الموقف الدولي من التطورات الأخيرة
في فلسطين ولبنان:
الانقسام العربي على دعم المقاومة يدعم الانحياز الدولي ضدّ القضايا العربية
بون/نبيل شبيب
ازداد الانحياز في المواقف الدولية من الأحداث الجارية، ربما على النقيض ممّا
كانت توحي به التوقّعات تحت تأثير وحشية الهجمة الإسرائيلية وتصعيدها، في
فلسطين ثمّ في لبنان. حتى أن بعض المواقف الانفرادية التي بدت أقلّ انحيازاً
-نسبياً فقط- كما هو الحال مع فرنسا وإيطاليا وأسبانيا، غابت لاحقاً في المواقف
الجماعية، للاتحاد الأوروبي، وما يسمّى اللجنة الرباعية، ثمّ في نطاق ((قمّة
الثمانية)). ويزداد التساؤل من المنظور العربي والإسلامي عن أسباب هذا
الانحياز، وكيف يصدر عن الدول الغربية جنباً إلى جنب مع ادّعاءات الدفاع عن
حقوق الإنسان والمواثيق الدولية وما شابه ذلك. ويجد مثل هذه التساؤلات غالباً
الجواب التعميمي القائل، إن القوى الدولية تتحرّك بميزان المصالح فحسب، ولا تجد
مصالحها مهدّدة من خلال مواقف الانحياز، لا سيّما وأن حكومات الدول العربية
والإسلامية لا تتحدّث بلغة التعامل السياسي الدولي المعتاد، أخذاً وعطاء، وليس
تراجعاً وانصياعاً فحسب. ولكن هل تكفي مسألة المصالح لتفسير الانحياز؟
الموقف والخلفية الاستراتيجية
مع امتداد تحدّي المقاومة للاحتلال العدواني الإسرائيلي من الجنوب إلى الشمال،
واندماج الأحداث التالية لعملية ((الوعد الصادق)) بما تلا عمليةَ ((الوهم
المتبدّد))، تحوّل مجرى الأحداث بصورة سريعة من الزاوية التي حُشرت فيها طويلاً
تحت عنوان ((نزاع بين قوّة احتلال وفلسطينيين دون دولة)) إلى ما كانت عليه
القضيةُ المحورية قبل تفتيتها، أي قبل تحقيق غاية سلسلة من المخطّطات الدولية،
للهبوط بها من مستوى قضية إسلامية وعربية مركزية، إلى حضيض أوسلو فلسطينياً،
وحمأة ((التطبيع)) عربياً. الأحداث الأخيرة مفصل إضافي على الطريق لعودة قضية
فلسطين إلى موقعها المركزي عربياً وإسلامياً، بما يشمل صراعاً إقليمياً صنعه
إيجادُ (إسرائيل) في المنطقة، ويشمل التأثير على مستقبل سائر بلدانها، أنظمة
وشعوباً، وعلى علاقاتها بالعالم حولها. كما جدّدت الأحداث الجارية التركيز على
الوجه الإسلامي للمقاومة، الذي بقي هو العنصر الحاسم في سائر أشكال التعبير
عنها قبل النكبة الأولى، ثمّ أمكن تغييبه طويلاً، ليعود إلى الظهور ابتداء من
الانتفاضة الفلسطينية الأولى بعد سلسلة النكبات العسكرية والسياسية السابقة،
ومن التصدي لاجتياح لبنان في وقت واحد على وجه التقريب.
لا تغيب هذه المعالم عن القوى الدولية من أمريكا الشمالية حتى الاتحاد الروسي
عبر أوروبا، ولا يغيب عنها ما يعنيه ذلك في المستقبل المتوسط والبعيد، فهي لا
تنظر في أحداث قطاع غزة منفصلة عن سواها، ولا في أحداث جنوب لبنان منفصلة عن
سواها، لا من الناحية الجغرافية، ولا من ناحية الأبعاد التاريخية، كما أنّها لا
تفصل قطعاً ما بين سلسلة من القضايا التي تتعلّق بما تسمّيه مصالحها، فتأثير
الأحداث الآنية على مستقبل الصراع حول قضية فلسطين المركزية، لا يمكن انتظار
موقف دولي منه بمعزل عمّا تقدّره القوى الدولية على صعيد مصير التحكّم القائم
منذ عقود بمنابع الطاقة النفطية في الخليج، ولا بمعزل عن مصير السيطرة على
الموقع الجغرافي الإقليمي في الخارطة الاستراتيجية العسكرية منذ إسقاط الدولة
العثمانية، ولا بمعزل عن الإصرار المطلق على احتكار السلاح النووي وتجريد سائر
دول المنطقة من سلاح رادع، بغضّ النظر عن الهوية الآنية للحكم فيها.
إن المواقف والسياسات والمبادرات والضغوط من جانب القوى الدولية، تنطلق دوما،
منفردة حيناً ومجتمعة حيناً آخر، من تلك النظرة الشمولية، مضموناً وبُعداً
تاريخياً ومستقبلياً، ولا قيمة في هذا الإطار لِما يكثر الحديث عنه وتتكرّر
خيبات الأمل بصدده، بشأن تأثير ارتكاب المجازر عسكرياً، وارتفاع عدد الضحايا
المدنيين بصورة وحشية غير مسبوقة، وتدمير البنى التحتية للقضاء على أبسط أسباب
الحياة اليومية، وتجاوز سائر القوانين والأعراف الدولية في عمليّات اغتيال
إجرامية علنية، وعمليات قرصنة تشمل اختطاف وزراء ونواب فلسطينيين أو غير
فلسطينيين.
صحيح أن الوصول إلى التأثير على الرأي العام لدى العامّة من الشعوب، يمكن أن
يؤثّر آجلاً أو عاجلاً على صناعة القرار، ولكن يغيب عن أذهان من يركّزون على
هذه النقطة، أن تجربة فييتنام، لم تسفر مع مرور الزمن عن تثبيت مفعول الرأي
العام في التعامل مع قضايا ((الآخر)) في بلدان ما يُسمّى العالم الثالث، إنما
أسفرت عن استخلاص صانعي القرار الدروس، لإحكام قبضتهم هم على أدوات صناعة الرأي
العام إلى أقصى درجة ممكنة، عبر الهيمنة على مراكز القوى المادية، وهي التي
تصنع القرار من وراء سائر الهياكل السياسية.
قد تكشف جولات الصراع والتنافس بين مراكز القوى المهيمنة عن صور صارخة كما كان
مع أبو غريب، ولكن لا تصنع ذلك دوماً، لا سيّما عند وجود توافق في ميدان آخر،
فتبقى مذبحة ساحل غزة مثلاً وأخواتها دون صدى.
كما أن التقاء تحرّك الرأي العام جماهيرياً في دول أخرى كالدول الإسلامية، عند
التقائه مع السياسات الرسمية ولو جزئياً، كما كان في حدث الإساءة الكاريكاتورية
لمقام النبوة، يمكن أن يترك أثراً كبيراً على الرأي العام وبالتالي على صانع
القرار في ((دول الشمال))، ولكن أوضاع التمزّق السياسي الراهنة في المنطقة،
وتحوّل المصالح العليا إلى مصالح آنية تقتصر على تمديد فترة البقاء في السلطة
المحلية، فضلاً عن الانسياق في تنفيذ كلّ مخطّط خارجي لزيادة التمزّق الداخلي،
مثل إثارة الفتنة الطائفية عبر أحداث العراق وعبر التعامل مع الملفّ النووي
العراقي، جميع ذلك يستحيل أن يؤدّي إلى التأثير قليلاً أو كثيراً على مواقف
القوى الدولية، ليدفعها إلى تخفيف انحيازها، ناهيك عن التخلّي عنه.
تحوّل نوعي في المنطقة
إن عملية ((الوهم المتبدّد)) في الميزان الأوروبي والغربي عموماً، لم تكن عملية
نوعية جريئة للمقاومة في اتجاه التحرّر من قبضة الاحتلال والردّ على ممارساته
العدوانية الوحشية اليومية المتواصلة، وكسر حصار تشارك فيه قوى دولية وإقليمية
تريد كسر إرادة شعب الداخل الفلسطيني التي عبّر عنها في انتخاب حماس، إنما كانت
النظرة الأعمق لتلك العملية، أنها إنذار بتحوّل جذري في موازين ((الرعب
المتبادل)) مثلما كانت ((العمليات الاستشهادية)) في فترة انتفاضة الأقصى على
وجه التخصيص.
ولم يكن الردّ الإسرائيلي التدميري تبعاً لذلك رداً يستهدف تحرير جندي أسير،
كما أن الردّ الرسمي للمواقف الأوروبية والغربية لم يكن تفاعلا مع وحشيّة
العدوان العسكري الجديد، إنما كان بهدف الحيلولة دون أن تتحوّل عملية ((الوهم
المتبدّد)) إلى ((نهج)) يبدّد -عبر عمليات مماثلة- أوهام تصفية قضية فلسطين
بالقوّة. وهذا بالذات ما أعطى عملية ((الوعد الصادق)) بعد فترة وجيزة موقعاً
خطيراً بالمنظور الدولي إلى أبعد الحدود، إذ: لم تطرح عنصر الاستمرارية وارتفاع
موقع المقاومة إلى مستوى نوعيّ جديد فحسب، بل أضافت إلى ذلك عنصر التواصل بين
فعاليات المقاومة وتكاملها، كما أعادت تصحيح صياغة القضية المحورية نفسها، بطرح
يؤكّد ما كانت عليه من البداية، قضية احتلال استيطاني بهدف السيطرة على المنطقة
العربية الإسلامية بمجموعها، رغم التركيز المتواصل على حرب الإبادة والتهجير
وحصار التجويع ضدّ شعب فلسطين من بين شعوبها.
لم يكن خافياً أن بعض القوى الدولية، مثل فرنسا وإيطاليا وروسيا وإسبانيا،
اتخذت في بداية الأحداث مواقف تختلف جزئيا عن مواقف دول أخرى مثل بريطانيا
وألمانيا ناهيك عن الموقف الأمريكي الصادر أصلاً عن الاندماج العضوي
الصهيو-أمريكي، ولكن هذه المواقف المتميّزة بقيت تحت سقف معيّن، حدّدت معالمه
النظرة الشمولية، بتأثير تجاوز تأثير عوامل معتادة في صنع مواقف منفردة، مثل
اختلاف درجة توجيه الرأي العام من بلد إلى آخر، أو الصراع على النفوذ دولياً،
أو ارتفاع نسبة المسلمين بين السكان. هذه العوامل وأشباهها لا تكفي، أو لم تعد
كافية، للتغلّب على مخاوف الدول المعنيّة من تحوّل مجرى الأحداث والتطوّرات في
المنطقة العربية والإسلامية المجاورة، تحوّلاً يوحّد بلدانها على طريق مشترك،
ترسم المقاومة الإسلامية معالمه مرحلة بعد أخرى، وحدثاً بعد حدث، لا سيّما
عندما يتلاقى -ولو على صعيد المستقبل البعيد- مع احتمال بروز قوى إقليمية
معيّنة -مثل إيران- خارج نطاق السيطرة الدولية.
انكشاف الموقف
بقيت المواقف الرسمية للقوى الدولية متفاوتة نسبياً، لا سيّما من حيث دعوة بعض
الدول الأوروبية كفرنسا وأسبانيا ثمّ إيطاليا فضلاً عن روسيا إلى تخفيف قبضة
الحصار على الشعب الفلسطيني في الداخل، واستمرّ ذلك حتى انعقاد ((قمة
الثمانية)) بعد مؤتمر وزراء خارجية الدول العربية مباشرة. وسيّان ما هي الدوافع
التي أدّت إلى إقدام بعض دول المنطقة، إلى تفجير الاجتماع قبل انعقاده، هل هي
المخاوف من تنامي تأثير إيران وما يوصف بالمحور الإيراني-السوري، أم ربط ذلك
بما يثار منذ فترة عمداً في طريق فتنة طائفية مدمّرة، أم العلاقات الوثيقة بين
تلك الدول والولايات المتحدة الأمريكية وبالتالي الحرص على موقف يعطي الذريعة
لموقف دولي صهيو-أمريكي في قمّة الثمانية.. سيّان ما هي الدوافع فالحصيلة
واحدة.
إن استعراض الحرص على الانقسام الرسمي العربي في القاهرة كان بمثابة الوقود
التي اعتمد عليها الموقف الأمريكي المتعنّت أصلا للحيلولة دون تمرير ((عبارة
واحدة)) في موقف مشترك للدول الثمانية، خارج نطاق الانحياز إلى العدوان
الإسرائيلي المتواصل في فلسطين ولبنان، وهو ما يستحيل بقاؤه دون تأثير على مجلس
الأمن الدولي، التي زعم مؤتمر الخارجية العربي أن ((المخرج)) هو في اللجوء
إليه!..
هذا بعض ما جعل التحرّك السياسي الأول الصادر عن القوى الدولية عبر وفود مرسلة
إلى المنطقة، لا يطرح على الإطلاق سوى تلبية المطالب الإسرائيلية.. دون مقابل،
وهو تحرّك قابل أن يتبدّل تدريجياً، على مضض، إذا ما ظهر من مجرى الأحداث، أن
ما يوصف في هذه الأثناء بتوازن الرعب بين قوّتين غير متكافئتين، يؤدّي مفعوله
على الإسرائيليين داخلياً، ويضطرهم اضطراراً إلى التراجع، فآنذاك ستكون المواقف
الدولية هي المدخل إلى ((الخروج من مغامرة إسرائيلية غير محسوبة)).
وعلاوة على المفعول السلبي لمؤتمر الخارجية العربي، سهّل الانحيازَ الدولي
افتقادُ ((الثورة الجماهيرية)) في البلدان الإسلامية، حيث بدا أن الشعوب تعيش
-أو لا تعيش- تحت تأثير سيطرة الصدمة عليها، من ((هول)) ما يجري من أحداث دموية
من جهة، و((هول)) ما تعنيه تلك النقلة الرسمية لبعض البلدان العربية من ((حصار
وراء ستار رقيق)) إلى عداء سافر علني للمقاومة الإسلامية، المحتضنة شعبياً، على
امتداد الأرض العربية والإسلامية، وليس فلسطينياً ولبنانياً فقط، لا سيّما وأن
هذه النقلة جاءت أثناء خوض المقاومة معركة مصيرية من حيث تأثيرها على مستقبل
المنطقة بأسرها.
إن هول الصدمة يمكن أن يبقى لفترة، ولكنّه يمكن بالمقابل أن يحوّل التحرّك
الجماهيري المنتظَر منذ زمن طويل إلى انفجار واسع النطاق. ويبدو أن المخاوف من
ذلك بدأت تؤثّر ولو جزئياً على مواقف بعض الأنظمة العربية.
ولكنّ التحرّك الشعبي لا ينتقل من حالة السكون إلى حالة ((الثورة)) تلقائياً في
أي قضية من القضايا، إنما يصنعه تحرّك ما يُسمّى النخب، وهي في الوقت الحاضر
على حالة من الانقسام فيما بين اتجاهاتها وتياراتها، أو على مستوى نوعي من
التحرّك دون ما يتطلّبه التخطيط والتنظيم والتكامل والتوجيه إلى حدّ بعيد،
ليصنع تحرّكا جماهيريا مؤثراً. وحتى في بعض البلدان التي تتحرّك ((النخب)) فيها
لانتزاع بعض الحقوق من السلطة، لا يزال التحرّك إنما انفرادياً يرتبط بحقوق كلّ
فئة على حدة، مع ضعف المواجهة الانفرادية تجاه السلطات وقمعها، أو هو تحرّك
حزبي ينطوي على عناصر الصراع أضعاف ما ينطوي عليه من عناصر التعاون.
هذا بعض ما يثير الاستغراب عندما يخاطب بعض أفراد تلك النخب الجماهير العربية
والإسلامية بلسان اللوم والاستنكار عن أسباب استمرار غفوتها وسط بحر الأحداث
الدامية المصيرية حولها، إنما لا ينبغي لتلك النخب أن تستغرب أن يظهر على
المستوى الشعبي مباشرات، نخب بديلة، وقيادات بديلة، بمواصفات أخرى.
إنّ قسطا كبيرا من صناعة مستقبل تحمل مسؤوليته تلك ((النخب)) أولاً، فإذا ظهر
في صفوفها أو من خارج صفوفها، مَن يحوّل الطاقات الشعبية الكامنة، إلى طاقات
فاعلة، كما تحقّق على مستوى المقاومة الإسلامية بفلسطين ولبنان، فآنذاك لا تبقى
صيحات استغاثة الضحايا دون صدى، ولا تبقى المقاومة الميدانية منفردة بالميدان،
ولا تبقى القضايا المصيرية موضع العبث من جانب مَن يتعاملون مع المسرح الدولي
بأدوار ((الخشبة الأرضية والمؤثرات الصوتية)) فحسب.