قراءة في تداعيات عملية ((الوهم المتبدد))
وأسباب
ونتائج الرد الصهيوني سياسياً وأمنياً
القدس/مها عبد الهادي
خلطت الأحداث التي وقعت مساء الخامس والعشرين من شهر كانون ثاني/يناير 2006
الأوراق السياسية والأمنية والعسكرية على المستوى المحلي الفلسطيني والإقليمي
والدولي، فضلاً عن تأثيرها على الكيان الصهيوني بعدما وجهت عملية ((الوهم
المتبدد)) التي نفذتها ((كتائب القسام)) الذراع المسلحة لحركة حماس بمشاركة
((ألوية الناصر صلاح الدين)) و((الجيش الإسلامي)) صفعة قاسية لقوة الردع ولهيبة
الجيش الصهيوني الذي يمثّل عصب الدولة العبرية ودرعها الحامي، والذي يُعد أيضاً
أقوى جيش في المنطقة، ورابع أقوى جيش في العالم.
فقد تعرضت قوة الردع تلك إلى اختبار قاسٍ جداً، منذ أن نجحت قوى المقاومة في
ذلك اليوم بأسر الجندي الصهيوني جلعاد شاليت وقتل وإصابة آخرين، في قلب قاعدة
عسكرية في جنوب فلسطين، وبعد أن فشل هذا الجيش رغم قوته العسكرية والأمنية في
استرجاع جنديه الأسير في قطاع غزة الذي يتعرض للاجتياح والقصف من البر والبحر
والجو ليلاً نهاراً.
والتحدي الآخر الأكبر الذي تمكنت قوى المقاومة الفلسطينية من تحقيقه كان
استمرار وصول صواريخها إلى المستوطنات الصهيونية بما فيها مدينة عسقلان، رغم
الغطاء الجوي الصهيوني والانتشار العسكري المكثف شمال القطاع بعمق (6 كلم)، وهو
شاهد آخر على فشل قدرة الردع الصهيونية، يعترف به الصهاينة أنفسهم، وهو ما أكده
تصريح لقائد سلاح الطيران الصهيوني مؤخراً ((أنه لن يوقف إطلاق صواريخ
((القسام)) من غزة لا عملية جوية ولا عملية برية)). هذا في الوقت الذي تتمتع
فيه المقاومة الفلسطينية رغم ضعف إمكاناتها بروح معنوية عالية وتصميم عجيب على
المواجهة وعدم التنازل عن مبادلة الأسرى، يدعمها في ذلك تأييد شعبي عارم رغم
حجم التضحيات والدمار بفعل آلة حرب جيش الاحتلال.
فواقع الحال يشهد بأن الشعب الفلسطيني رغم القصف والدمار ما زال يحتضن
المقاومة، ولا زال 80% من الفلسطينيين يرفضون تسليم الجندي إلا مقابل إطلاق
سراح أسرى فلسطينيين وعرب داخل سجون الاحتلال، وهو ما يقول بفشل أهداف الصهاينة
من وراء قتل المدنيين، وتدمير البنى التحتية والمنشآت الحيوية. فما كان يسعى
إليه الصهاينة يتمثل في خلق حالة من التذمر في صفوف المدنيين، يتحول تدريجياً
للضغط على المقاومة التي يعلم الاحتلال أنها تتنفس من رئة الشعب وتتحرك في
حضنه، أي خلق مزاج عام رافض للمقاومة وهو ما لم يتحقق.
بل وإن توقيت العملية ذاتها ساهم في زيادة الدعم الشعبي لها. فمنذ عدة أسابيع
وقوات الاحتلال الصهيوني توغل في دماء الفلسطينيين صباح مساء، دون أن تميز بين
طفل وشاب، وبين امرأة حامل وشاب مقاتل. أكثر من ذلك فقد دلت حوادث الاغتيال
والقصف في الآونة الأخيرة على استهداف طائرات الاحتلال ودباباته لعائلات كاملة
آمنة في بيوتها أو مستجمة على شواطئ البحر. ومن هنا جاءت عملية ((الوهم
المتبدد)) لترغم الدولة العبرية على دفع ((ثمن الغطرسة)).
أهداف تتجاوز الأسير
المتابع لتداعيات أسر الجندي الصهيوني يجد بأن الحملة التي شنتها الحكومة
الصهيونية على الفلسطينيين تجاوزت موضوع الجندي الأسير إلى موضوع حكومة حماس،
ولو كان غير ذلك لكان موقف رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس (أبو مازن)
كافياً، حسب كل المعايير الفلسطينية الداخلية للوصول إلى تحرير الجندي.
لكن التصعيد الصهيوني أفشل جهود أبو مازن، وأوصل الأزمة إلى مستويات أكثر
تعقيداً، ووصل إلى فصل جديد من حرب تصفية القضية الفلسطينية يستند إلى محورين:
أولاً: تحطيم البنية التحتية بدءاً بتدمير محطة الكهرباء المركزية التي تمس
مجمل فروع الحياة الطبيعية للمجتمع الفلسطيني، مروراً بتدمير الجسور، واحتلال
المطار والمعابر الحدودية، وحظر الدخول والخروج للبشر والمواد الغذائية
والأدوية والوقود، وتقسيم قطاع غزة إلى ثلاث مناطق معزولة عن بعضها، وصولاً إلى
إنذار 25 ألفاً من مواطني بيت حانون وبيت لاهيا بمغادرة منازلهم، قبل أن
يتعرضوا لخطر الموت.
ثانياً: تحطيم السلطة والحكومة ورموز الكيان الفلسطيني، بدءا بشلّ السلطة، عبر
اعتقال ثلث الوزراء، وأكثر من 42 من نواب المجلس التشريعي، والعشرات من
القيادات الدينية والمجتمعية ورؤساء البلديات المنتخبة، مروراً بتقييد حركة
رموز السلطة والمنظمة، وقصف مكتب رئيس الوزراء ووزير الداخلية ووزير الخارجية
ومقرات الأمن الوقائي التابعة للقوة التنفيذية، وصولا لإطلاق الإنذارات، وسلسلة
لا تنتهي من التهديد والوعيد المحددة بزمن كل هذه الأشكال من العدوان، ما يدل
على وجود أهداف إسرائيلية كبرى ومتعددة، مباشرة واستراتيجية..
وباختصار نقول إن السبب الذي أعلنته الحكومة الصهيونية لإعلان هذه الحرب نظرياً
هو أسر جندي صهيوني واحد، والشرط المعلن لوقف الحرب أو استمرارها ودخولها في
أطوار أشد وأقسى هو الإفراج عن الجندي دون شروط مسبقة أو عدم الإفراج عنه. لكن
الهدف الرئيس انتقل من مهمة إطلاق سراح الجندي إلى مهمة تدمير البنية التحتية
لقوى المقاومة الفلسطينية التي تطلق صواريخها على أهداف صهيونية قرب الحدود مع
القطاع. وهكذا انتقلت الحملة الصهيونية من جنوب القطاع إلى شماله وتمركزت في
تلك الرقعة من الأرض التي تطلق منها الصواريخ عادة، فاقتحمتها ونصبت فيها
قواتها. ومع مرور الوقت، تمّت إضافة هدف ثالث جديد، ولم تعد المهمة ترتكز
تحديداً على إطلاق سراح الجندي بل تخطتها تماماً، كما لم تعد تتحدد في توسيع
رقعة المنطقة العازلة لمنع وصول صواريخ المقاومة إلى قرى ومدن العدو الحدودية
مع القطاع. وجاء الإعلان عن الهدف الثالث للعملية العسكرية الصهيونية، عبر
التصريحات الأخيرة التي صدرت بوضوح عن القيادة العسكرية ((باستهداف مراكز سلطة
حماس، عبر تدمير قدرات الحركة العسكرية والتنظيمية وعناوينها السياسية)).
وهناك العديد من الدلائل الأخرى التي تؤكد أن هدف العملية الصهيونية يتجاوز
قضية أسر الجندي ومنها:
1- إن العدوان الشامل وعمليات التدمير والقتل لا تساعد على إطلاق سراح الجندي
الأسير، ولا على ضمان سلامته، بل تجعل حياته مهددة أكثر بما لا يقاس من الشروع
بالمفاوضات حول شروط إطلاق سراحه. فإذا عرفت قوات الاحتلال مكانه وحاولت
اقتحامه، ستسرّع في قتله.
2- ما نشرته الصحف الصهيونية خاصة ((يديعوت أحرونوت)) من أخبار حول خطة صهيونية
تستهدف قطاع غزة، وتشمل كل أشكال العدوان، كما يجري حالياً. وكان من المفترض
تنفيذها -حسب المصادر الصهيونية- قبل أسر الجندي بأيام قليلة.
3- اعتبار الحكومة الصهيونية العدوان الحالي بأنه جزء من تطبيق خطة حملت اسم
((السهم الجنوبي))، وضعتها وأقرتها قيادة جيش الاحتلال منذ عدة أشهر. وهي خطة
تشمل عدة مراحل، تبدأ بالقصف وعمليات الاغتيال، وضرب البنية التحتية وتشديد
الحصار، وتصل إلى تقسيم قطاع غزة إلى عدة أقسام منفصلة عن بعضها. ويمكن أن تصل
الخطة بمراحلها الأخيرة إلى إعادة احتلال المناطق التي انسحبت منها قوات
الاحتلال، أو أجزاء واسعة منها، لفترات مختلفة، وحسبما تقتضي مصلحة الدولة
العبرية وأهدافها، والحفاظ على أمن احتلالها وديمومته. وكانت الخطة المذكورة
تتذرع أساساً بالسعي لمنع إطلاق القذائف والصواريخ من قطاع غزة ضد جنوب فلسطين
المحتلة.
4- التصريحات التي أدلى بها عدد من الوزراء في الكيان الصهيوني تدعم الأهداف
الاستراتيجية للعدوان الحالي. فقد جاء في تصريحات للوزيرين بنيامين بن أليعازر
وآفي ديختر أن العملية تستهدف إسقاط حكومة حماس. أضاف بن أليعازر أنها تستهدف
ليس فقط الضغط لإطلاق سراح الجندي الأسير، وإنما إسقاط حكومة حماس، لأن أبو
مازن لم يستطع إسقاطها، ولم يدعُ لانتخابات مبكرة.
أما الهدف السياسي الذي أعلنه إيهود أولمرت زعيم حزب ((كاديما)) ورئيس الحكومة
من خلال هذه الحرب فهو تمرير خطة الانسحاب الأحادي (الانطواء)، من خلال استدراج
الأحزاب المؤتلفة معه في الحكومة (العمل والمتقاعدين)، وإسكات الأصوات المتطرفة
في معسكر اليمين المتطرف، القومي والديني. وكان البروفيسور مارتين فان كرفيلد؛
أستاذ الدراسات العسكرية في كلية التاريخ في الجامعة العبرية، وأحد كبار
المتخصصين في الاستراتيجية العسكرية، طرح مثل هذه الخيارات بوقت مبكر، داعياً
إلى توجيه ضربة قاسية للفلسطينيين للانفصال نهائياً عنهم. وبحسب فان كرفيلد:
((لا جسور مفتوحة ولا علاقات اقتصادية ولا سياسية. فصل مطلق على مدار جيل أو
جيلين، أو وفقاً لما يحتاجه الأمر، لإعادة ميزان الردع. هذه الأمور يجب أن
ننفذها بسرعة مطلقة وبقوة ودون أن نتأسف. أنا في مثل هذه الحالة سأستعمل
المدفعية وليس الطيران، لأنني أريد أن أنظر في عيونهم، إذ لا فائدة من هذه
الحملة إن لم تبرهن بأعمالك أنك يمكن أن تعمل كل شيء. علينا أن نضربهم بقسوة
بكل ما بوسعنا حتى لا نعود إلى ذلك، وحتى لا يهاجموننا من الخلف عند خروجنا،
علينا أن نضرب بكل قوة وقسوة بحيث لا نحتاج إلى ضربة ثانية. من الأفضل جريمة
واحدة وثقيلة نخرج بعدها ونغلق الأبواب من خلفنا))، (إمتساع حضيرة - 8/3/2002).
وخارجياً يتوخى أولمرت في هذه المناخات الحربية، ترويج خطته (الانطواء) بعد أن
لاقت تحفظاً في واشنطن ولندن، ولدى اللجنة الرباعية بدعوى أنه لا يوجد شريك
للتسوية، وأن على الدولة العبرية التحرك وحدها لتحديد حدودها، والدفاع عن
أمنها، وفرض التسوية من طرف واحد، بحسب مصالحها ورؤاها، وإلى أمد بعيد، إلى حين
نضوج الظروف التي تتيح استئناف المفاوضات مع الفلسطينيين، بعد أن يكون الزمن
فعل فعله على كافة المستويات.
وهذه المخططات لم تكن بعيدة عن دوائر الإعلام الصهيونية، وهو ذاته ما ذكره
أيضاً أليكس فيشمان؛ المحرر العسكري في ((يديعوت أحرونوت)) في مقال له بتاريخ
21/6 عن ملامح خطة متدحرجة وضعها الجيش الصهيوني لاجتياح قطاع غزة، وأنه تدرّب
عليها وجهّز لها، مؤكداً بأن الأمر بات ينتظر ((الفرصة الملائمة)).
ومن هنا يمكن أن نلمح من حجم العملية العسكرية في غزة، واستهدافاتها، وطريقة
تنفيذها، أن الدولة العبرية بيّتت لعمل كبير، لا يقتصر على فرض العقاب الجماعي
على الفلسطينيين، لكسر إرادتهم وتطويعهم فقط، ولا على توجيه ضربة قاسية لبنية
المقاومة فحسب، وإنما هو يشمل أيضاً خلق المناخات المناسبة، عند الصهاينة
والفلسطينيين، وعلى الصعيدين الدولي والإقليمي، لفرض الحل الأحادي، الذي يتضمن
فرض وقائع جديدة في الأراضي المحتلة، تتيح للدولة العبرية تحديد حدودها، وفرض
تسوية طويلة الأمد، وفق مصطلحات الاحتلال المريح، برضى الفلسطينيين أو رغماً
عنهم.
نهوض للمقاومة
وعلى المستوى السياسي العربي تبين أن الوزن السياسي الرسمي العربي لم يستطع حتى
انتزاع قرار أممي لإدانة العدوان ولم يستطع هذا الموقف أن يقنع أحداً بأن لا
يشارك في حصار الشعب الفلسطيني وحكومته مادياً ومعنوياً.
وللأسف الشديد أن تلك السياسة العربية المتراجعة حولت قضية الشعب الفلسطيني إلى
مجرد قضية رواتب ودقيق، وحولتها إلى مجرد السماح بدخول بعض المواد الغذائية
والمحروقات، في الوقت الذي يجري فيه تدمير البنية التحتية، وبالتالي قتل بطيء
للشعب الفلسطيني لجرّه نحو القبول بإملاءات صهيونية لحلول استسلامية.
أما شعبياً فقد أفشلت العملية الجهادية جهود الصهاينة لإقامة علاقات مع الدول
العربية، كما بددت وهمَ الضعف العربي وعدم القدرة على النهوض. كما أثبتت فشل
الحلول الاستسلامية المنبثقة من القمم العربية أو الأنظمة، وأكدت أن لا شرعية
لغير المقاومة وأنه ليس بالإمكان ترويض المقاومة الفلسطينية عربياً، لتصبح
جزءاً من العملية الاستسلامية.
وقد أثبتت الشعوب العربية استحالة استسلامها للقهر والتسليم بالواقع الذليل.
فالأنظمة العربية شعرت بأن عروشها تهتز، وبأن نجاح عملية تبادل الأسرى ضربة
لها، فسارعت بعض هذه الأنظمة لتتوسط نيابة عن الصهاينة، وانحازت للمطلب
الصهيوني، بدلاً من انحيازها ودعمها للمطلب الفلسطيني وتدعيمه، وهو ما حذا
بالمفاوضين نيابة عن المقاومين بالانسحاب من المفاوضات.
أما فلسطينياً فقد زاد رصيد المقاومة أولاً أضعافاً مضاعفة، إذ لا يختلف
فلسطيني واحد حول مطلب الإفراج عن عشرة آلاف معتقل فلسطيني أو إطلاق فوري لسراح
الأطفال والنساء والمرضى والأسرى الذين أمضوا عشرين عاماً فما فوق في غياهب
السجون الصهيونية.
ونجح العدوان الصهيوني الوحشي في توحيد الشعب الفلسطيني، فقد ثبت أن آلة الحرب
الصهيونية التي تولت محاولة تدمير إرادته مُوقِعة به خسائر شديدة لجعل المطلب
في اتجاه واحد لم تستطع ليّ ذراعه وتحطيم إرادته.
وواقع الأرقام يشهد بأنه وبعد الانسحاب الصهيوني من قطاع غزة وحتى الآن، أطلقت
قوات الاحتلال ما معدله 110 قذائف مدفعية ثقيلة وصاروخية يومياً، وقتلت، حتى
منتصف شهر تموز/يوليو، 238 مواطناً أغلبيتهم من المدنيين الأبرياء واعتقلت
حوالي 400 مواطن، وحولت ثلث مساحة القطاع إلى منطقة أمنية يحظر زراعتها أو
التواجد داخلها، عدا عن الحصار الجوي والبحري والبري الذي حول القطاع إلى معسكر
للاعتقال، وعدا عن تدمير البنية التحتية وخاصة الكهرباء بعد عملية أسر الجندي.
ماذا كانت النتيجة؟ إطلاق المقاومة 436 قذيفة محلية الصنع وتنفيذ 7 عمليات وقتل
19 جندياً ومدنياً وإصابة 217 صهيونياً-وفقاً لمنظمة ((بيتسليم))-.
ولا شك أن المعطيات الرقمية تؤكد فشل نظرية الردع للمرة الألف، وتبين في الوقت
نفسه أن التصعيد والخنق قادا إلى تراجع فصائل المقاومة عن الهدنة، ودفعاها
لمعاودة الهجمات وتصعيدها وصولاً إلى اقتحام موقع عسكري وأسر الجندي. وكان من
المنطقي أن يفشل مع نظرية الردع، مشروع الانفصال من طرف واحد وكل أشكال التنكر
للحقوق الفلسطينية.