بين فكّي كماشة حماس وحزب الله:
الاحتلال خائف على مستقبله
بيروت / رأفت مرة
اختلّ ميزان الاحتلال الصهيوني واهتزّ وضعه الأمني خلال ثلاث أسابيع مرّتين:
الأولى وقت أسر الجندي جلعاد شاليت في قطاع غزة، والثانية وقت أسر جنديين
صهيونيين في جنوب لبنان. أصيبت الحكومة الصهيونية بنوع من ((الهستيريا)) نتيجة
المستوى العسكري والأمني الراقي الذي نفذت فيهما العمليتان.
الهستيريا أتت نتيجة الإخفاق الأمني – الاستخباري في معرفة موعد ومكان تنفيذ
العمليتين، وفي الفشل العسكري الذي أصاب جيش الاحتلال الذي يصنف من أقوى جيوش
العالم، إذ باغتت الأجنحة العسكرية جنود الاحتلال، وقتلت وجرحت منهم ما تيسّر،
وأخرجت ثلاث جنود أحياء في دقائق قليلة، ما شكّل صفعة للقوة الصهيونية وإهانة
لما يدّعيه الاحتلال من مستوى متقدّم وكفاءة نوعية لجنوده.
حرب على المدنيين
الإهانة المباشرة للمؤسسة العسكرية الصهيونية ردّت عليها الحكومة الصهيونية
بقرار إعلان حرب شاملة على الفلسطينيين واللبنانيين. ومن سير عمليات العدوان
ومن نوعية الأسلحة المستخدمة ومن توقيت عمليات القصف واستهداف المدنيين، اتضح
أن الاحتلال الصهيوني لم يهدف من وراء عدوانه استرجاع الجنود الأسرى أو التمهيد
للبدء في عملية التبادل، بل سعى للانتقام من الشعبين الفلسطيني واللبناني، وكسر
إرادة الصمود في فلسطين ولبنان، والثأر من الهزائم القديمة التي لحقت به بعد
إخراجه من جنون لبنان عام 2000 ومن غزة عام 2005.
وتعمّد العدو ضرب البنية التحتية واستهداف كل ما له طابع مدني. ففي غزة استهدف
العدوان الإسرائيلي محطات الكهرباء وأنابيب المياه ومقرات وزارات الداخلية
والخارجية والاقتصاد، وعمل على ضرب الجامعات والمدارس والجسور والطرقات.
وفي لبنان، استهدف العدوان الإسرائيلي الجسور والطرقات ومحطات الإرسال الإذاعي
وتقوية الهاتف، والمباني السكنية. وكان المدنيون في غزة والضفة ولبنان عرضة
للصواريخ وللقصف المباشر.
استهداف المدنيين بهذا الشكل شكّل محاولة صهيونية لإبعاد الناس عن المقاومة
ولتحريض المجتمع على حماس وحزب الله وباقي قوى المقاومة، ولإضعاف الموقف الشعبي
المؤيد لأَسر الجنود لإجراء تبادل للأسرى، ولخلق واقع سياسي جديد في فلسطين
المحتلة ولبنان بعد أن تتراجع المقاومة نتيجة العدوان، كما كان يظن الاحتلال.
الواقع الجديد يعني تعزيز دور السلطة السياسية المناهضة للمقاومة في كل من
فلسطين ولبنان، والحد من تأثير المقاومة في الواقع المحلي الداخلي.
دعم شعبي
ولا يخفى أن احتضان الفئات الشعبية للمقاومة في فلسطين ولبنان شكّل لها حاضنة
سياسية وبعداً شعبياً قوياً، مكّن المقاومة من تحمّل التبعات الناشئة عن قرار
أسر جنود صهاينة، ما يعني حتمية رد إسرائيلي عنيف. لكن وقوف الناس إلى جانب
المقاومة ودعمها رغم استهداف المدنيين والبنية التحتية فوّت الفرصة على
الاحتلال وأفشل مشروع إضعاف المقاومة داخلياً.
ولعلّ ممارسات الاحتلال الإرهابية وعمليات القتل المنظم بحق المدنيين ساهمت
أيضاً في الحد من مخططه السابق، إذ كيف سيقف الناس ضد المقاومة وخلال أسبوع
واحد قُتل في لبنان 170 طفلاً وفي فلسطين قُتل 12 طفلاً وأصيب 117، هذا عدا عن
القتلى الآخرين من المدنيين وعدا عن تدمير مئات المنازل، وارتكاب أكثر من مجرزة
في السودانية والمغازي فلسطين، وفي الدوير ومروحين وعيترون في لبنان.
لعلّ الاحتلال لم يكن يتوقع ((الآثار الإيجابية)) لمجازره هذه. ففي فلسطين دعمت
كل القوى الفلسطينية والمؤسسات الأهلية عملية أسر الجندي لمبادلته، وسعت
الفصائل الفلسطينية لإقرار وثيقة الوفاق الوطني، وتجاوزت حماس مسألة إسقاط
الحكومة كهدف صهيوني، وفي لبنان ازداد التأييد للمقاومة وتراجعت الأصوات
المنتقدة لها.
وفي المحصلة لم تصمد طويلاً مساعي الحكومة الصهيونية لتحريض أبو مازن وفريقه ضد
حماس، ولا تحريض الحكومة اللبنانية ضد حزب الله. إذ عجز أبو مازن عن التقدم
خطوة واحدة في ملف الأسير جلعاد شاليت أو في الإفراج عنه أو في تخفيض سقف مطالب
المجموعات العسكرية. وفي لبنان لم تتقدم الحكومة اللبنانية في هذا الملف لأن
العدوان الإسرائيلي أعاق أي محاولة قد تقوم بها هذه الحكومة.
فشل الهجوم البرّي
قاسم مشترك آخر في فلسطين ولبنان. إذ رغم التفوق العسكري الصهيوني عددياً
ومادياً. فقد عجز الاحتلال عن اجتياح قطاع غزة أو جنوب لبنان، واستخدم سلاح
الطيران بكثافة أو القصف المدفعي البعيد والعشوائي. في حين نفذ العدو توغلات
محددة ومحصورة في مناطق معينة، معترفاً في نفس الوقت بعدم قدرته على الاجتياح
البرّي، وبالخسائر الكبيرة التي سيُمنى بها في المنطقتين.
الفشل الآخر الذي مُني به الاحتلال في هذا الجانب أنه لم يستطع أن يقضي على
عمليات إطلاق الصواريخ من قطاع غزة وجنوب لبنان، رغم التفوق الجوي والتكنولوجي،
وظلت الصواريخ تتساقط من الجنوب والشمال. وخرج أكثر من مسؤول صهيوني ليعترف
بالفشل في منع القصف الصاروخي. وأثتبت المواجهات المباشرة بين المجموعات
العسكرية الفلسطينية واللبنانية وجنود الاحتلال كفاءة وقدرة المقاومين وشجاعتهم
وضعف جنود الاحتلال.
تهديد باغتيالات
فشل الجيش الصهيوني دفع الاحتلال لاستخدام أساليب جديدة، إذ أطلق الصهاينة
تهديدات كثيرة ضد المجاهد خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، وضد السيد
حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله، وتحدث أكثر من مسؤول صهيوني عن استعداد
الاحتلال لملاحقتهما في أي مكان وفي كل وقت، حتى لو في دمشق، وحفلت وسائل
الإعلام الصهيونية والتسريبات الأمنية بمعلومات تُظهر غضب الصهاينة على مشعل
ونصر الله، مع اعتراف الاحتلال في نفس الوقت بأنه يواجه قيادة من نوع مميز
ومختلف. والأهم أن الاحتلال اعتبر أن تصفية أي من القائدين إنجاز سيكفي للإعلان
عنه كنجاح للعمليات العسكرية، على قاعدة النجاح في التخلص من عدو شرس.
مواقف عربية ودولية
التشابه في فلسطين ولبنان كان أيضاً في المواقف العربية والدولية. فقد أفشلت
الولايات المتحدة في مجلس الأمن الدولي أكثر من قرار لإعلان وقف إطلاق النار أو
لتهدئة العدوان أو لإدانة (إسرائيل) على جرائمها، كما تميزت المواقف الدولية
بالصمت أحياناً أو بإعطاء (إسرائيل) أحقية الدفاع عن النفس، وخلت المواقف
الدولية من أي حديث عن المعتقلين اللبنانيين والفلسطينيين في السجون الصهيونية،
أو عن انتهاك الاحتلال للقوانين الدولية التي تمنع استهداف المدنيين. كما خلت
المواقف الدولية من أي شأن سياسي مع أن السبب في كل ما يحصل هو في العملية
السياسية، وإن كان ما يسمى بالمجتمع الدولي قد استفاض في الحديث عن الشق
الإنساني والمساعدات.
المميز في ردود الفعل كان في الموقف العربي الرسمي حيث صدر أكثر من موقف يلوم
المقاومة في لبنان وفلسطين على عمليتي الأسر ويدعوهما إلى إطلاق سراح الجنود.
وللأسف فإن البعض لم يكتفِ بالانتقاد بل مارس الضغط والتهديد والابتزاز ونقل
الرسائل.
التميز كان في الموقف الروسي الذي كان متوازناً إلى حد ما، مع اعتراف بضرورة
اللجوء إلى التفاوض والتبادل على أساس أن الحل هنا وليس في التصعيد العسكري.
نجاح المقاومة
من الناحية الاستراتيجية وبكل موضوعية، استطاعت المقاومة في لبنان وفلسطين أن
تسقط الأهداف الاستراتيجية للاحتلال، المتمثلة بإطلاق سراح الجنود الثلاثة دون
شروط وبمحاصرة المقاومة أو إضعافها. هذا النجاح أتى من خلال وعي قيادة المقاومة
في فلسطين ولبنان وشرعية المقاومة واقترابها من الناس ومعاناتهم وقضاياهم،
ومطالبتها بقضايا إنسانية عادلة، وبحسن قراءتها السياسية وبثباتها على قضايا
جوهرية مع استخدامها للتكتيك.
ونجحت المقاومة في إثارة أزمات داخلية في الكيان الصهيوني على الصعد السياسية
والأمنية والاجتماعية، وكشفت ضعف حكومة أولمرت وعجز وزير الدفاع وفشل قيادة جيش
الاحتلال، ما يشير إلى مستقبل جيد لقوى المقاومة وتمتّعها بشعبية كبيرة، ونجاح
قريب، إذ ليس أمام الاحتلال إلا الجلوس والتفاوض.
لكن أهم نجاح للمقاومة في فلسطين ولبنان بعد عمليتي أسر الجنود هو شعور
الاحتلال بأنه يواجه فكي كماشة، حماس في الجنوب وحزب الله في الشمال، ما يثير
أكثر من تساؤل عن خوف هذا الكيان من المستقبل وشعوره بتهديد خطير لم يشعر به من
قبل، وخشية على مصيره، مع إدراكه أن المقاومة قوية ولديها كثير من الأوراق
والمفاجآت.