التغلغل الإسرائيلي الاستراتيجي في آسيا
الوسطى
واشنطن/ د. أسامة
عبد الحكيم
نظراً لسياستها المتمثلة بالسيطرة الأخطبوطية على دول آسيا الوسطى، فإن
(إسرائيل) لا توفر فرصة دون استغلالها لخدمة تلك الأهداف. لذلك فقد بنت
علاقاتها تجاه تلك الدول على أساس تلك السياسة. وإذا نظرنا إلى ما تريده
(إسرائيل) من تلك الدول أو فيها لا نجد أفضل من كلمة ((كل شيء)) للتعبير عن تلك
السياسة.
وقد وضعت (إسرائيل) عدة أهداف تكتيكية تسعى لتنفيذها من خلال علاقاتها بتلك
الجمهوريات.
الاقتصاد
استغلت (إسرائيل) الفراغ الذي أحدثه الانهيار المفاجئ للاتحاد السوفييتي،
وسارعت إلى الاعتراف بدول آسيا الوسطى. وركزت (إسرائيل) خلال المرحلة الأولى من
تاريخ علاقاتها بتلك الدول على الجانب الاقتصادي. وسعت (إسرائيل) إلى السيطرة
على مقومات دول آسيا الوسطى الاقتصادية كمرحلة أولى ثم ربط اقتصادياتها
بالاقتصاد الإسرائيلي، مما يجعل انفصاله عنه صعباً للغاية إن لم يكن مستحيلاً.
لذلك لا توفر (إسرائيل) أي فرصة للالتفاف الاقتصادي على تلك الدول.
وبدأت الوفود الحكومية بالقيام بزيارات لتلك الدول وتوقيع الاتفاقيات
الاقتصادية معها معبدة الطريق أمام الشركات الإسرائيلية لغزو تلك الجمهوريات.
وأنشأت الحكومة الإسرائيلية غرفة للتجارة والصناعة خاصة بالعلاقات مع دول آسيا
الوسطى، وأنشأت بنك المعلومات الاقتصادية ودليلاً للمجالات التي يستطيع
الإسرائيليون الاستثمار فيها، وسنّت قوانين حماية تلك الاستثمارات والإعفاءات
الجمركية والازدواج الضريبي وغيرها. بعد ذلك بدأ سيل الشركات الإسرائيلية
والأفراد اليهود من دول كثيرة بالتدفق على تلك الجمهوريات. واستطاع رجال
الأعمال هؤلاء فتح مؤسسات ومكاتب تجارية تشتري وتبيع وتستثمر في كل مجال تطاله
أياديها. وتركز هذه الشركات أعمالها في مجال الطاقة (النفط والغاز الطبيعي)،
المعادن والثروة الباطنية، الزراعة والثروة الحيوانية، الصناعة، الاتصالات،
البنوك والأنظمة المالية والمصرفية، الإدارة والتنمية البشرية، الطب والرعاية
الصحية، الفضاء والأبحاث العلمية وغيرها. وخلال عشر سنوات ارتفع حجم التبادل
التجاري بين الدول تلك و(إسرائيل) من 50 مليون دولار سنوياً إلى ما يقارب
المليار دولار. وقد استطاعت (إسرائيل) تجيير علاقاتها الاقتصادية مع دول آسيا
الوسطى واستثمارها سياسياً.
السياسة
تحاول (إسرائيل) تحييد تلك الدول ذات الأغلبية السكانية المسلمة ومنعها من
الانضمام إلى ((المعسكر المعادي)) أو كسبها إلى صفها وكسب أصواتها في المنظمات
وعلى المنابر الدولية. ومن خلال نيل أصوات هذه الجمهوريات تكون (إسرائيل) قد
نجحت في مسعاها الهادف إلى إبعاد صفة ((الدينية)) عن الصراع الذي تخوضه في
الشرق الأوسط، مما يخفف من عزلتها الدولية ويبعد عنها صفة العنصرية. وفي ظل
الحديث عن مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي سيطلّ على تلك الجمهوريات تسعى
(إسرائيل) إلى ربطها بهذا المشروع الذي يعطيها الدور الريادي. وتقوم هذه
السياسة على استراتيجية ديفيد بن غوريون -أحد مؤسسي الدولة الصهيونية ورئيس
وزرائها الأسبق- القائمة على مفهوم ((شد الأطراف)) وإحاطة الدول العربية بدول
مؤيدة لـ(إسرائيل)، وقد نجحت هذه السياسة في أواسط القرن المنصرم بضم تركيا
وإيران وإثيوبيا إلى معسكر الصداقة والتحالف مع (إسرائيل)، لكنها انهارت مع
قيام الثورة الإسلامية في إيران وقيام الانقلاب الشيوعي في إثيوبيا وبداية
انكماش العلاقات مع تركيا نتيجة الوصول المتقطع للإسلاميين إلى سدة الحكم في
تركيا. ومع انضمام إيران إلى الدول المعادية لـ(إسرائيل) والتأييد الشعبي
الباكستاني للقضية الفلسطينية قامت (إسرائيل) بمحاولاتها لتطويق هذه الدول
واستطاعت إقامة حلف استراتيجي مع الهند وتسعى لذلك بشكل مستمر مع جمهوريات آسيا
الوسطى.
وتسعى (إسرائيل) إلى إبعاد تلك الدول عن دائرة النفوذ الروسي والإيراني. إذ
تحاول كل من الدولتين بسط نفوذهما في تلك الجمهوريات. ونظراً إلى اعتبارهما
منافسان للسياسة الإسرائيلية هناك، فإن (إسرائيل) تحاول الحدّ من نفوذهما
وتطوير قواعد اللعبة السياسية على ذلك المسرح الجيوستراتيجي الهام، والاستفراد
بمقدرات تلك الدول أو تقاسم الأدوار مع دول حليفة وفق المصلحة الاستراتيجية
الإسرائيلية. ونقلت مجلة الوسط الصادرة في واشنطن (عدد 316 بتاريخ 16/2/98) أن
جهاز الاستخبارات المركزية الأمريكية ووزارة الخارجية قد اتفقتا مع السلطات
الإسرائيلية على أعطاء (إسرائيل) دوراً بارزاً في دول الشرق الأدنى بما في ذلك
آسيا الوسطى لمحاصرة النفوذ الروسي والإيراني والعربي المتوقع في تلك
الجمهوريات. وطلب مستشار الأمن القومي الأمريكي في ذلك الوقت صموئيل بيرغر من
(إسرائيل) تعزيز علاقاتها مع تلك الدول واستغلال نفوذ الجاليات اليهودية فيها
للحؤول دون حصول إيران على تكنولوجيا عسكرية متقدمة منها. وبالفعل خطت
(إسرائيل) خطوات واسعة في ذلك المجال واستطاعت حفر هوة في العلاقات بين تلك
الدول وإيران التي تتهمها الولايات المتحدة بالرغبة في استيراد تكنولوجيا نووية
وتهريب علماء نوويين من تلك الجمهوريات للعمل فيها. وكعرفان بالجميل قدمت
(إسرائيل) كل ما تملك من معلومات عن تلك الدول للإدارة الأمريكية خلال هجومها
على أفغانستان.
عسكرياً
نجحت (إسرائيل) في ربط تلك الجمهوريات باتفاقيات عسكرية بقيت طي الكتمان في
معظمها. وقالت مصادر مطلعة إن قوات إسرائيلية كانت تقاتل إلى جانب القوات
الأوزبكية في معارك عامي 1999 و2000 ضد المعارضين الإسلاميين. وتقوم (إسرائيل)
بتصدير أسلحة وذخائر إلى تلك الجمهوريات. وشملت صفقات السلاح هذه دبابات وبنادق
وأجهزة عسكرية أخرى. ونظراً لحساسية هذا الموضوع تقوم (إسرائيل) بالتمويه على
صفقاتها تلك باستغلال الجانب التركي على اعتبار أن تلك الأسلحة والمعدات هي
تركية أو مصنعة فيها بإنتاج تركي – إسرائيلي مشترك. وتنظر جمهوريات آسيا الوسطى
إلى (إسرائيل) كمثل يقتدى به في المجال العسكري. ويبدي قادة تلك الجمهوريات
إعجابهم بالمؤسسة العسكرية الإسرائيلية التي استطاعت ((رد عدوان الدول العربية
رغم الفارق الكبير في العدد والعدة ورغم إحاطتها ببحر من الأعداء)) على حد قول
إسلام كريموف رئيس أوزبكستان.
أمنياً
استطاعت (إسرائيل) ربط تلك الجمهوريات باتفاقيات أمنية تقوم على إنشاء بنوك
للمعلومات خاصة بالإرهاب و((الشبكات الأصولية)) التي بدأت تظهر في تلك
الجمهوريات منذ العقد المنصرم. ويعمل رجال الاستخبارات الإسرائيلية في تلك
الدول ويقومون بتدريب رجال مخابراتها. وقد استطاع اسحاق مردخاي وزير الدفاع
الإسرائيلي الأسبق ربط أوزبكستان باتفاقية أمنية حين قام بزيارتها في
تموز/يوليو من عام 1998. وبعد ذلك بعدة شهور قام الرئيس الأوزبكي بزيارة
للأراضي المحتلة أشاد خلالها بسمعة (إسرائيل) في المجال الأمني، وأعلن أمام
رئيس الوزراء الإسرائيلي وقتها بنيامين نتنياهو ((أن الإسلاميين يستحقون قطع
رؤوسهم، وأنه شخصياً مستعد للقيام بذلك)). وتتواجد قوات استخبارية إسرائيلية في
أوزبكستان منذ أحداث 11 أيلول/سبتمبر، وتكثف هذا التواجد بعد حادث تفجير
السفارة الإسرائيلية في طشقند – عاصمة أوزبكستان العام الماضي.
الجاليات اليهودية
تنظر (إسرائيل) إلى الجاليات اليهودية في آسيا الوسطى على اعتبار أنها امتداد
تاريخي لليهودية كدين في تلك الجمهوريات، وأنها مصدر من مصادر الهجرة اليهودية
إلى ((أرض الميعاد))، وأخيراً كرأس جسر للتواجد الإسرائيلي المقنع بوجهه
الاستخباري.
وقد نجحت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة في استجلاب عشرات الآلاف منهم إلى
(إسرائيل)، وتقدر مصادر الوكالة اليهودية للهجرة أن ما يقارب 90 ألف يهودي ما
زالوا يقيمون في تلك الجمهوريات، وسيكونون هدفاً قادماً لحملهم على الهجرة في
وقت بدأت الأزمة الديمغرافية تطل برأسها على (إسرائيل).
من جهة أخرى تسعى دول آسيا الوسطى للاستفادة من نفوذ الجاليات اليهودية في
العالم وخاصة في الولايات المتحدة لبناء علاقات أفضل بينها وبين تلك الدول. كما
تسعى للاستفادة من سطوة الإعلام اليهودي في تحسين صورة حكام تلك الدول بعد ظهور
معلومات تشير إلى تورطهم في قضايا فساد وانتهاكات لحقوق الإنسان. وينشط الخبراء
العسكريون الإسرائيليون في تدريب قوات تلك الجمهوريات، وبنائها عقائدياً.