جريمة سجن ((أريحا)) لا يجوز تمريرها
ها هو التاريخ يعيد نفسه، وها هي بريطانيا
التي انسحبت من فلسطين قبل عدة عقود بصورة مفاجئة، وسلّمتها إلى العصابات
الصهيونية، تفعل الجريمة ذاتها، ولكن بصورة أقل، وعلى نموذج مصغّر، حيث سحبت
حراسها البريطانيين، الذين كانوا يحمون ويراقبون سجن ((أريحا))، الذي كان يضم
بين جنباته مناضلين في مقدمتهم المناضل أحمد سعدات الأمين العام للجبهة الشعبية
لتحرير فلسطين، فاسحة المجال لقوات الاحتلال الصهيوني لاجتياح ((أريحا))،
ومحاصرة سجنها، والمطالبة بأن يسلّم السجناء أنفسهم، وهو ما حدث بعد ساعات من
الحصار!
إن ما جرى في سجن ((أريحا))، يثير دلالات عديدة، جديرة بالوقوف عندها، بغرض
التأمل واستخلاص العبر، وأهم الدلالات هي:
• التواطؤ الأمريكي البريطاني مع الكيان الصهيوني، حيث تم الانسحاب بصورة
مفاجئة كان ((الإسرائيليون)) يعلمون بتوقيته، ولا يشفع إبلاغ السلطة بقرار
الإدارة الأمريكية والحكومة البريطانية لهما سحب الحراس، إذا كان يقتضي ذلك
التنسيق مع السلطة الفلسطينية عن موعد الانسحاب قبل حدوثه، حتى تتخذ السلطة
الإجراءات اللازمة والكفيلة بحماية الأسرى والمعتقلين.
• الموقف الأمريكي – البريطاني المتواطئ، لا يعني الانحياز المطلق للكيان
الصهيوني فحسب، بل يعني كذلك أن المراهنة على الاتفاقات الموقعة برعاية هذين
الطرفين مراهنة خاسرة، فيمكن لهؤلاء الانقلاب والتنصّل من الاتفاقات التي تخضع
لرعايتهما، أو رعاية أحدهما. لذا، فإن الذين أشبعونا بالحديث عن الاتفاقات
الدولية واحترامها، عليهم أن يطالبوا هذه الدول ((العظمى)) باحترام اتفاقاتها
أولاً.
• لم تكن هناك أي مبررات حقيقية تدفع إلى سحب الحراس الأمريكيين والبريطانيين،
وما طرح من مبررات لا يقوى على الصمود وإقناع أي إنسان عاقل بتلك المبررات.
ومن الواضح، أن الجريمة التي وقعت، تمّت لمصلحة إيهود أولمرت وحزبه ((كاديما))،
لزيادة شعبيته بين يدي الانتخابات الإسرائيلية! أي أن الدم الفلسطيني، والكرامة
الفلسطينية، أصبحت ورقة انتخابية توضع في صناديق الاقتراع الإسرائيلية.
• تتحمّل السلطة الفلسطينية برأسها محمود عباس، وحكومتها الانتقالية، مسؤولية
ما جرى، فكان ينبغي على السلطة أن تقوم بإجراء ما، بعد استلامها رسالة الحكومة
البريطانية، التي تبلغها فيها بقرارها سحب حراسها، أما السكوت والانتظار، حتى
وقوع الكارثة، فهذا ما لا ينبغي قبوله.
• خروج رجال الأمن الفلسطينيين، الذين كانوا يتولون حراسة السجن والإشراف عليه،
بالطريقة التي شوهدت على شاشات الفضائيات، يمثّل إهانة للشعب الفلسطيني. فقد
خرجوا رافعي الأيدي، مجرّدين من جميع الملابس إلا القطعة التي تستر عوراتهم..
لقد كان ذلك خروجاً مقصوداً من قبل قوات الاحتلال، فهي معنية بإهانة الشعب
الفلسطيني، وكسر معنوياته.
إن ما جرى في ((أريحا)) لا ينبغي أن يتكرر، وعلى الفلسطينيين إدراك العبر
واستخلاص الدروس، والمطلوب من المجلس التشريعي الفلسطيني والحكومة الجديدة،
تشكيل لجان للتحقيق، لمعرفة ملابسات ما جرى، وتحديد المسؤوليات، واستكشاف فيما
إذا كان هناك تواطؤ محلي في هذه الجريمة.
التحرير