بعد فوز حماس..
على الكيان الصهيوني إعادة حساباته
د. رائد نعيرات
رئيس قسم العلوم السياسية - جامعة النجاح الوطنية
شكلت الانتخابات الفلسطينية ونتائجها إرباكاً على جميع المستويات السياسية،
سواء المحلية أو العالمية، ولكن أعلى مستويات هذا الإرباك هو ما تم لمسه على
الصعيد الإسرائيلي، فما من شك أن الحكومة الإسرائيلية عملت جاهدة على عرقلة
إجراء الانتخابات الفلسطينية التشريعية، ولكن ديناميكية التغيرات السياسية على
الساحة الفلسطينية، والعربية واستراتيجيات الدول الكبرى وبالذات الولايات
المتحدة الأمريكية، كانت العقبة التي شلت القدرة الإسرائيلية على تخريب إجراء
هذه الانتخابات.
الممارسات الصهيونية
فيما يخص الممارسات الصهيونية توزعت هذه السياسات إلى جملة من المحاور:
- الضغط على حركة حماس للاعتراف بـ(إسرائيل) كدولة تتمتع بشرعية وجود في
فلسطين، ومطالبة حماس بتفكيك أجهزتها العسكرية ونبذ الإرهاب.
- محاولة اغتيال الديمقراطية الفلسطينية عبر الضغط على أبو مازن كي لا يتم
تكليف حركة حماس بتشكيل الحكومة الفلسطينية، ما من شأنه أن يعرقل السير الطبيعي
للمسيرة المستقبلية للديمقراطية الفلسطينية.
- إعلان السلطة الوطنية الفلسطينية كياناً إرهابياً، وقطع كل الاتصالات الرسمية
مع السلطة الفلسطينية.
- إعلان الحكومة الإسرائيلية قرارها عدم تحويل أموال الضرائب الفلسطينية والتي
تصل إلى ما يقارب 55 مليون دينار شهرياً تُدفع للموظفين كرواتب.
- التصعيد الإسرائيلي على الأرض، حيث إنه ومنذ أن فازت حركة حماس وإعلانها عن
قرارها تكليف إسماعيل هنية رئيساً للوزراء بدأ هناك تصعيد ملموس على صعيد
عمليات الدهم والاغتيالات والتدمير، بالتأكيد لم يتوقف الجيش الإسرائيلي لحظة
عن سياسته على أرض الواقع فيما يخص احتلال المدن والاغتيالات، ولكن رفْع
وتيرتها بالشكل المعاش الآن هو محاولة الجيش والحكومة الإسرائيلية إعادة الكرة
إلى ملعب الحياة السياسية والفوضى الأمنية التي عاشها الشعب الفلسطيني مع بداية
عام 2002، مما سيعرقل قدرة حماس على تطبيق برنامجها القائم على إعادة بناء
مؤسسات السلطة الفلسطينية.
أما القضية الأخطر فهي إعلان الحكومة الإسرائيلية عن ضم الشريط الحدودي في
منطقة الأغوار، حيث استغلت الحكومة الإسرائيلية انشغال العالم والشعب الفلسطيني
في ترتيب أوراق الحياة السياسية الفلسطينية بإعلانها ضم منطقة الأغوار كخطوة
استباقية على طريق فك الارتباط مع الضفة الغربية، وهي الخطة الاستراتيجية التي
تتبناها الحكومة الإسرائيلية منذ إعلان خطة فك الارتباط مع قطاع غزة. ولاحقاً
أتت جريمة اقتحام سجن أريحا واعتقال المناضل سعدات ورفاقه لتكمل السياسة
الصهيونية ضد الفلسطينيين.
الأهداف
عند تفحص الممارسات الإسرائيلية والأهداف المبتغى تحقيقها إسرائيلياً عقب فوز
حركة حماس في الانتخابات التشريعية الفلسطينية يجد الباحث أن هذه الممارسات
تهدف إلى تحقيق هدفين أساسيين: الأول، شلّ قدرة الشعب الفلسطيني على بناء ذاته
بعدم السماح للقوى السياسية الجديدة إعادة ترتيب البيت الداخلي الفلسطيني.
الثاني، تحقيق (إسرائيل) لبعض استراتيجيتها المبنية على ابتلاع الضفة الغربية،
وتحويل الجزء الآخر إلى كانتونات لا يمتلك القدرة على التواصل الجغرافي، فمما
لا شك فيه أن خطة ضم الأغوار وكَنْتَنة الضفة الغربية لم تكن وليدة فوز حركة
حماس في الانتخابات، ولكن (إسرائيل) تحاول تبيان أن هذه الخطة أتت مرافقة لذلك
على الرغم أن جذورها تعود إلى عام 2003، وهو ما أعلنت عنه الحكومة الإسرائيلية
مراراً، إلا أن فوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية كان له جملة من
التداعيات على الحكومة والمجتمع الإسرائيلي. فمن ناحية أثبت الشعب الفلسطيني
للحكومة الإسرائيلية أن السياسة الإسرائيلية القمعية لن تجعل الشعب الفلسطيني
يتجه نحو الخضوع بمقدار ما أنه سيزداد في تصلبه، ولم يكن اختيار حماس وبهذا
الحجم إلا تعبيراً عن إرادة الشعب الفلسطيني في رفضه للنهج المتبع إسرائيلياً
على صعيد العملية السلمية، ورسالة فلسطينية عنوانها أن خمس سنوات من القمع
الإسرائيلي لن تكون نهايتها كما بشّر أرييل شارون عندما قال ((ليس مطلوباً من
الشعب الفلسطيني أن يستسلم وإنما عليه أن يتذوق مرارة الهزيمة حتى تلغى من
عقليته قضية أنه يمكن أن ينتصر بالقوة)). وعند متابعة دقيقة للبرنامج الانتخابي
لكتلة التغيير والإصلاح وكذلك للدعاية الانتخابية، لا يمكن الخلوص إلا إلى أن
الشعب الفلسطيني قد اختار حماس كما هي، فلم تغيّر حماس أثناء دعايتها
الانتخابية من الطريقة التي تتعاطى بها مع مجمل القضايا الفلسطينية وبالذات ما
تعلق بطبيعة العلاقة مع (إسرائيل). أما فيما يخص التصعيد في وتيرة الاغتيالات
فأعتقد أنه وإن كان يعرقل قدرة حماس على إنزال برنامجها البنائي على المؤسسات
الفلسطينية، إلا أنه يحقق الأهداف البعيدة لحماس والمنطوية على ديمومة الصراع،
خاصة إذا أحسنت حماس توظيف هذا التصعيد سياسياً وإعلامياً سواء على الساحة
الداخلية أو الخارجية.
إذن، النتائج التي أسفرت عنها الانتخابات التشريعية الفلسطينية تتطلب من جميع
الفاعلين على الساحة الفلسطينية أن يعيدوا حساباتهم وبالذات الجانب الإسرائيلي،
حيث إن كثيراً من البرامج والخطط الاستراتيجية التي أعدتها الماكنة السياسية
الإسرائيلية بحاجة إلى إعادة النظر بها، فلم يعد من السهل معرفة مقدار خدمتها
لأي من الجانبين أكثر، وما أعنيه في هذه النقطة هو قضية فك الارتباط الأحادي مع
الضفة الغربية وكَنْتَنَتها، ففي ظل وجود حماس وعدم اعترافها بشرعية (إسرائيل)
تبدو هذه الخطوة وكأنها ستكون لصالح حماس والشعب الفلسطيني، حيث إنه لن يبنى
عليها أي التزام سياسي وبالتالي فهي لن تحلّ أي إشكالية لدى (إسرائيل) ولن تحقق
لها الأمن. فالمطلوب الآن هو وقفة جدية من قبل الجانب الإسرائيلي والاعتراف
بحقوق الشعب الفلسطيني كاملة وبعيدة عن استغلال الضعف الفلسطيني، والتعامل على
قاعدة منح الحقوق أكثر من التعامل على قواعد الابتزاز.