زيارة حماس لروسيا ناجحة على كافة
الأصعدة:
نهاية حاجز العزلة وبداية الاعتراف الدولي
واشنطن/د. أسامة
عبد الحكيم
تميزت الزيارة التي قام بها وفد قيادي من حركة حماس لروسيا بأهمية تاريخية.
ورغم أنه من المبكر جداً الحديث عن النتائج التي حققها الوفد الزائر، إلا أن
هناك ثماراً إيجابية بدأت تلوح في الأفق وسيتم حصادها قريباً.
حركة حماس التي سارعت بقبول دعوة الرئيس بوتين لزيارة موسكو، تدرك جيداً أن
هناك علاقات مميزة بين روسيا و(إسرائيل). فقد سبق وأعلن الرئيس بوتين أن روسيا
لن تتخذ أي خطوة تضر بالمصالح (الإسرائيلية) أو تهدد الأمن (الإسرائيلي). هذا
الكلام أكده إيهود أولمرت؛ القائم بأعمال رئيس الوزراء، والذي اعتبر أن بوتين
صديق وفيّ لـ(إسرائيل) ولن يتخذ خطوات تلحق الأذى بها. كما أن هناك 20% من سكان
الدولة الصهيونية يعودون إلى أصول روسية، وبالتالي فلن تتخلى روسيا عن ذلك
إرضاء لحركة حماس التي ما زالت شبه مجهولة للدبلوماسية الروسية وفق مبدأ: أن
الذي تعرفه خير من الذي تتعرف عليه. وطمأنت روسيا (إسرائيل) بقولها أن عليها أن
لا تقلق ((لأنها تقوم بشيء لصالحها)).
وجاءت الدعوة الروسية لقادة حركة حماس لزيارة موسكو انطلاقاً من واقع جديد فرض
نفسه على الساحة، ويتمثل بفوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية الفلسطينية
التي جرت في 25 كانون الثاني/يناير من العام الحالي. فقد أدركت روسيا أن حركة
حماس فازت بانتخابات قانونية شهد على نزاهتها المجتمع الدولي عبر مراقبين
–ومنهم روس- أرسلهم لمتابعتها. ورغم أن اللقاءات بين روسيا وحماس كانت مستمرة
بصورة سرية منذ سنين إلا أن روسيا وجدت الظرف مناسباً أكثر من أي وقت مضى
لإخراج هذه العلاقة إلى العلن.
مواقف متبادلة
أرادت روسيا من لقائها مع قادة حركة حماس نقل رسالة المجموعة الرباعية لقادة
الحركة بضرورة تغيير موقف حركتهم واتخاذ قرارات مسؤولة لما فيه مصلحة الشعب
الفلسطيني. وأن على حماس أن تتحول إلى حزب سياسي للحصول على الدعم الدولي. وركز
الجانب الروسي خلال المحادثات على أن تحترم حماس كافة الاتفاقيات الموقعة مع
الحكومة الإسرائيلية وأن لا تقوم بأعمال عنف وأن تعترف بحق (إسرائيل) في
الوجود. وأكدت مصادر في موسكو على أن طرح روسيا تلخص فيما سبق وأعلنه وزير
الدفاع الروسي سيرغي إيفانوف لنظيره الإسرائيلي شاؤول موفاز بأن موسكو ستضغط
على حماس على طاولة المباحثات وليس من خلال وسائل الإعلام.
عملياً، إن ما ستطلبه موسكو من حركة حماس هو ما تطلبه (إسرائيل) والولايات
المتحدة والمجموعة الأوروبية، لا بل ذهب أمير أورين المحلل العسكري في صحيفة
((هآرتس)) إلى القول بأن الدعوة الروسية لحركة حماس جاءت بطلب أمريكي – أوروبي
- (إسرائيلي) تحت ضغط جهاز الموساد لجسّ نبض الحركة في تعاطيها المستقبلي مع
(إسرائيل).
ومع إدراكها لذلك كله فقد لبت حركة حماس الدعوة الروسية انطلاقاً من
استراتيجيتها القائمة على الحوار مع جميع الحكومات والأحزاب والقوى الدولية بغض
النظر عن عقيدتها أو جنسيتها أو نظامها السياسي، ولا مانع -كما تقول– من
التعاون مع أية جهة لصالح خدمة قضية شعبها العادلة وحصوله على حقوقه المشروعة،
أو تعريف الرأي العام بممارسة الاحتلال الصهيوني وإجراءاته اللاإنسانية ضد
الشعب الفلسطيني.
نتائج الزيارة
ويبقى السؤال المطروح ما هي النتائج التي حققتها كل من حركة حماس وروسيا من هذه
الزيارة؟
استطاعت حركة حماس دخول عاصمة دولة كبرى برأس مرفوع وقامة منتصبة من غير شروط
مسبقة من قبل الدولة المضيفة، ومن غير أن تتنازل هي عن أي من ثوابتها لا بل من
غير أن تعد بعمل شيء يفهم منه تلييناً لمواقفها ولو دبلوماسياً. ونجحت حركة
حماس بطرح وجهة نظرها كاملة سواء على المستوى الرسمي أو الديني أو الإعلامي.
فعلى الصعيد الرسمي أكدت حركة حماس خلال لقاءاتها مع الزعماء الروس على أن جوهر
الصراع في الشرق الأوسط يتمثل في مشكلة الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية
وعدم اعتراف (إسرائيل) بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وإن (إسرائيل) هي
التي لا تلتزم بالاتفاقيات ولا تحترمها، وهي التي جمدت العمل بـ((خارطة
الطريق)) ووضعت 14 شرطاً لتنفيذها، ولجأت إلى فك الارتباط مع الفلسطينيين من
جانب واحد مستندة إلى قاعدة تحقيق مصالحها الأمنية، وليس إلى قاعدة الاعتراف
بالحقوق الوطنية الفلسطينية. ودعت حركة حماس روسيا للعب دور مميز في العملية
السلمية في الشرق الأوسط، على اعتبار أن روسيا بصفتها دولة عظمى ومن خلال
شجاعتها في دعوة قيادة حماس قادرة على لعب مثل هذا الدور المميز في صنع السلام
المستند إلى العدل. وطلبت حركة حماس من روسيا استمرار تقديم الدعم الدبلوماسي
للقضية الفلسطينية والعمل على إبراز الوجه الحقيقي لحماس وصد المحاولات
الصهيونية والأمريكية لتشويه هذه الصورة.
على صعيد آخر فقد نجح وفد حماس بالانفتاح شعبياً على الساحة الروسية من خلال
لقائه بممثلي الديانتين الإسلامية والمسيحية – الأرثوذكسية الشيخ رافيل عين
الدينوف والبطريرك ألكسي الثاني. وأكد وفد حماس لكلا المسؤولين الروحيين موقف
الحركة من الصراع الدائر على الأرض المقدسة، مؤكداً على دور القادة الروحيين في
التقارب بين الشعوب. وقد رحب الشيخ عين الدينوف بوفد حركة حماس واصفاً اللقاء
بأنه ((أول لقاء للتعرف على إخوتنا الذين وصلوا إلينا من أرض فلسطين التي ذاقت
الأمرّين)). وعرض الشيخ عين الدينوف أن يقوم بتقديم شتى أنواع المساعدة على
مستوى ((الدبلوماسية الشعبية)) من أجل ((إحلال السلام والهدوء في الشرق
الأوسط))، واصفاً لقاءه مع قادة حماس بأنه ((مفيد للغاية)). أما البطريرك ألكسي
الثاني فقد شدد على أن الكنيسة الأرثوذكسية تدعو دائماً لقيام دولة فلسطينية.
وعلى الصعيد الإعلامي استطاعت حماس أن تُسمع صوتها بنفسها للشعب الروسي من خلال
عشرات المقابلات الصحفية التي أجرتها وسائل الإعلام الروسية المختلفة مع مسؤولي
الحركة. وتتوج ذلك في المؤتمر الصحفي الذي عقده الأستاذ خالد مشعل في مقر وكالة
الأنباء الروسية. والمهم في ذلك هو أن الروس سمعوا شيئاً جديداً مختلفاً عما
اعتادوا سماعه عندما يذكر اسم حماس. والأهم من ذلك هو أن ((الروس سمعوا حماس
ولم يسمعوا عنها)).
تبقى الإشارة إلى أن اللقاءات بين حركة حماس وروسيا ما زالت مستمرة ولم تنقطع
بانتهاء الزيارة.
أثناء الزيارة التقى وفد حركة حماس بالسيد ميخائيل مارغيلوف - عضو المجلس
الفدرالي، رئيس لجنة الشؤون الدولية فيه، إضافة إلى كونه مقرر اللجنة النيابية
للمجلس الأوروبي وأحد معدي تقاريرها حول الشرق الأوسط. وقد دعا مارغيلوف وفد
حركة حماس لزيارة موسكو من جديد وحضور مؤتمر لجنة التضامن الآفرو – آسيوي الذي
يرأسه. وخصصت اللجنة 25 بعثة دراسية جامعية للطلبة الفلسطينيين. أهمية هذا
اللقاء تأتي في الدعوة التي تلقتها حركة حماس للمشاركة في اجتماعات اللجنة
البرلمانية للاتحاد الأوروبي التي ستعقد في ستراسبورغ في الفترة بين 10 و13 من
شهر نيسان/أبريل الحالي. وبذلك تكون حماس قد دخلت الساحة الدولية من أوسع
أبوابها؛ البوابة الروسية.
كما تعهدت روسيا خلال الزيارة بدعوة اللجنة الرباعية فور انتهاء الانتخابات
الإسرائيلية للبحث في مشروع استمرار الدعم المالي الدولي للشعب الفلسطيني.
وستعمل روسيا على إقناع الولايات المتحدة بأن إيجاد آلية تضمن وصول المساعدات
إلى مستحقيها هو أفضل من وقف تلك المساعدات. وستساعد روسيا على إيجاد مثل تلك
الآلية. وقد بدأت بالفعل بالاتصال بخبراء البنك الدولي ومنهم جيمس وولفنسون؛
الرئيس السابق للبنك، الذين سبق لهم وتعاملوا مع الملف الفلسطيني وأخذ رأيهم في
أفضل الوسائل المؤدية إلى ذلك. وطلبت روسيا من هؤلاء الخبراء تجهيز مقترحات
عملية بذلك. وكانت حماس قد أعلنت من موسكو مبادرتها بإنشاء جهاز للإشراف بكل
شفافية على المبالغ المالية المصروفة لضمان وصولها إلى مستحقيها، وبما يُطمئن
الدول المانحة. وأكد سيرغي لافروف وزير الخارجية الروسي في ختام زيارة وفد حماس
أن عملية عزل حماس غير مثمرة وإن الدعوة لانتخابات جديدة في الأراضي الفلسطينية
هي دعوة إلى حرب كبرى في الشرق الأوسط، لأن عملية خنق حماس مالياً هي السيناريو
الأقل حظاً وسوف لن يؤثر على موقف الفلسطينيين من حماس، بل على العكس فإن إعادة
الانتخابات ستؤدي إلى فوز أكبر. مادياً تعهدت روسيا بتحويل مبلغ 10 ملايين
دولار للسلطة الوطنية هذا العام.
وحاولت روسيا طمأنة الدول الفاعلة لخطوتها تلك. وقد اتصل الرئيس بوتين بزعماء
الولايات المتحدة، ألمانيا، إيطاليا، فرنسا، و(إسرائيل) ونقل إليهم النتائج
التي تمخضت عنها اللقاءات مع ممثلي حركة حماس. كما قام وزير الخارجية الروسي في
اليوم التالي لانتهاء الزيارة بالسفر إلى الولايات المتحدة لمتابعة الموضوع.
وقال لافروف في مؤتمر صحفي عقد بواشنطن بعد اختتام مباحثاته مع نظيرته
الأمريكية كوندوليزا رايس إن حماس تنوي دعم ((خارطة الطريق)) والمبادرة العربية
لتسوية أزمة الشرق الأوسط. أمريكا رحبت بنتائج المباحثات واصفة إياها
بالإيجابية، أما أوروبا فقد أعربت عن موقف مؤيد وعلى الرغم من أن موسكو لم
تستشرها إلا أنها ترى أن اللقاء يحقق الأهداف الأوروبية.
لا شك أن زيارة ممثلي حركة حماس إلى موسكو قد أدى إلى كسر حاجز العزلة الدولية
التي حاولت الولايات المتحدة و(إسرائيل) فرضه عليها. وإذا استطاعت حركة حماس
زيارة ستراسبورغ في نيسان/أبريل الحالي والحديث أمام نواب يمثلون 46 دولة منها
25 عضواً في الاتحاد الأوروبي يكون هذا الحاجز قد انهار بالكامل.