هل تلهث السياسة الأوروبية وراء
واشنطن؟
بون/نبيل شبيب
رغم وجود خلافات أوروبية - أمريكية بصدد ((أسلوب)) التعامل مع القضايا الساخنة
في الفضاء الجغرافي الأقرب إلى الأوروبيين، تبدو سياسة الاتحاد الأوروبي، أو
سياسات الدول الأعضاء الرئيسية فيه، وكأنّها تلهث في الوقت الحاضر وراء ما
تطرحه السياسات الأمريكية، وهذا ما يسري على أهم القضايا المطروحة على الساحة
حالياً، في العراق، وفي سورية ولبنان، وفي فلسطين، وعلى صعيد دعوات الإصلاح في
المنطقة.
والخلاف في الأسلوب يشير إلى عدم وجود خلاف جذري بصدد الأهداف البعيدة تجاه
المنطقة، سواء بالنسبة إلى الجانب السياسي والحرص على بقائها ((تحت السيطرة))،
بحيث لا تخرج عن دائرة السياسات الغربية الدولية عموماً، أو بالنسبة إلى الجانب
الثقافي والحضاري المطروح بقوّة، وإلى العلاقة الوثيقة لذلك بموقع الصحوة
الإسلامية والتيار الإسلامي من مجرى الأحداث والتطوّرات، بما في ذلك الغليان
الداخلي على صعيد المطالبة بإصلاح شامل.
بعد الانسحاب من لبنان
لا ريب أنّ العلاقات الإيرانية بالأحزاب الشيعية في العراق -بالإضافة إلى
المأزق الأمريكي تجاه المقاومة- قد لعب دوره في عدم مضيّ واشنطن في تصعيد
الخلاف مع طهران بشأن برنامجها النووي إلى مستوى مواجهة مباشرة، إضافة إلى
صعوبة توظيف مجلس الأمن الدولي في هذا الاتجاه بسبب الموقف الروسي، ولكنّ
الحكومة الأمريكية عمدت خلال جولة بوش الماضية في أوروبا إلى إظهار ذلك في مظهر
التنازل للالتقاء مع الأوروبيين على أرضية مشتركة بإعطاء الجهود الديبلوماسية
فترة زمنية أطول. ولا يستبعد أن يكون ذلك هو أحد العوامل التي أوصلت إلى انضمام
الأوروبيين، بما يشمل فرنسا وألمانيا والاتحاد الروسي، إلى الأمريكيين بصورة
فاجأت السياسة السورية بوضوح عندما صدر القرار 1559 عن مجلس الأمن الدولي،
فأصبح المنطلق إلى تطوّرات سريعة، بما في ذلك توظيف اغتيال رفيق الحريري في
تعبئة التحرّك الداخلي وتسويغه في لبنان، جنباً إلى جنب مع التحرّك
الأمريكي-الأوروبي، مقابل افتقاد الحكومة السورية لأيّ موقف عربيّ داعم، وهو ما
جعل الانسحاب العسكري محتماً.
ولا يخفى أنّ الهدف الأمريكي - الأوروبي المشترك أبعد مدى من هذا الانسحاب،
فالمطلوب في الحصيلة هو إنهاء آخر أشكال علاقات الدعم العربي لأي صيغة من صيغ
المقاومة في المنطقة للمشروع الصهيو- أمريكي. وتحييد سورية لا يعني التمهيد
لخطوة مستقبلية ضدّ منظمة حزب الله في لبنان فحسب، بل يستهدف مزيداً من خطوات
عزل الطرف الفلسطيني عربياً، وبالتالي الانفراد به أمريكياً وإسرائيلياً، على
صعيد التعامل مع ((العملية السلمية))، هذا مع ملاحظة أنّ التطلّع إلى أنّ
الانفراد بالمقاومة الفلسطينية سينطوي –إذا حقّق أهدافه- على الانفراد في فترة
تالية بالطرف السوري في قضية الجولان، واللبناني في قضية مزارع شبعا.
كذلك لا يوجد خلاف يذكر بين المواقف الرسمية الأمريكية والأوروبية على صعيد
مطالبة سورية بإصلاح سياسي داخلي شامل، بغضّ النظر عن السؤال ما إذا كانت هذه
المطالب مجرّد وسيلة من وسائل الضغط لتطويع النظام السوري للمشاركة في اتجاه
التسليم و((التطبيع)) والمشاريع ((الشرق أوسطية)) وأن يتخلّى عن مواقف التحفّظ
والعرقلة التي مارسها حتى الآن.
رغم ذلك لا يستبعد أن يفترق الموقفان الأمريكي والأوروبي بعد الانسحاب العسكري
السريع من لبنان، لا سيّما إذا جرت الانتخابات اللبنانية دون مشكلات كبيرة،
فالمصلحة الأمريكية-الإسرائيلية في تحويل عملية الإصلاح البطيئة للغاية في
سورية إلى مواجهات أو صراعات داخلية، لا تتطابق تماما مع مصلحة الأوروبيين
الذين يُعطون الأولوية لتجنّب أوضاع متفجّرة تؤدّي إلى موجات هجرة جديدة من
المنطقة. وهذا ما يرجّح صحّة ما نشرته بعض وسائل الإعلام بصدد التحرّك الفرنسي
إيجابياً تجاه سورية، بعد استكمال جزء كبير من الانسحاب العسكري خلال فترة
قياسية، وربّما بتأثير ما تعنيه الخطوة السورية الأخيرة بشأن الاستجابة لحقّ
السوريين ((في المنفى)) بجوازات سفر، بالنسبة إلى مشكة الأوروبيين مع قضايا
الهجرة واللجوء.
الإسلاميّون.. وحماس نموذجاً
يتصل بالموقف من سورية أنّ اهتمام الأوروبيين بخطوات إصلاح داخلي في البلدان
العربية القريبة أكبر من الاهتمام الأمريكي، هذا إذا اعتبرنا جدلاً الصدق في
الصياغة الكلامية لمواقف واشنطن المعلنة، وأغفلنا الجانب العملي فيما تمارسه من
سياسات تساهم في إثارة النزعات العرقية والطائفية وغيرها داخل كلّ قطر على حدة.
هنا يمكن التمييز الحذِر بين ما تطرحه الحكومة الأمريكية بشأن التعامل مع
التيّار الإسلامي في البلدان العربية وما بدأ الأوروبيون بطرحه على أساس فتح
باب للحوار. ويوجب الحذرَ عدمُ استبعاد أن تكون الغايات الأوروبية مطابقة
للغايات الأمريكية الأقرب إلى توظيف ذلك ليكون مجرّد ورقة ضغط إضافية على
الأنظمة العربية لانتزاع المزيد من الخطوات العملية لتنفيذ المشاريع ((الشرق
أوسطية)) ذات الصبغة الصهيو - أمريكية بمشاركة أوروبية. وفي سائر الأحوال يبقى
الاستعداد لحوار غربي مع ((الإسلاميين)) على اختلاف مواقعهم ومشاربهم، مشروطاً
أو مرتبطاً بالمنظور الغربي باستهداف تحقيق ما يُطرح تحت عنوان ((علمنة
الإسلام)).
هذه الصورة هي الأقرب إلى الترجيح على ضوء آخر المواقف الأمريكية والأوروبية من
((الديمقراطية في الأراضي الفلسطينية)) وموقع حماس منها، فرغم أنّ حيثيات
انتخابات رئاسة السلطة الفلسطينية كانت معروفة للساسة والإعلاميين الغربيين،
كان النجاح الملحوظ لمنظمة حماس في الانتخابات البلدية مفاجأة كبيرة، ويبدو أنّ
المفاجأة الأكبر كانت في إعلان حماس عزمها على المشاركة في الانتخابات
التشريعية المقبلة، وهذا ما يفسّر التراجع عن الحديث المكثّف من قبل عن
الديمقراطية وضرورة تعزيزها في الأراضي الفلسطينية، وهو ما يسري على المسؤولين
في جانبي الأطلسي، فقد عاد التركيز في الخطاب السياسي تجاه السلطة الفلسطينية
على توفير ((الشروط الأمنية))، بمعنى القضاء على المقاومة، وعلى الأرضية
الشعبية التي أشعلتها ويمكن أن تشعلها مجدداً. في هذا الإطار تأتي التصريحات
الأوروبية الجديدة بالاستعداد لتقديم المزيد من الدعم المالي والاقتصادي للسلطة
الفلسطينية، وهو ما يتصل بالتفسير الغربي المعتاد لكلّ تطوّر لا يتفق مع
التوقعات الغربية، كنتائج الانتخابات البلدية، أي الاعتقاد بأنّ تخفيف الضغوط
المعيشية اليومية، يكفي أو يمكن أن يوصل إلى تبديل موقف الناخب الفلسطيني، بما
في ذلك التعايش مع استمرار الاحتلال، هذا مع عدم إغفال أن توفير الدعم المالي
للسلطة يساهم في إعطائها فرصة زمنية لمحاولة إعادة ((خلط الأوراق)) سواء عبر
قانون الانتخابات أو بوسائل أخرى، قبل حلول موعد الانتخابات التشريعية، مع عدم
استبعاد تأجيله بتأييد دولي هذه المرة.
وبالإشارة إلى التوازي الراهن في التعامل مع الساحة الفلسطينية واللبنانية
والسورية، يمكن القول إنّ تصعيد المواقف الأوروبية في سنوات الانتفاضة تجاه
منظمات المقاومة الفلسطينية، وجزئياً تجاه منظمة حزب الله في الآونة الأخيرة،
يرجّح أنّ الدول الأوروبية لن تتردّد في مرحلة تالية عن المشاركة في العمل على
نزع سلاح المقاومة اللبنانية والفلسطينية، رغم إدراك ما يعنيه ذلك من احتمالات
انفجار مواجهات خطيرة في المنطقة.
ديمقراطية الاحتلال
على صعيد العراق أيضا أصبح الموقف السياسي الرسمي للأوروبيين، الشامل للدول
التي عارضت حرب احتلال العراق بشدّة، موقفاً قريباً من الموقف الرسمي المعلَن
أمريكياً، وأهم عناصره في الوقت الحاضر الحديث عن شرعية الانتخابات الأخيرة
التي جرت في ظلّ الاحتلال وفي ظلّ مقاطعة واسعة النطاق من جانب ((السنّة)) من
غير الأكراد، والملاحظ أنّ نسبتهم السكانية هبطت في الكتابات الغربية المواكبة
للاحتلال، إلى ما بين 20 و25 في المائة، بعد أن كانت الأرقام الأكثر انتشاراً
قبل الحرب ما بين 35 و45 في المائة.
وتأكيد شرعية الانتخابات، مع الإقرار بنواقص مقوّماتها إلى حدّ كبير، موقف
سياسي يتوافق مع انطلاق الأوروبيين من قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1456، الصادر
في حزيران/يونيو 2004، فقد شاركوا مشاركة فعّالة في استصداره، واعتبروه أولى
خطوات تجاوز الأزمة الشديدة بين جانبي الأطلسي، وشاركوا بالتالي في تحديد ثلاثة
مواعيد زمنية باتجاه استعادة العراق لسيادته، أولها الانتخابات التي جرت في
الموعد المذكور في القرار، ثمّ صياغة دستور جديد قبل منتصف آب/أغسطس من عام
2005 الجاري والتصويت عليه بعد ثلاثة شهور، وأخيراً إجراء انتخابات أخرى على
أساس الدستور الجديد قبل نهاية العام. وكان القرار حلاً وسطياً لاستعادة
التفاهم الأوروبي - الأمريكي، وتراجع الأوروبيون بموجبه عن المطالبة بجدول زمني
للانسحاب العسكري، وهو ما أصرّت واشنطن على رفضه. إلاّ أنّ الأوروبيين اعتبروا
القرار خطوة في اتجاه استعادة المبادرة عن طريق مجلس الأمن الدولي الذي سبق
تجاوزه أمريكياً، وفي الوقت نفسه كان الرفض الأمريكي لجدول انسحاب زمني سبباً
في تمسّك الدول الأوروبية المعارضة للحرب بموقفها، أن تقتصر مشاركتها في قضية
العراق على عمليات التدريب والتأهيل والدعم من خارج حدوده، وهو ما يسري أيضاً
على الحيلولة دون أن يكون لحلف شمال الأطلسي دور يتجاوز هذه المشاركة، ولم
يتبدّل هذا الموقف حتى الآن، إنّما يتجنّب الطرفان الأمريكي والأوروبي الحديث
العلني المباشر عن الجوانب الخلافية المستمرّة في هذا المجال، وليس مجهولاً أنّ
قاعدة التأييد التي تعتمد واشنطن عليها في الاتحاد الأوروبي قد اهتزّت بوضوح
عبر إسبانيا وبولندا، ولم تعد مضمونة كما كانت في إيطاليا وبريطانيا نفسها.
ويلحّ الأوروبيون على الحكومة العراقية في الوقت الحاضر أن تعمل على مشاركة
سائر الأطياف الشعبية، ولا سيّما ((السنّة)) في الخطوات السياسية التالية، إلاّ
أنّه يمكن القول إنّهم يمارسون عموماً سياسة ((الانتظار)) لرؤية ما ستسفر عنه
الجهود الأمريكية والبريطانية لتمرير خطوات الدستور والانتخابات، رغم استمرار
عجزهم عن كسر شوكة المقاومة المتواصلة للاحتلال، وقد اتخذت أبعاداً متطوّرة رغم
وجود من يزرع الألغام على طريقها، بارتكاب عمليات عشوائية وعمليات عنف مرفوضة،
تسيء لسمعة المقاومة نفسها وتضاعف أخطار نشوب صدامات طائفية وعرقية، وهو ما
يدفع إلى التساؤل عن حقيقة الجهات التي تقف وراءها.