السودان يتقلّب بين الحرب والسلم..
أمريكا المستفيد الأوحد
واشنطن/د. أسامة عبد الحكيم
ماذا يجري في السودان؟ وهل أن اتفاقية السلام التي وقعت في بداية كانون
الثاني/يناير الماضي بين الحكومة والجيش الشعبي لتحرير السودان ستؤدي إلى نهاية
الحرب أم إلى نهاية دولة السودان؟ بات هذا السؤال حديث الشارع السوداني الداخلي
والمحللين والمهتمين بالأوضاع السودانية في مراكز الأبحاث ودوائر صنع القرار في
الدول الغربية الكبرى.
وأضحى السودان الدولة الأفريقية الأكبر والغنية بالموارد الطبيعية محط أنظار
العالم في السنتين الأخيرتين بعد أن كانت ملفاته تفتح حيناً وتغلق حيناً آخر.
وجاءت أحداث إقليم دارفور لتفتح الباب على مصراعيه أمام التدخلات الخارجية بعد
أن كان ذلك يتم عبر النوافذ. وأعلنت الولايات المتحدة عن نيتها بالتدخل لحماية
حقوق الأقليات والإنسان عامة سواء بصورة مباشرة أو من خلال الأمم المتحدة.
المصالح الأمريكية
ازداد الاهتمام الأمريكي بالسودان بعد عودة جون غارانغ من الولايات المتحدة
وإعلانه الحرب على الحكومة المركزية في الخرطوم، وذلك في عام 1983، وقُبيل
إعلان الرئيس السابق جعفر النميري تطبيق الشريعة الإسلامية، وقتها قام الرئيس
جورج بوش الأب وقد كان يشغل منصب نائب الرئيس بزيارة للسودان عام 1984 طالباً
إلغاء الحكم بالشريعة. واستجاب النميري لطلبه وزاد عليها بقيامه بسجن نائبه
وحليفه الرئيسي المفكر الإسلامي حسن الترابي. وشهدت العلاقات بين الدولتين فترة
من الاستقرار لم تستمر طويلاً. فقد ساءت هذه العلاقات بعد انقلاب الرئيس عمر
البشير عام 1989، ووصلت إلى القطيعة التامة بعد أن قام البشير بطرد السفير
الأمريكي من مقره، إثر طلبه تنفيذ أمور اعتبرها البشير تمس بالسيادة السودانية.
وفي عام 1998 دمرت الولايات المتحدة مصنعاً للدواء في السودان تحت ذريعة إنتاجه
أسلحة كيميائية، تبين كذبها لاحقاً. ومع ازدياد حاجة أمريكا للنفط برز اسم
السودان على الأجندة الأمريكية من جديد. فقد صرح ديك تشيني، نائب الرئيس
الأمريكي جورج بوش، أمام مؤسسة السياسة القومية للطاقة عام 2001 إن النفط
الإفريقي هو أحد أهم مصادر الطاقة للولايات المتحدة. فيما اعتبر وولتر
كانستيير، مساعد وزير الخارجية الأمريكي للشؤون الإفريقية في 1/2/2002 أن النفط
الإفريقي قد أصبح ذا أهمية استراتيجية للولايات المتحدة. وبذلك يكون النفط
السوداني كجزء من النفط الإفريقي على تواضع كمياته المكتشفة (4 مليار برميل)
محط أنظار الولايات المتحدة. وتمكن السودان خلال فترة المقاطعة التي أعلنتها
الولايات المتحدة ضده من الاستعانة بشركات كندية وصينية وماليزية لاستخراج
النفط وتصديره. وقد اتهمت الحكومة الأمريكية هذه الشركات بمساعدة الحكومة
السودانية في حربها ضد الجيش الشعبي لتحرير السودان كونها تدفع للحكومة
السودانية جزءا من العائدات النفطية التي تسخرها الحكومة لشراء الأسلحة و قتال
المتمردين في الجنوب على حد قولها.
وقبل البدء بتصدير النفط بيوم واحد في 29/8/1999 أعلنت الحكومة الأمريكية عن
تعيين هاري جونستون مبعوثاً خاصاً للسودان. رفع جونستون تقريراً لإدارته شددت
على أثره الولايات المتحدة العقوبات على السودان، ثم انضم صندوق النقد الدولي
تحت ضغط أمريكي إلى تلك العقوبات.
ومع انتخاب جورج بوش الابن تطورت السياسة الأمريكية تجاه السودان. فقد أعلن بوش
في أول خطاب ألقاه بصفته رئيساً للولايات المتحدة عن أمله في إحلال السلام في
السودان. وأكد أن هدف بلاده هو ثني السودان عن دعمه للإرهاب، وإطلاق الحريات
العامة واحترام حقوق الإنسان، إضافة إلى إحلال سلام عادل في كافة المناطق
السودانية.
ويمارس الكونغرس الأمريكي ضغوطاً على الإدارة في البيت الأبيض لاتخاذ مواقف
أكثر جذرية في التعامل مع الملف السوداني. فقد أصدر الكونغرس قراراً عام 1999
بأغلبية 417 صوتاً ضد صوت واحد يعتبر فيه أن ما يجري في جنوب السودان هو تطهير
عرقي وحرب إبادة داعياً الأمم المتحدة للتدخل وحماية الأقليات هناك. وفي قرار
آخر اتخذه عام 2002 جدد الكونغرس اتهامه للحكومة السودانية بممارسة إبادة
جماعية على أراضيها. فيما أعلنت لجنة الحريات الدينية التابعة له أن الحكومة
السودانية تنتهك حقوق الأقليات الدينية للنصارى والوثنيين وحتى المسلمين
المعارضين لها. وقد وصف تقرير اللجنة الصادر في العام الماضي، السودان بأنه
أسوأ منتهك لحقوق الاعتقاد في العالم.
من ناحية أخرى تنظر الولايات المتحدة إلى السودان على أنه مركز مهم لتعزيز
وجودها في إفريقيا على حساب الوجود الفرنسي. وشعرت أمريكا بحدة المنافسة حين
قامت حكومة السودان بإرساء أحد عطاءات التنقيب عن النفط في دارفور لشركة
((توتال)) الفرنسية في بداية العام الماضي، مفضلة إياها على الشركات الأمريكية.
كما تنظر الولايات المتحدة إلى السودان على أنه مركز استراتيجي مهم على الخارطة
الإفريقية في مجال ((مكافحة الإرهاب)). وتسعى الولايات المتحدة تنفيذاً
لأهدافها إلى استغلال الكنائس والمنظمات غير الحكومية ووسائل الإعلام لتبرير
نشاطها الاستعماري في السودان، وتفرض أجندتها السياسية على الأمم المتحدة متخذة
إياها مطية لتحقيق تلك الأهداف.
أحداث دارفور
لقد استغلت الإدارة الأمريكية أحداث دارفور لزيادة ضغطها على الحكومة
السودانية. ودارفور أحد الأقاليم السودانية التي شهدت معارك مسلحة ارتفعت
وتائرها في السنتين الماضيتين نتيجة لخلافات القبائل العربية والإفريقية على
مصادر العيش. وتطور هذا الصراع حتى كاد يشكل خطر حرب أهلية جديدة. واعتبرت
الإدارة الأمريكية أن ما يحدث هناك هو إبادة جماعية وهددت باللجوء إلى مجلس
الأمن لفرض عقوبات جديدة على السودان وفرض حظر جوي على ذلك الإقليم. لكن
الحكومة السودانية حاولت منع الولايات المتحدة والأمم المتحدة من مبررات التدخل
العسكري المباشر.
اتفاقية السلام
في محاولة لوضع حد للحرب الدائرة في جنوب السودان أجرت الحكومة السودانية
وممثلو الجيش الشعبي لتحرير السودان مفاوضات في نيفاشا الكينية استمرت قرابة
عامين. وبعد مفاوضات مضنية مارست خلالها الولايات المتحدة ضغوطاً مكثفة على
الجانبين تمكن الجانبان من توقيع اتفاقية للسلام على أمل وضع حد للحرب التي
استمرت بصورة متقطعة لما يزيد على 20 سنة، أودت بحياة ما يقارب 2 مليون شخص
وتشريد 4 مليون آخرين.
وقد اتفق الجانبان على عدة قضايا كان أبرزها تولي جون غرانغ منصب نائب رئيس
الجمهورية، إضافة إلى تقاسم عائدات النفط بين الحكومة المركزية ومناطق الجنوب
وغيرها من القضايا.
وقبل أن يجف حبر التوقيع على هذه الاتفاقية انقسم المراقبون في تقييمهم لمستقبل
السودان بعد تنفيذ هذا الاتفاق.
يرى فريق من المراقبين أن الوضع في الجنوب سيسير على ما يرام، إذ سيستفيد كل من
الطرفين من أموال النفط وسيسخرونها للتنمية بما ينعكس إيجابياً على السودان
عموماً. وسيتحول السودان إلى بلد منتج بدلاً من استجدائه للمواد الغذائية.
وينظر هذا الفريق بعين التفاؤل إلى حجم الاستثمارات التي ستتم في المناطق التي
كانت مسرحاً للعمليات العسكرية. ويرى هذا الفريق أن إمكانية التعايش في ظل وطن
واحد متوفرة بعد أن أدرك كل فريق أهوال الحرب التي عصفت بالبلاد لعقدين من
الزمن.
لكن فريقاً آخر يبدو أقل تفاؤلاً بما جرى ويعتقد أن السودان هو أقرب إلى
الانفصال في ظل السلام عما كان عليه خلال فترة الحرب. فتقاسم السلطة وتوزيع
الثروة جغرافياً وليس ديمغرافياً يعزز الانقسام. وإن إصرار غارانغ على الاحتفاظ
بقواته العسكرية كضمان للأمن ونيله نسبة 25% من عدد أفراد الجيش والأمن
والاستخبارات يمنحه قوة في مفاوضات الوضع النهائي لأقاليم الجنوب. ويرى مراقبون
آخرون أن إمكانية التعايش بين شعوب ذات خلفيات دينية وعرقية وثقافية واقتصادية
بعد حرب دامت عقدين هو من سابع المستحيلات. ويؤكد هذا الفريق أن الاستفتاء الذي
سيجري لتقرير مصير سكان الجنوب سيكون على الأرجح لصالح الانفصال كما تدل على
ذلك الاستفتاءات التي جرت سابقاً. وقد يكون هذا الاتفاق ضاراً بوحدة السودان
بصورة فعلية ذلك أن الحركات الانفصالية ستتخذ مما حدث سابقة وسترفع السلاح بقوة
في وجه الحكومة المركزية مصرة على نيل مطالبها.
الولايات المتحدة التي فرضت اتفاق السلام على السودانيين تبدو مسرورة لما جرى،
إذ ستضمن تدفقاً آمناً للنفط دون أية عراقيل، فيما السودان الذي أحنى ظهره أمام
العاصفة الأمريكية لا يزال ينتظر رفع العقوبات الأمريكية عنه وإزالة اسمه من
لائحة الإرهاب الأمريكية.