مشاركة حماس في انتخابات التشريعي.. قرار ذكي وحكيم
عندما قاطعت حركة حماس انتخابات المجلس
التشريعي الفلسطيني الأول عام 1996، تعرّضت حينها لانتقادات من بعض السياسيين
والإعلاميين، الذين وصفوا موقفها بـ((العدمية)) و((اللاديمقراطية))، وبعضهم رأى
في موقفها هروباً من اختبار شعبيتها، لأن الانتخابات هي المحكّ الحقيقي لمعرفة
رصيد وشعبية القوى السياسية في الساحة الفلسطينية.
وبعد تسعة أعوام على موقفها بالمقاطعة، غيّرت حماس موقفها إلى المشاركة، معلنة
ذلك في مؤتمر صحفي عقد في مدينة نابلس. وكانت المفاجأة أن بعض أولئك الذين
انتقدوا حماس لمقاطعتها، انتقدوا قرارها بالمشاركة كذلك!
إنّه موقف محيّر فعلاً، فما هو المطلوب من حركة حماس.. المشاركة أم المقاطعة؟!
إن هذا الموقف المتناقض يدلّ دلالة واضحة على أن قرار حماس بالمشاركة أحرج
هؤلاء، الذين يدركون جيداً، أن مشاركتها بثقل حقيقي ((سيفضح)) شعبية بعض القوى،
فيسحب البساط من تحتها، ويهزّ ((عروشها)) التي تتربع عليها منذ عدة عقود شاهرة
خلالها سيف ((الشرعية)) في وجه كل من يعارضها، أو يختلف معها.
قرار حماس بالمشاركة أقضّ مضاجع أولئك، الذين كانوا يريدون لها أن تقاطع
الانتخابات، أو تعلن عن مشاركة محدودة تستكمل فيها ((ديكور)) الديمقراطية، فإذا
بحماس تقرر المشاركة دون إعلان عن تفاصيلها، ولكن من الواضح أنها ستكون مشاركة
فاعلة تشكّل إضافة حقيقية للديمقراطية الفلسطينية.
إن محاولات بعض القوى في حركة فتح –الحزب الحاكم للسلطة– تأجيل الانتخابات بحجج
وذرائع مختلفة، وما يتسرّب من تصريحات عن بعض الشخصيات الفتحاوية في مجالسها
الداخلية، يثير قلقاً من إمكانية إجراء انتخابات نزيهة تعطي كل مشارك حقه في ما
يناله من أصوات في صناديق الاقتراع، ولعلّ نتائج المرحلة الأولى من الانتخابات
البلدية في الضفة الغربية وقطاع غزة كانت هي ((جرس)) الإنذار لتلك القوى، التي
باتت تخشى على مصالحها ونفوذها وامتيازاتها.
وعليه، فإن المطلوب من السيد محمود عباس رئيس السلطة الفلسطينية، وهو يجري
الانتخابات الأولى في عهده الرئاسي، أن يسجّل علامة مضيئة في تاريخه السياسي،
وذلك بإجراء انتخابات نزيهة وحرة، ولا ينبغي له الاستجابة لضغوط النفعيين
والانتهازيين والفاسدين، الذين أضرّوا بحركة فتح، وشوّهوا صورتها النضالية،
وكانوا سبباً مباشراً في تراجع شعبيتها، وخسارتها في الانتخابات البلدية،
وغيرها من المواقع المهنية والنقابية.
إن قرار حماس بالمشاركة في انتخابات المجلس التشريعي هو اجتهاد صائب في
تقديرنا، يدل على ذكاء سياسي، تمثّل باختيار التوقيت المناسب للانخراط في
الحياة السياسية الفلسطينية عبر بوابة الانتخابات وصناديق الاقتراع، التي أضحت
وسيلة العصر في الفرز والتمثيل، وهي المدخل الصحيح لأي إصلاح حقيقي يرمي إلى
تصحيح الوضع الفلسطيني المهترئ، ليكون قوياً ومتيناً في مواجهة احتلال عنصري
غاشم، يستهدف الأرض والإنسان.
الانتخابات البلدية أولاً، ثم التشريعية، إذا جرت وفق توقيتاتها المحددة،
وبصورة حرّة ونزيهة، تعني انتصاراً باهراً للديمقراطية الناشئة، ودرساً للأنظمة
العربية والإسلامية بأن تحذو حذوها، وتقتفي أثرها، إذا أرادت أن تلحق بركاب
الدول المتقدّمة، وتضع أقدامها بينها. ولا شك أن مشاركة حماس تمثّل إضافة مهمة
وإثراء كبيراً للديمقراطية الفلسطينية، ينبغي تشجيعه ودعمه، لا مواجهته ووضع
العراقيل أمامه.
التحرير