التأخّر في الإعلان كان لفتح
المجال أمام الجميع للمشاركة:
حكومة حماس تبدأ مرحلة جديدة بعناوين سياسية واقتصادية
القدس/مها عبد الهادي
تعددت الاجتهادات والتساؤلات بعد الانتخابات البرلمانية الفلسطينية التي أوصلت
حركة المقاومة الإسلامية (حماس) بفوزها الساحق إلى قلب السلطة وبؤرة صنع القرار
حول شكل المرحلة السياسية التي أفرزتها هذه الانتخابات وكيف ستتعاطى الحركة مع
الواقع الجديد.
وكان الهم الأكبر لحماس عقب هذا الفوز ونيلها الأكثرية في المجلس التشريعي
البحث في إمكانات تشكيل الوزارة الفلسطينية المقبلة، وأبعاد إمكانات تحديد سقف
سياسي لتلك الحكومة، إضافة لشكل الشراكة السياسية مع بقية القوى.
تبلورت في البداية أربعة احتمالات لشكل التركيبة المحتملة لحكومة حماس الجديدة،
لكنها وبسرعة فائقة تقلصت إلى احتمالين في ظل الضبابية السياسية التي تشكلت
خصوصاً لدى حركة فتح التي فقدت انسجامها التنظيمي بعد خسارتها الفادحة في
الانتخابات.
في البداية عمدت حماس إلى استثناء خيار تشكيل حكومة منها فقط رغم توفر
الإمكانيات القانونية والمهنية لذلك، وركزت على بقية الاحتمالات الأخرى. وبعد
فترة من الترقب والانتظار تم اختيار إسماعيل هنية لترؤس الحكومة المقبلة، منهية
بذلك الاحتمال الثالث الذي توقع أن تتشكل الحكومة المقبلة من خارج الأحزاب
السياسية، بحيث تقتصر فقط على (التكنوقراط) من المهنيين المستقلين. وهذا
الاحتمال الذي لم يتحقق كان كفيلاً بأن يبقي تركيز حماس على دورها التشريعي
الجديد بعيداً عن متاهات الحكومة واستحقاقاتها المتوقعة منها، خاصة ما يتعلق
بالاعتراف بالدولة العبرية، والقبول بكل الاتفاقات السابقة، ونبذ العنف وتفكيك
البنى التحتية للأذرع العسكرية التابعة للفصائل والأحزاب الفلسطينية.
وكانت الأولوية الأهم لدى حماس منذ أن بدأت في التفكير الجدي لتشكيلة الحكومة
أن تعطي الأولوية لحكومة ائتلاف وطني عريض يضم حركة فتح بحيث تعمل هذه الحكومة
للصالح العام. ورغم رفض ((فتح)) الأولي لهذه الدعوة إلا أن حماس استمرت في
مفاوضاتها مع فتح، وانتقل الموقف الفتحاوي بشكل سريع إلى موقف يقبل بمبدأ
الشراكة السياسية، ولكن ضمن ضوابط يحددها الإطار السياسي لبرنامج الحكومة
القادم، كما جاءت تصريحات محمود عباس، بعد أن سبقه فيها كل من الدكتور نبيل شعث
ورئيس كتلة ((فتح)) في التشريعي النائب عزام الأحمد، لكن ما حدث بين الطرفين
كان التلاقي في المبدأ والاختلاف في التفاصيل، وهو ما أعاق إمكانيات التوصل إلى
اتفاق مشترك، ونفى بالتالي احتمالية الحكومة الائتلافية مع ((فتح)).
وحسم موقف حماس قطعياً بعد إعلانها يوم الجمعة 17-3-2006 استعدادها لأن تشكل
بمفردها حكومة بعد أن أنهت محادثات تشكيل ائتلاف حكومي دون التوصل لاتفاق مع أي
من الفصائل، وهو ما حصل بالفعل بعد أن قدّم رئيس الحكومة الفلسطينية المنتخب
إسماعيل هنية الأحد 19-3-2006 تشكيلة حكومته إلى رئيس السلطة محمود عباس (أبو
مازن).
وضمت تشكيلة الحكومة الفلسطينية التي قدّمها هنية 24 وزيراً، بينهم 8 نواب
والباقون من خارج المجلس التشريعي. ومن بين الوزراء 10 من قطاع غزة، و14 من
الضفة الغربية بينهم امرأة ومسيحي. القائمة أغلبها من الشخصيات التكنوقراط وتضم
وزراء من حركة حماس ومستقلين.
وقال هنية إن برنامج حكومته يركز على عدة قضايا، أهمها استعادة الحقوق
الفلسطينية (عودة اللاجئين - الإفراج عن الأسرى - إقامة دولة فلسطينية) ومحاربة
الفساد وحسن استغلال المال العام.
أسباب رفض الفصائل
بادرت حركة حماس يوم 11 آذار/مارس بنشر المبادئ العامة لبرنامجها الحكومي على
موقعها الإلكتروني تحت عنوان: ((محددات البرنامج السياسي الذي قدمته حماس
للفصائل والكتل النيابية لتشكيل الحكومة الائتلافية)) وذلك بعدما قام إسماعيل
هنية، بتسليم محمود عباس رد حركته على كتاب التكليف بشأن الحكومة القادمة، وبعد
أن طالب عباس هنية بتوضيح برنامج حكومته، وبعد أن أعلن عزام الأحمد، بوصفه
رئيساً لكتلة فتح في التشريعي، رفض الحركة لبرنامج حماس الحكومي بحجة أنه لا
يلبي متطلبات كتاب التكليف الذي وجهه عباس لرئيس الحكومة المكلف اسماعيل هنية.
ولم يكن ما تضمنه برنامج حماس في الحقيقة مفاجئاً لأحد، كما لم يكن مفاجئاً
إدراك حقيقة أن هناك بوناً شاسعاً بين البرنامج السياسي لـ((م. ت. ف))، ووثيقة
الاستقلال، وبنود الاتفاق الفلسطيني - الصهيوني، وبين ميثاق ((حماس)) وتوجهاتها
السياسية والأيديولوجية، وفي مقدمتها برنامج المقاومة.
وحاولت حماس فيما يتعلق بصياغة الرد السياسي لكتاب التكليف الرئاسي اللجوء إلى
بسط نقاط عامة، قابلة للحوار والنقاش، دون أن تُشكل محددات ملزمة للحركة، خاصة
فيما يتعلق بالاتفاقات الموقعة بين ((م. ت. ف)) والدولة العبرية، وكذلك مقررات
الشرعية الدولية، إضافة إلى وثيقة الاستقلال، بما تضمنته من محددات واضحة.
وبعد حوالي ثلاثة أسابيع من الدراسة والتشاور داخل ((حماس)) وخارجها، قدمت
الحركة برنامجها إلى الرئيس (أبو مازن)، الذي اعتبر -حسبما أفادت مصادر مطلعة-
أن رد حماس غير كاف وينقصه الوضوح، ولا يمكن تسويقه دولياً. أما القوائم الأخرى
الممثلة بالمجلس التشريعي فقد اعتبرت برنامج حماس مشروعاً أولياً قابلاً
للنقاش، ووجهت له العديد من الملاحظات التي تمحورت حول أنه غامض خصوصاً فيما
يتعلق بالموقف من قضايا عامة أساسية مثل الاعتراف بـ((م. ت. ف))، وتبنّي وثيقة
الاستقلال والتمسك بالثوابت الوطنية. كما أشارت الملاحظات إلى أن برنامج حماس
عمومي ويعاني من عدم تحديد الآليات والخطط التي يمكن أن تؤدي إلى تحقيق الأهداف
الوطنية.
ونقلت العديد من وسائل الإعلام عن مسؤولين فلسطينيين شاركوا في المحادثات قولهم
إن نقاط الخلاف الأساسية مع الفصائل تتمثل في رفض حماس قبول الاتفاقيات
القائمة، واحترام الالتزامات الخاصة بمنظمة التحرير الفلسطينية ومن بينها
الاعتراف بالدولة العبرية.
لكن موقف فتح من المشاركة لم يستند بالكامل على الموقف السياسي، وإنما كان له
بعد آخر يتعلق بما هو إداري، فيما يتعلق بعدد الوزراء المشاركين من ((فتح))،
وبالتالي الوزارات التي سيشغلونها، وإن كان ما تردد على لسان قادة فتح يظهر فقط
إصرارهم على التزام الحكومة القادمة بكل الاتفاقيات الموقعة وضرورة التوصل إلى
قواسم مشتركة حول البرنامج السياسي للحكومة خلافاً للبرنامج الذي أصرت حماس على
الاحتفاظ به، والذي فازت على أساسه في الانتخابات الأخيرة، وإصرارها على موافقة
كل الشركاء على ذلك البرنامج، مع استعدادها لإدخال الحد الأدنى من التعديلات
الهامشية دون التأثير على مضامينه الأصلية.
وعلى ذات الشاكلة كان موقف ((قائمة البديل)) وهي كتلة برلمانية تضم ثلاث جماعات
(الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، حزب الشعب، فدا) التي أبلغت حركة حماس
أيضاً أنها لن تشارك في الحكومة الجديدة. كما رفض سلام فياض وزير المالية
السابق عرضاً من حماس للانضمام بحزبه الصغير المستقل ((الطريق الثالث)) للحكومة
الجديدة.
وعن موقف حماس من هذا الإحجام عن المشاركة في حكومة تشكلها الحركة قال سامي أبو
زهري المتحدث باسم حماس إن حركته ((لن تغلق الباب أمام أي طرف يرغب في الانضمام
للحكومة حتى اللحظة الأخيرة))، مضيفاً أنه إذا لم يتحقق تقدّم فإن الحركة ستمضي
قدماً بتشكيل حكومة من وزراء ينتمون لحماس ومستقلين وفنيين وهو ما كان فعلاً.
وانتقد أبو زهري محاولة ((بعض الأطراف جرّ حماس إلى التخلي عن برنامجها لصالح
أجندات أخرى والاعتراف بالاتفاقات السابقة التي تتضمن اعترافاً واضحاً
بالاحتلال الذي نرفضه)).
وذات التصريح ورد على لسان إسماعيل هنية في حوار مع ((إسلام أون لاين)) حين
قال: ((حماس حرصت منذ البداية على الشراكة السياسية مع كافة القوى، ولبّت ثلثي
مطالب القوى المتعلقة بالبرنامج السياسي للحكومة، لكن الأمور تتجه نحو الخيار
الأخير بالنسبة للحركة وهو تشكيل حكومة مكونة من حركة حماس ووزراء تكنوقراط)).
وأضاف بمرارة: ((فحوى اللقاءات السابقة مع الفصائل والكتل البرلمانية تؤشر أننا
كلما اقتربنا نشعر أننا نبتعد)).
وبرر هنية طول الفترة التي استغرقتها حماس في مشاوراتها مع الفصائل وخاصة حركة
فتح بقوله: ((استمرت اللقاءات مع فتح رغم أن الإشارات كانت أنها لن تشارك؛
لأننا نريد إعطاء إشارة للشعب الفلسطيني ولفتح أن حماس ليست حركة إقصائية ولا
تريد التفرد)).
وكما قلنا سابقاً لم تُبقِ المواقف السابقة للفصائل الفلسطينية سوى احتمال أخير
لتشكيل الحكومة القادمة، ويبدو أنه يمثل أفضل الاحتمالات وأنجحها أمام الصعوبات
القائمة والاشتراطات الـمطروحة للبحث.. تشكيلة عمادها قيادات وشخصيات الحركة،
إضافة إلى المستقلين و(التكنوقراط).
وبالموقف الذي تبنته القوى الفلسطينية الأخرى وعلى رأسها فتح وقوى اليسار تكون
الفصائل قد انضمت لحملة الضغوط الصهيونية وبعض الضغوط الدولية التي تستهدف
إضعاف الوضع الفلسطيني برمته ومعاقبة الشعب الفلسطيني على اختياره.
فما طرحته حماس في ورقتها البرنامجية يشكل حقيقة أساساً لتوحيد الصفوف
الفلسطينية في مواجهة الخطر الداهم ورداً على أخطر هجمة يواجهها الشعب
الفلسطيني هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى من حق حماس كأكثرية أن تضع البرنامج
السياسي الذي يلائمها وهي أخذت بالاعتبار أصول الشراكة الوطنية واستحقاقات
النظام المختلط البرلماني- الرئاسي وإن كانت الأمور لم تتم كما أرادت. كما أنه
من حق حماس أيضاً اختبار مدى صحة برنامجها من خلال التجربة.
ارتفاع شعبية حماس
وهذا السلوك الذي انتهجته حماس خلال تشكيل الحكومة رفع عملياً من شعبيتها لدى
الرأي العام الفلسطيني حيث أظهر استطلاع للرأي العام الفلسطيني أجري عشية تشكيل
حركة حماس للحكومة ارتفاعاً في شعبية الحركة مقابل تراجع في شعبية حركة فتح،
كما أظهر أن 70% يتوقعون أن تنجح حماس في قيادة وإدارة شؤون السلطة.
وقد جاءت هذه النتائج استناداً إلى استطلاع للرأي العام الفلسطيني في الضفة
الغربية وقطاع غزة قام به المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية وذلك في
الفترة ما بين 16-18 آذار/مارس 2006. وقال الذين تم استطلاع آرائهم أنه لو جرت
انتخابات جديدة اليوم فإن 47% من الذين ينوون المشاركة فيها سيصوتون لحماس و39%
لفتح.
ومن خلال نظرة موضوعية يرى الكثير من الباحثين والسياسيين أن المواقف المعلنة
حتى الآن من قيادة حماس سواء منها المتعلق بالإدارة السياسية للصراع أو تلك
المتعلقة بإدارة الأوضاع والحياة الداخلية للشعب الفلسطيني هي مواقف وطنية
متّزنة ولا يُشتمّ منها أي نزوع نحو المغامرة أو المخاطرة غير المحسوبة.
وحماس برأيهم تقاربت إلى حد كبير مع مواقف القوى والفصائل الوطنية الأخرى في
أهدافها وبرامجها، فالجميع كان يطالب بإعادة الاعتبار لمنظمة التحرير
الفلسطينية وهو ما دعت إليه حماس ووعدت بالإيفاء به.
كما أن الجميع يرى أن الحل المرحلي هو دولة فلسطينية مستقلة كاملة السيادة في
حدود حزيران/يونيو 1967 وعاصمتها القدس، فأعلنت حماس قبولها بذلك، والجميع يقول
بأن خيار المقاومة خيار استراتيجي لا يجوز التخلي أو التنازل عنه، وحماس كررت
إصرارها على ذلك.
وهذه المواقف تقول بأنه لا يوجد اختلاف جوهرياً على المستوى النظري بين برنامج
حركة حماس وبرامج القوى الأخرى لكن الاختلاف الحقيقي يكمن في تكتيكات الممارسة
والتطبيق في الميدان.
فتح تطالب بحل السلطة
لم تكد تمضي ساعات معدودة على تشكيل حماس لحكومتها حتى بدأت الدعوات تتزايد
مطالِبة أبو مازن بحل السلطة خصوصاً بعد الاجتياح الصهيوني المدعوم بالتواطؤ
الأمريكي - البريطاني، لمقاطعة وسجن أريحا، الذي تخللته إجراءات ومظاهر استهانة
ومهينة للسلطة الوطنية الفلسطينية، وجاءت غالبية الدعوات ولأول مرّة من داخل
حركة فتح، التي طالبت الرئيس الفلسطيني بالاستقالة وحلّ السلطة.
وخلال هذه الدعوات عبّر عدد من أعضاء حركة فتح عن قناعتهم بأن حل السلطة
الفلسطينية يشكل مخرجاً من بعض المآزق التي يمر بها الشعب الفلسطيني، وقالوا
بأن السلطة لا تستطيع حماية الشعب الفلسطيني وهي أشبه ما تكون بـ((روابط
القرى)) التي بادر شارون بتشكيلها مع مناحيم ميلسون عام 1981 لإدارة شؤون الشعب
الفلسطيني اليومية.
ورغم صحة هذه الدعوات إلا أن توقيت إعلانها بعد فوز حماس وتشكيلها للحكومة،
وطبيعة الجهة التي تطالب بها يضع الكثير من علامات الاستفهام، خصوصاً وأن ذات
الجهة رفضت دعوات سابقة شبيهة قبل حوالي ثلاث سنوات عندما بدأت الدولة العبرية
إجراءات إقامة الجدار الفاصل في الضفة. وحينها طرح خيار توظيف حلّ السلطة لمنع
الدولة العبرية من النجاح في مسعاها إنهاء القضية الفلسطينية عبر حشر
الفلسطينيين في ((منزلة بين المنزلتين))، لكن قيادة السلطة رفضت حينها واتهمت
بعض من أثاروا القضية بالعمل ضد المصالح العليا للشعب الفلسطيني!!
مهمة حماس الأصعب
الآن وبعد أن تشكلت حكومة حماس نقول إن هذا التشكيل من أسهل المهمات والتحديات
التي ستواجهها الحركة في الفترة المقبلة على عكس ما يعتقده كثيرون.
فحماس أولاً تملك غالبية برلمانية مريحة تمكّنها من تمرير أي حكومة تشاء. كما
أن منافستها فتح ليست في وارد وضع العراقيل أمام عملية التشكيل، بل إن هناك
تياراً رئيسياً داخلها يريد أن تتحمل حماس المسؤولية في أسرع وقت ممكن، ويراهن
هؤلاء على إظهار عجز حماس في حال استمرت محاصرتها، وإظهارها كسبب في تعقيد
المشاكل التي يعاني منها الجمهور الفلسطيني على مستويات عدة.
أما صعوبات حماس فستبدأ عملياً صباح اليوم التالي لتشكيل الحكومة لدى مواجهة
الحكومة الجديدة الملفات والقضايا الشائكة التي تنتظرها. وبحسب تصريحات رئيس
الحكومة المكلف إسماعيل هنية فإن حكومته ستعالج أربعة ملفات أساسية، في السياسة
والاقتصاد والأمن الداخلي والإصلاحات الشاملة في المؤسسة الفلسطينية.
ويحظى ملفان من بين الأربعة بشبه إجماع فلسطيني هما الأمن الداخلي والإصلاحات
الشاملة في المؤسسة الفلسطينية. وستجد حماس مناصرين كثيرين في الساحة
الفلسطينية في حال تعاطت مع هذين الملفين وأوجدت أوسع مساحة ممكنة من الحوار
والنقاش حولهما، سواء داخل المجلس التشريعي أم في الساحة السياسية والحزبية
والاجتماعية، وتجنيد أكبر دعم ممكن للخطوات الإصلاحية.
وبناء على ذلك فإن الملفات الأصعب تتمثل في الشأنين السياسي والاقتصادي. فالأول
يتضمن طبيعة العلاقة مع الدولة العبرية والاتفاقات الموقعة والخطط المطروحة
إقليمياً ودولياً للوصول إلى تسوية نهائية للصراع في فلسطين. أما الثاني فيتعلق
بالحال المتردية للاقتصاد الفلسطيني وتحوله اقتصاداً قائماً على المعونات
والمساعدات الخارجية في ظل افتقار الكيان الفلسطيني إلى أدنى مقومات الاستقلال
والاكتفاء الذاتي، وكنتيجة طبيعية للممارسات الصهيونية التي قضت على أي فرصة
لقيام كيان فلسطيني حرّ ومستقل وقابل للحياة، سواء من الناحية الجغرافية أو من
الناحية الاقتصادية.
وباختصار نستطيع القول أننا أمام مشهد سياسي فلسطيني جديد سيقرر واقعاً سياسياً
جديداً مستنداً على شرعية قانونية عقلانية، لا يمكن لأي تنظيم أن يشكك فيها أو
يخرج عنها لأنها هي ركيزته وقوته في الوصول إلى السلطة.
ويبقى السؤال الذي ينتظر إجابته الكثيرون هل سنكون مع حكومة فلسطينية برؤية
جديدة تبتعد عن معايير توزيع المناصب على أسس ولائية والترضيات الشخصانية،
حكومة تستجيب أولاً للواقع السياسي وتحدياته الأمنية والاقتصادية والاجتماعية؟؟
الإجابة ستكون فعلاً فيما يلمسه الشعب الفلسطيني برمته وبمختلف شرائحه.