برنامج حماس الثقافي والإعلامي:
تغيير جذري وتشجيع الإبداع وتخفيف القيود
غزة/ابتسام مصطفى
بعد الفوز الساحق الذي حققته حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في الانتخابات
التشريعية الفلسطينية، باتت الأعين مصوّبة على كيفية تعاطي حماس مع الواقع،
وتحويل الشعارات التي تبنتها والتي بموجبها منحها الشعب الفلسطيني ثقته إلى
نماذج حية على الأرض، وليس مجرد شعارات انتخابية فقط.
من ضمن المؤسسات التي وعدت حماس بإصلاحها وتغييرها المؤسسة الثقافية، لما لها
من دور فاعل في إعادة تشكيل فكر الأمة، فاحتوى برنامجها عدة محاور كان أهمها:
أن الثقافة الفلسطينية هي أحد الحصون التي تحمي الشعب الفلسطيني على مدى القرون
من أي هجمات وحملات تستهدف الأرض والمقدسات، وأن أوسلو شكلت مأزقاً فكرياً
لأنصارها من الأدباء والمثقفين في الساحة الفلسطينية، ولذلك بات لزاماً على
الحركة ترسيخ ثقافة جديدة نابعة من ثقافة الشعب الفلسطيني الذي ينتمي إلى
الإسلام ويستمد منه ثقافته وجذوره، وذلك عن طريق العمل على تجميع الجهود
الثقافية أفراداً ومؤسسات وإتاحة الفرصة لهم للتعبير والإبداع بعد سنوات طويلة
من فصام الشخصية التي عانى منها المثقف الفلسطيني، وحصر الإبداع في أروقة العمل
الحكومي والقوانين المجيّرة والفئوية.
عن آليات تطبيق البرنامج الثقافي الذي طرحته الحركة يقول النائب المنتخب صلاح
البردويل أستاذ الأدب والنقد في الجامعة الإسلامية بغزة سابقاً ورئيس جمعية
التجمع الفكري الوطني: ((إن حركة حماس لم تأت لفرض أجندة جديدة على ثقافة الشعب
الفلسطيني، فشعبنا في أصله مسلم، وحين رفعت حماس شعاراتها وثوابتها المستمدة من
الدين لاقت هذا التجاوب الذي تُرجم فوزاً ساحقاً في أوراق الاقتراع، ولذلك
يتقاطع برنامج حماس الثقافي مع ثقافة الشعب الفلسطيني الذي ملّ من الفئوية
والمحسوبية وفرض ثقافات خارجة عن قيمه وموجهة لخدمة الحزب الحاكم، مما خنق
إبداع المبدعين وحوّلهم إلى موظفين إداريين في المؤسسات الحكومية)).
أما الدكتور عبد الخالق العفّ أستاذ الأدب والنقد المشارك في الجامعة الإسلامية
بغزة ورئيس منتدى أمجاد الثقافي فيرى أن ((على أي حكومة قادمة تشكلها حماس أن
ترعى النشاط الثقافي العام بشكل أكثر فاعلية، وفي إطار يرسخ الانتماء الوطني
والثقافة الإسلامية والهوية العربية ومحاربة تذويبها، ولا يتم ذلك إلا بتفعيل
المراكز والمؤسسات الثقافية والفنية ودعم الإنتاج الثقافي والفني بحسبانها
جزءاً من البرنامج المقاوم الذي تطرحه الحركة وليس ترفاً ثقافياً أو
استهلاكياً، ولذلك ننادي بتغيير جذري في أداء وزارة الثقافة والإعلام وتخصيص
ميزانية جيدة لدعم الثقافة، لأن الشكوى الدائمة وغير المبررة من قبل وزارة
الثقافة في الحكومة السابقة كانت عدم وجود ميزانية لديها)).
دعم المؤسسات الثقافية
يوضح النائب البردويل خطة حماس لدعم المؤسسات الثقافية: أن الدعم سيكون دعماً
معنوياً وآخر مادياً، الدعم المعنوي بتشجيع كل أشكال الثقافة التي تنبع من
ثقافة شعبنا وديننا، وذلك من خلال السماح لها بأن تنشط وتنتشر في مجتمعنا
الفلسطيني دون حجر عليها أو تعرض لها طالما أن برنامجها نابع من ثقافتنا
المنبثقة من عقيدتنا الإسلامية.
أما من ناحية الدعم المادي فسيكون هناك تنسيق بين وزارة الثقافة والمؤسسات
الثقافية العاملة لتشجيع الفكر والإبداع عن طريق مسابقات ونشاطات وفعاليات
كثيرة دون فئوية أو تحيز، فقد عانينا في المرحلة السابقة من تجاهل لإبداع الفكر
الثقافي النابع من منطلقات إسلامية والذي يتبنى مشروع المقاومة، كذلك العمل على
إيجاد دور نشر تساهم في نشر هذه الإبداعات.
المؤسسات الإعلامية
يرى الصحفي عماد الإفرنجي مدير مكتب ((جريدة القدس)) بغزة أن ((سياسة السلطة
الفلسطينية كانت تهدف ليس فقط إلى مأسسة رقابة السلطة التنفيذية على الصحفيين
ووسائل الإعلام، بل مأسسة الرقابة الذاتية التي يمارسها الصحفيون على أنفسهم،
وبالتالي تقليص حيز الإبداع والابتكار لديهم. كل هذا يصب في اتجاه تضييق الحيز
المتاح أمام الأفراد للتعبير عن آرائهم بحرية ودون أية قيود..)).
يضيف ((إن الحريات في الأراضي التي تسيطر عليها السلطة الفلسطينية عانت ومازالت
من تقييد الحريات، والضغوط على وسائل الإعلام والصحفيين والعراقيل الخاصة
بترخيص المؤسسات الإعلامية، وعدم احترام قانون المطبوعات والنشر - صاحب النواقص
الكثيرة- والذي لم يعرض على المجلس التشريعي، والمراسيم الرئاسية الخاصة بمنع
التحريض الأمر الذي يمس بحرية الرأي والتعبير)).
ويعرض الإفرنجي بعض الشواهد على ما ذكره ((فقد شاهدنا قرارات متسرعة بمنع نشر
أخبار أو صور متعلقة بأجهزة الأمن قبل الحصول على إذن مسبق، ومنع الناطق
الإعلامي لحركة حماس من الظهور عبر فضائية الجزيرة إبان الخلاف بين السلطة
الفلسطينية وحركة حماس في 14-7-2005، والتوجيهات المستمرة من وزارة الداخلية
للصحفيين حول استخدام مصطلحات معينة أو كيفية كتابة الأخبار وتغطيتها. ورغم
التراجع النسبي في ملاحقة أجهزة أمن السلطة الفلسطينية للصحفيين ووسائل
الإعلام، إلا أن الانتهاكات تواصلت وشملت إطلاق نار باتجاه صحفيين واعتداء
بالضرب عليهم، منع صحفيين من تغطية أحداث معينة، ومصادرة أجهزة وأفلام ومعدات
تعود لصحفيين وإعلاميين. عدد من الصحفيين تعرضوا للضرب خلال تغطيتهم لأحداث
وصدامات بين حركة حماس والسلطة الفلسطينية، بل ضُرب صحفيون خلال زيارة رئيس
السلطة الفلسطينية محمود عباس إلى مقر الشرطة في 27-4-2005. هذا بالإضافة إلى
انتهاكات نفذتها جهات محسوبة على السلطة، وشملت اعتداءات على صحفيين وإعلاميين
ومؤسسات إعلامية من قبل مسلحين فلسطينيين)).
سياسة حماس الإعلامية
يوضح الدكتور البردويل أن سياسة حماس في دعم الإعلاميين بدأت منذ فترة طويلة
وقبل قرارها خوض الانتخابات التشريعية، عن طريق إنشاء كتلة الصحفي الفلسطيني
التي ساهمت بشكل فاعل في جمع شمل الإعلاميين بعد أن لم يكن لهم رابطة تجمعهم.
وستعمل حماس على منع كل ما يخدم الأجندة الصهيونية في وسائل الإعلام وتنقية
الخطاب الفلسطيني من التبعية، وعلى محاربة ما يحاول إعلام العدو فرضه علينا من
مصطلحات يرددها إعلاميونا عن جهل وانسياق وراء مقولات إعلامية روجها العدو
بيننا كمفهوم الواقعية السياسية والتي أصبحت تعني الاستسلام للأمر الواقع،
ويصورون الشعب الفلسطيني وكأنه شعب يائس ولا يستطيع الصمود وحده دون أن يكون
مرتبطاً بدولة العدو. وما زال إعلامنا العربي يردد حتى الآن أن على حماس
الاعتراف بدولة العدو حتى لا تنقطع عنها المساعدات من الدول الأوروبية، وغير
ذلك من مقولات موجهة تخدم سياسة العدو سواء كان ذلك جهلاً أو انسياقاً وراء هذه
المقولات.
يقول البردويل: ما تريده حماس من خلال برنامجها الإعلامي هو ترسيخ حرية الرأي
والفكر دون الخروج عن الخط الثقافي المقاوم وتعزيز ثقافة المقاومة والقيم
الإسلامية الأخلاقية، ورفض الفكر الذي يدعو للاستسلام لثقافة العدو، نريد ترسيخ
مفهوم توازن الإمكانات وتوازن الإرادة والرعب بيننا وبينهم، وليس كما يصورون
الشعب الفلسطيني باليائس المستسلم لإرادة العدو.
يضيف البردويل: ((فلو ترك المجال لنا ولشعبنا الفلسطيني سنصل إلى قناعات مشتركة
بيننا، فشعبنا مسلم بالأساس والصحفي الفلسطيني الملتزم مطلوب منه إيصال الحقيقة
للجمهور، والتزامه الأخلاقي سيفرض عليه أن يكون مصفاة للشر ولا يكون ذلك بالقمع
والترهيب، نحن كنا نُقمع وكنا نُحارب ولا نُعطى الفرصة لنعبر عن آرائنا ولذلك
لن نفعل ذلك بالآخرين، سيكون دورنا دور الناصح الأمين)).
المعوقات السابقة
يرى الدكتور عبد الخالق العف أن المعوقات التي عانت منها المؤسسات الثقافية في
الفترة الماضية هي عدم إعطاء تراخيص لمؤسسات ثقافية معينة، بحجة قانون السلامة
الأمنية والذي شكل عائقاً كبيراً لعمل هذه المؤسسات، ويضيف ((إن تشكيل ثقافة
المجتمع وتوجيهه نحو الأصالة والالتزام بقضايا الوطن وهمومه ودعم صمود شعبنا
الفلسطيني لمواصلة مشوار التحرير الكامل هي مهمة بالغة التعقيد لكنها ليست
مستحيلة في ظل إرادة التغيير والإصلاح، لذلك على الحكومة القادمة تسهيل مهمة
الهيئات الثقافية للحصول على التراخيص اللازمة دون معوقات لها، ليكون
باستطاعتها تأدية دورها في خدمة ثقافة الأمة وترسيخ مشروع المقاومة الثقافي)).
وعلى هذا الطرح يؤكد الصحفي عماد الإفرنجي بقوله: ((نأمل من المجلس التشريعي
الجديد إلغاء القرارات واللوائح التنفيذية المتعارضة مع نص وجوهر الدستور
الديمقراطي لا سيما المراسيم الرئاسية الخاصة بما يسمى منع التحريض)).
وحول ما يطلبه الإعلاميون من الحكومة القادمة يرى الإفرنجي أن ((حماس ليست
غريبة عن الواقع الإعلامي الفلسطيني، بل شكلت مؤسساتها الإعلامية رافعة للأداء
الإعلامي الفلسطيني بصورة عامة، وعندما تتحدث في برنامجها عن دور الثقافة
والإعلام في تشكيل عقلية المواطن وتفكيره وبناء شخصيته فهي تدرك عظم وأهمية
وخطورة الإعلام)).
آمال وتطلعات
يؤكد الصحفي عماد الإفرنجي أن حركة حماس ستعزز احترام الرأي والرأي الآخر،
وستعمل على سن تشريعات تضمن حرية الصحافة الملتزمة بالثوابت الوطنية
والعقائدية، ومنع الاعتداءات على الصحفيين وتنظيم العلاقة بين وسائل الإعلام
والصحفيين والسلطة التنفيذية.
ودعا الإفرنجي حماس إلى عرض قانون المطبوعات والنشر على المجلس التشريعي
((وتطويره وإقراره لإلغاء أي قيود تضمّنها القانون، خاصة تلك القيود التي فرضت
على العمل الصحفي، وحق الصحفي في التعبير عن أفكاره وآرائه بحرية. إضافة لحق
المواطنين في الوصول إلى المعلومات وتداولها، وكذلك إقرار قانون نقابة الصحفيين
والضغط باتجاه إجراء انتخابات في نقابة الصحفيين، والقيام بدورها المنوط بها
للدفاع عن حقوق الصحفيين)).
فرص حماس
يؤكد النائب البردويل أن فرص تحقيق حماس لأجندتها كبيرة، لأن برنامجها يتوافق
مع فكر وثقافة الشعب ولا يوجد تعارض بينهما، فهي لن تفرض ثقافتها فرضاً بل ستجد
العون من الشعب في نبذ كل فكر إباحي يروج له عن طريق الإعلام المسموع والمرئي،
وسيتقبل الشعب أي خطوة إصلاحية تقوم بها الحركة في هذا المجال لأنها تنسجم مع
طبيعته ومع ثقافته.