السيد
الرئيس طالباني وزمن العراق الجديد!!
لا ندري هل سيسفر تولي السيد جلال الطالباني لمنصب رئيس العراق إلى رفع العلم
العراقي على المؤسسات الرسمية في مناطق الشمال الكردي، أم أن الرفض سيتواصل لأن
العلم المذكور هو جزء من تراث بائد لا يريد الأكراد تذكره؟ لكن الأكيد هو أن
الزعيم الكردي الكبير لن يأمر باستبعاد العلم من المراسيم الوطنية للبلد الذي
يشغل منصب الرئاسة فيه!
إنها مفارقات العراق الديمقراطي في زمن الاحتلال الأمريكي، إذ لا غرابة في أن
تغدو رئاسة الدولة من نصيب أقلية لا تزيد نسبتها عن 13,5% من مجموع السكان بحسب
الإحصاءات الدولية المتعلقة ببرنامج النفط مقابل الغذاء، وإلى جانب الرئاسة
منصب نائب رئيس الحكومة ومنصب سيادي في الحكومة مع ثلاث حقائب أخرى، إضافة إلى
جملة من الاشتراطات التي تطعن في وحدة الدولة. وإذا تذكرنا أن الطالباني هو
قائد حزب كردي لا يأخذ من الشارع الكردي سوى ثلث أصواته في حال أجريت انتخابات
لجميع الأكراد، فسندرك أن قائد حزب له أقل من خمسة في المئة من مجموع العراقيين
قد نال منصب الرئاسة!!
من المؤكد أننا لا نعترض على مبدأ أن يتبوأ أي عراقي منصب الرئاسة إذا ملك
المؤهلات الكافية لشغل المنصب، بل ربما كنا نشجع ذلك من باب تعزيز الوحدة
الوطنية لدى الجميع، لكن واقع الحال هنا ليس كذلك، ليس لأن الرجل المعني هو من
أسوأ أنواع السياسيين تقلباً بين الأفكار والمواقف فقط، بل أيضاً لأن جزء من
أقلية لا تسعى إلى تعزيز الوحدة بل إلى تكريس الانفصال.
من هنا يمكن القول إن ما جرى هو محض إهانة للعراق وللغالبية الساحقة من
مواطنيه، وإلا فأي منطق يحكم انتخاب رئيس لدولة لا يؤمن بوحدتها، ويتعامل مع
أطيافها الأخرى غير طيفه العرقي بمنطق الثأر، وليس الأخوة والمحبة، وإلا فهل
ستتوقف مليشيات الطالباني وصديقه اللدود (بارزاني) عن التحرش بالعرب السنة
والشيعة وبالتركمان، من أجل طرد وتهجير ما تبقى منهم في كركوك والعديد من
المناطق الأخرى؟
هي محض إهانة للعراق وتكريس لشرذمته، فما سيفعله الطالباني في المرحلة المقبلة
هو تطبيق البرنامج الذي يؤمن به ولا يؤمن بسواه، أعني ذلك المتصل بتأكيد
استقلالية مناطق الأكراد، مضافاً إليها كركوك ومناطق أخرى من محافظتي ديالى
والموصل، مع محاولة الهيمنة على أكبر حصة من عائدات النفط العراقي، إلى جانب
الاحتفاظ بمليشيات البشمركة، أو منحها قدراً من السيطرة على الجيش العراقي
والمؤسسات الأمنية. والخلاصة هي الحصول على الاستقلال الكامل من دون تحمل
أعبائه السياسية التي لا يطيقها لا هو ولا صاحبه، وهما اللذان يدركان تماماً ما
يمكن أن تكون طبيعة الردود الإيرانية والتركية عليه.
ولعل من الغرابة بمكان أن يتبرع بعض مدعي تمثيل العرب السنة، ومنهم إسلاميون مع
الأسف، إلى تأييد ترشيح الطالباني، ولا ندري هل للأمر صلة بالتهديد والإغراء،
أم أنها غفلة الصالحين حين يتلاعب بهم دهاقنة السياسة من أمثال طالباني الذي لا
بد أنه أقنع بعضهم بأنه سني مثلهم، مع أن الرجل لا يعرف اتجاه القبلة في بيته؟!
الذين فاوضوا باسم العرب السنة خلال الأسابيع الأخيرة لا وزن لهم، وسيثبت ذلك
لاحقاً، لكن للسياسة طقوسها البشعة في كثير من الأحيان، وفي حين رضي أولئك
القوم من الغنيمة بالإياب عبر منصب بلا قيمة، هو أشبه بعريف الصف في المدرسة،
أعني منصب رئاسة البرلمان، ولرجل من ذات الفئة التي منحت شرعية تمثيل العرب
السنة في مجلس الحكم، ثم انسحبت من الحكومة مكرهة من دون أن ينسحب ممثلها (حاجم
الحسني نفسه)، ثم ها هي تبدي الندم على مقاطعة الانتخابات التي قاطعتها مكرهة،
الأمر الذي يدفعها إلى الرضا من الغنيمة بالإياب!!
تبقى حقيقة الصفقة التي جاءت بطالباني إلى قصر الرئاسة الذي لا يزال محتلاً من
قبل القوات الأمريكية رغم مناشدات الرئيس السابق الذي أصبح نائباً للرئيس، فيما
لا نعلم إن كان الرئيس الجديد سيحرره بالمحبة من أصدقائه الذين استخدموه وصديقه
اللدود جسراً للعبور إلى العراق؟
الصفقة التي نعني هي تلك التي عقدت بين لائحة السيستاني وبين فريقي الأكراد
اللذين باتا فريقاً واحداً في مواجهة ((الغزاة العرب))، وفيها حصلت اللائحة
المذكورة على رئاسة الحكومة ومنصبين سياديين وعدد كبير من المقاعد الوزارية
الأخرى، إضافة إلى تمرير لعبة السيطرة المطلقة على أجهزة الأمن، من ناحية
التوظيف بالطبع، وليس من ناحية التشغيل الذي يتكفل به الأمريكان حتى هذه
اللحظة، تماماً كما يتحكمون بالنفط والعائدات والصرف بمختلف أشكاله.
حصيلة الصفقة هي بيت عنكبوت ليس إلا يريد المحتلون من خلاله إظهار ديمقراطيتهم،
فيما يريد الآخرون أن ينفسوا عقدهم حيال العراق، ومن يقال إنهم قد حكموه منذ
قرون، لكأن صدام حسين كان ممثلاً لفئة بعينها. أما الطرف الثالث فيتشكل من
مجموعة من الانتهازيين الذين رضوا بالفتات على حساب الفئة التي يزعمون الدفاع
عنها.
توليفة كهذه لن يكتب لها النجاح، فما جمعته الصفقات المشبوهة ستفرقه رياح
السياسة المحلية والإقليمية والدولية، ويبقى أن صوت الشعب العراقي سيظل حاضراً
بسلاح المقاومة الباسلة التي وصفها الطالباني بأنها الإرهاب الأسود الذي يقتل
العراقيين، حتى لو عاد بعد ذلك وتحدث عن جزء شريف منها يمكن التحاور معه!!