج. لكن أكثر ما يثير الرعب في أوساط الصهاينة هو إمكانية أن يقوم حزب الله
بضرب المنشآت الحيوية في الدولة العبرية والتي معها يتم شل الدولة مرة وللأبد.
الصهاينة يتساءلون!!
ومن المؤسف حقاً أن أصوات التثبيط المتصاعدة في العالم العربي، تأتي في ظل
تواتر الشهادات بالغة الأهمية التي أدلى بها عدد من قادة الأجهزة الاستخبارية
الإسرائيلية حول تقييمهم لنجاحات المقاومتين الفلسطينية واللبنانية؛ والتي يشعر
معها كل عربي ومسلم بالفخر لانتسابه إلى أمّة تضم هؤلاء المقاومين. فقد قال
كارمي غيلون، الرئيس الأسبق لجهاز المخابرات الإسرائيلية ((الشاباك)) في مقابلة
مع القناة الأولى في التلفزيون الإسرائيلي في 14/7/2006: ((إنني متأكد أن
الحركة الصهيونية لم تكن لتستطيع الإعلان عن قيام دولة (إسرائيل) لو كان قبل
العام 1948 عرب على شاكلة رجال المقاومة الفلسطينية ومقاتلي حزب الله)). يضيف
غيلون ((لولا ما يحدث هو حقيقة ماثلة للعيان، لاعتبرنا أن ما تشهده دولتنا هو
مجرد كابوس قاس، عندما تستنزف طاقتها في مواجهة تنظيمات قليلة الإمكانيات، مع
كل ما نملكه من أسباب القوة)).
ويذهب سلفه في المنصب الجنرال عامي أيالون، والذي كان يشغل في السابق منصب
القائد لسلاح البحرية والنائب عن حزب العمل الإسرائيلي حالياً، بعيداً بقوله
خلال اجتماع لكتلة حزب العمل في البرلمان الإسرائيلي ((يجب أن نكون واعين إلى
أن ما حصل في الشمال وفي الجنوب كان قصوراً. ولكن هاتين العمليتين اللتين
نفذتهما حماس في كرم سالم وحزب الله في الشمال كانتا عمليتي كوماندوز مركبتين
ومهنيتين. أنا رجل عسكري مع ماض جدير، وأقول لكم إني كنت سأفخر بأن أقودهما))
معاريف 16-7-2006. وهناك من جنرالات الصهاينة المتقاعدين من اعتبر ما قامت به
حماس وحزب الله يمثل سبباً كافياً لكي تنطلق دولة الاحتلال لتوقيع اتفاقيات
سلام مع الدول العربية. ويقول الجنرال شلومو غازيت، الرئيس الأسبق لجهاز
الاستخبارات العسكرية ((أمان)) في مقابلة مع الإذاعة الإسرائيلية بتاريخ
15/7/2006: ((إن كان ثمة استنتاج عاجل يتوجب أن نستخلصه من الخزي الذي ألمّ
بدولتنا في المواجهة الحالية مع حزب الله والفلسطينيين، هو أنه يتوجب أن نتوصل
لتسويات سياسية مع الأنظمة العربية الحالية، ودفع الأثمان لقاء ذلك. فيحظر على
(إسرائيل) أن تنتظر حتى يصل المتطرفون إلى سدة الحكم في الدول العربية. إن
تجربتنا القاسية تؤكد باستمرار أننا لا يمكن أن نتوقع في العالم العربي إلا
المفاجآت الصعبة، لذلك فلنتحرك سريعاً لعقد تسوية تقطع الطريق على المتطرفين
العرب من إمكانية استغلال الصراع القائم من أجل الدفع نحو تعاظم قوتهم، فهذا هو
الخطر الاستراتيجي الذي يتوجب علينا ألا نسمح له بالتحقق.. وهذا إلى حد ما
بأيدينا، فكفانا صلفاً وغروراً في غير محله)).
ويسخر إفرايم هليفي الرئيس السابق لجهاز ((الموساد)) من رهانات (إسرائيل) على
إيجاد ((صنائع)) لها في العالم العربي، ويقول في مقابلة مع القناة الأولى في
التلفزيون الإسرائيلي بتاريخ 15/7/2006: ((إن أخطر ما يمكن أن تتوقعه (إسرائيل)
من العرب أن يتوحد الدين مع التوجهات القومية، أن ما نعيشه حالياً يمكن أن يكون
نكتة لما قد نعيشه في المستقبل في حال تواصل المد الإسلامي المقاتل في مواجهة
الدولة العبرية)). ويضيف قائلاً ((أن هذا هو الذي يتوجب أن يقلقنا بشكل كثير،
وللأسف أننا لا نحرك ساكناً في سبيل قطع الطريق على تعاظم هذا الخطر عن طريق
رفضنا إبداء تنازلات ولو شكلية)).
ويحذّر من تصديق قادة الدولة العبرية الذين يعدون الجمهور الإسرائيلي بالقضاء
على حزب الله من أجل السماح بإيجاد بديل لبناني متناغم مع المصالح الصهيونية.
ويقول ((لقد سكرنا من شدة الفرح عندما أعلن شارون بتبجح في العام 1982 أنه طرد
منظمة التحرير من لبنان، لنبكي بعد ذلك عندما فوجئنا أن من حل مكان منظمة
التحرير هو حزب الله، العدو الأكثر خطراً، الذي مرغ أنف دولة بأكملها في
التراب)).
ويحذر وزير الحرب الصهيوني الأسبق موشيه أرنس، من مغبة انضمام شباب المسلمين في
أرجاء العالم للمواجهة ضد دولة الاحتلال. ويقول إن ما ينجزه المتدينون المسلمون
في مواجهتنا سيدفع مئات الملايين من العرب والمسلمين للاندفاع نحو الحرب
المقدسة ضد (إسرائيل). وعلى دولة (إسرائيل) ألا تسمح لأصحاب الدعوات الدينية
بالنجاح في هذه المعركة، هذا يعني تهاوي قدرة الردع الإسرائيلية في مواجهة
العرب والمسلمين، فبعد ذلك سيتجرأ علينا الجميع، عندها سنتحول إلى أضحوكة أمام
دول العالم)).
ضوء أخضر
بمعزل عن المنطق الذي تستند إليه الأطراف العربية الرسمية التي وجهت الانتقادات
لحزب الله في أعقاب قيامه بعملية ((الوعد الصادق))، واعتبار هذه العملية مجرد
((مغامرة))؛ فإنه كان على الذين وجهوا هذه الانتقادات إدراك حجم التوظيف
الإسرائيلي لهذه الانتقادات. ومما لا شك فيه أن الذي يقف على حدود التوظيف
الإسرائيلي لانتقادات الأطراف العربية الرسمية لحزب الله، فأنه سيجد سريعاً أن
الذين وقفوا خلف هذه الانتقادات قد ارتكبوا خطيئة في حق أمتهم. فاللافت للنظر
أن حكام تل أبيب، يرون أن الانتقادات العربية لحزب الله تمثل ((ضوءاً أخضر)) من
قبل النظام العربي الرسمي لـ(إسرائيل) لمواصلة عدوانها البربري على لبنان. وكما
يقول وزير الداخلية الإسرائيلية روني بارعون، وهو أقرب مقربي رئيس الوزراء
الإسرائيلي إيهود أولمرت، فإن تل ابيب قد ((تفاجأت)) من الموقف العربي الرسمي
المنتقد لحزب الله. ويضيف بارعون في تصريحات للإذاعة الإسرائيلية صباح
15/7/2006 ((مما لا شك فيه أن ما نقوم به من عمليات عسكرية في لبنان يلقى
استحساناً من العديد من الدول الهامة في العالم العربي)). ويتابع بصلف ((الحكام
العرب يعون أن معركتنا ضد المتطرفين الإسلاميين في لبنان وفلسطين، هي نفس
معركتهم ضد هؤلاء المتطرفين في بقية الدول العربية، لذلك إننا نتحرك في لبنان
ونحن نعي أن معظم حكومات الدول العربية الهامة تؤيدنا في ذلك)). والذي يثير
المرارة أنه على الرغم من الموقف العربي الرسمي، فإن أحد أهداف الحرب التي
تشنها (إسرائيل) على لبنان هو توجيه رسالة ((تأديبية)) لكل العالم العربي. فقد
نقلت القناة الأولى في التلفزيون الإسرائيلي مساء 14/7/2006، عن الجنرال عاموس
يادلين رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية قوله خلال المداولات التي
جرت في مكتب اولمرت تمهيداً للعملية ضد حزب الله ((يتوجب أن تشكل عملياتنا في
لبنان رسالة قوية لكل الدول العربية سواء التي تجمعنا بها اتفاقيات سلام أو
غيرها، مفادها أن (إسرائيل) قوية لدرجة تمكنها من سحق كل من يحاول تركيعها)).
لكن أكثر مما يعني حكام تل أبيب في هذه المرحلة هو محاولة الدفع نحو بلورة موقف
لبناني داخلي ضاغط على حزب الله، ليس فقط من أجل إعادة الجنديين لـ(إسرائيل)،
بل لإجبار الدولة اللبنانية على نزع سلاح حزب الله بالقوة. وقد عبّرت عن ذلك
بشكل واضح وزيرة الخارجية الصهيونية تسيفي ليفني التي قالت في مقابلة مع
الإذاعة الإسرائيلية صباح 16/7/2006 ((إن أحد مؤشرات نجاح عملياتنا في لبنان هو
تصاعد الدعوات داخل هذا البلد لنزع سلاح حزب الله مرة وللأبد. إن هذا لا يمهد
الطريق لتخليصنا من الأذى الذي يسببه لنا حزب الله فقط، بل، إن هذا سيؤدي إلى
وجود شركاء لنا داخل لبنان نستطيع بالتعاون معهم إحكام الخناق على قوى التطرف
فيه وفي بقية العالم العربي)).