الانتخابات الصهيونية المبكرة
استفتاء على السياسات أحادية الجانب
ماجد عزام
مدير مركز شرق المتوسط للصحافة والإعلام- بيروت
تجرى الانتخابات العامة في الكيان الصهيوني على صدى ثلاث انفجارات، نجاح أرييل
شارون في تنفيذ خطة الانسحاب أحادي الجانب، ونجاح عمير بيرتس في الوصول إلى
رئاسة حزب العمل، وخروج شارون من الليكود وتأسيس حزب كاديما.
لكن محاولات الليكود والعمل لتسخين المعركة الانتخابية باءت بالفشل، فقد ظلت
هذه المحاولات باردة جامدة وأسيرة لاستطلاعات الرأي والمزاج الإسرائيلي العام
الذي يتجه لإعطاء حزب كاديما أفضلية لا لبس فيها على حساب الأحزاب الأخرى.
نحن وللمرة الأولى أمام توافق شبه تام بين معظم الأحزاب الإسرائيلية على الخطوط
العريضة للبرامج السياسية التي تتضمن ما يوصف إسرائيلياً بنقاط الاجماع أو
الثوابت الصهيونية، والتي يأتي على رأسها رفض العودة إلى حدود حزيران يونيو
1967 عبر ضم الكتل الاستيطانية الكبرى الثلاث (أرييل) و(معاليه أدوميم) و(غوش
عتصيون) إلى (إسرائيل)، مع الاحتفاظ بالقدس موحدة عاصمة أبدية لـ(إسرائيل)،
والاستعداد المبدئي للتنازل عن الأحياء العربية في ضواحي المدينة للكيان
الفلسطيني الذي ينظر إليه من زاوية المصالح الإسرائيلية، وكوسيلة لتخلص
(إسرائيل) من مشاكلها المتعددة الديمغرافية والأمنية والنفسية.
إلى ذلك يضاف الإجماع على المضي قدماً في بناء الجدار العنصري في الضفة الغربية
مع اختلافات في مدى توغل الجدار في عمق الضفة ومساحة الأرض التي سيقتطعها منها.
من نافل القول طبعاً أن ثمة إجماعاً إسرائيلياً من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار
–هذا إن وجد– على رفض حق العودة للاجئين الفلسطينين إلى القدس والمدن التي
شردوا منها، والإصرار على عودة جزء منهم فقط إلى ما تبقى من قطاع غزة والضفة
الغربية.
- عجز حزب العمل عن منافسة كاديما بشكل جدي رغم الزخم الذي تحقق بعد انتخاب
عمير بيرتس لزعامة الحزب أوائل تشرين الثاني/نوفمبر الماضي؛ إلا أن الحزب تراجع
بعد ذلك وفشل في فرض أي جدول أعمال مختلف على الناخب الإسرائيلي، حيث أراد زعيم
الحزب وضع الملف الاقتصادي الاجتماعي على رأس أولويات الناخب الإسرائيلي، غير
أن الواقع فرض نفسه وإنحاز هذا الناخب كعادته إلى الجانب السياسي والأمني رغم
الأحوال الاقتصادية والاجتماعية المتدهورة والتي تزداد تدهوراً في (إسرائيل).
- لم يتخلص حزب اليكود حتى الآن من صدمة أو زلزال انشقاق أرييل شارون عن الحزب،
والذي بات محصوراً بين كاديما كحزب يمين وسط ولو وفق المفهوم الإسرائيلي وأحزاب
اليمين المتطرف الأخرى مثل (إسرائيل) بيتنا والاتحاد القومي والمفدال، وتحول
الليكود إلى يمين متطرف يعني استحالة عودته منفرداً إلى السلطة، علماً أن
الاستطلاعات تعطي الأحزاب اليمينية ما بين الثلاثين وخمسة وثلاثين مقعداً، وإذا
ما أضيفت إليها مقاعد الأحزاب الدينية وكاديما كحزب وسط نصبح أمام قرابة
الثمانين مقعداً لليمين بتلوناته المختلفة، الأمر الذي يؤكد هيمنته على الساحة
السياسية والانزياح المستمر للجمهور الإسرائيلي نحو اليمين على حساب الوسط
واليسار.
- كما في الحملات الانتخابية الثلاث الأخيرة يخف صوت حزب ميريتس شيئاً فشيئاً
ومعه يخف صوت اليسار الإسرائيلي حتى كاد يتلاشى، ويعترف قادة هذا الحزب كما
تؤكد نتائج الاستطلاعات أن هذا الحزب يدفع ثمن دفاعه عن عملية التسوية وإمكانية
التوصل لاتفاق نهائي للصراع مع قادة السلطة الفلسطينية، هذا طبعاً قبل الزلزال
الفلسطيني الذي أوصل حركة حماس إلى سدة السلطة أو القيادة والذي يعتبر في أحد
أوجهه رداً على الزلازل والهزات الأخيرة في (إسرائيل).
- تميزت الحملة الانتخابية الحالية بغياب الجدل التقليدي بين العلمانيين
والمتدينين وحتى بين الأشكيناز والسفرديم ورغم انتخاب عمير بيرتس الشرقي لزعامة
حزب العمل، إلا أن الشيطان الطائفي لم يهيمن على الحملة أو المعركة الانتخابية
خاصة مع تلاشي حزب شينوي، وتحدثت الاستطلاعات عن إمكانية عدم تجاوزه نسبة الحسم
وتراجع حزب شاس عن لعب دور مهم في الساحة السياسية والحزبية، وهذا التطور بالغ
الأهمية ويعتبر إنجازاً مهماً لأرييل شارون الذي اعتبر رئيس الوزراء الأول الذي
يجرؤ على تشكيل حكومة بدون المتدينيين، وتحجيم هؤلاء ضمن حدود المطالب
الاجتماعية والحياتية، وهو الدور الذي لعبوه بنجاح في العقود الثلاث الأولى بعد
تأسيس دولة (إسرائيل).
- يجب أن لا يغيب عنا أن (إسرائيل) تشهد انتخابات مبكرة للمرة الخامسة خلال
عشرة أعوام تقريباً، ومنذ انطلاقة عملية التسوية مع الفلسطينيين بدت الانتخابات
وكأنها استفتاء على المضي قدماً في مفاوضات التسوية أو التنكر لها، غير أن
الحملة الانتخابية تدفن التسوية بشكل نهائي وتشكل استفتاء جدياً على الخطوات
والسياسات الأحادية، غير أن هذا الأمر والتفاف الجمهور الإسرائيلي حول كاديما
لا يلغيان هشاشة الساحة السياسية الإسرائيلية وقلقها وتغيرها شبه الدائم. وإذا
ما أضفنا إلى ذلك التطورات الأخيرة على الساحة الفلسطينية فإن الانتخابات
الإسرائيلية قد لا تعيد الاستقرار إلى الحلبة السياسية خاصة مع المتغيرات
والتطورات المتلاحقة في العالم والتي قد لا تصب كلها في مصلحة (إسرائيل)، الأمر
الذي يؤدي حسب التجارب التاريخية إلى مزيد من الهزات والتقلبات في الخريطة
السياسية والحزبية الإسرائيلية.