فلسطين المسلمة    -     شهرية - سياسية - جامعة

• من نحن • اشتراك • الأعداد السابقة • الإتصال بنا • دليل المواقع • خريطة الموقع •

May2004
PDF نسخة
وراء الأخبار
ولنا كلمة
دفاتر فلسطينية
هنا فلسطين
حول القضية
أخبار وتقارير1
أخبار وتقارير2
أخبار وتقارير3
قضايـا1
تحليل
شؤون العدو
أسبوع الشهداء
رأي - رأفت مرّة
شؤون فلسطينية
الغلاف1
الغلاف2
الغلاف3
حوارات
شؤون عربية1
شؤون عربية2
شؤون عربية3
شؤون دولية1
شؤون دولية2
رأي - ياسر الزعاترة
أوراق ثقافية1
أوراق ثقافية2
أوراق ثقافية3
أوراق ثقافية4
مساهمات
أقوال وأرقام
قناديل الشهادة
لحظة
لوحات فنية
..

 

حوارات

أسامة حمدان ممثّل حركة حماس في لبنان:
الحوار مع الأمريكيين محاولة لفهم الأمور على حقيقتها

في أواخر شهر آذار/مارس الماضي عقد في بيروت لقاء حواري بين وفد أمريكي، ووفد قيادي من حماس. فلسطين المسلمة توجهت بأسئلتها إلى ممثل الحركة في بيروت أسامة حمدان فكان الحوار التالي:

حاوره/ أحمد الحاج
- لماذا كان الحوار بين حماس والوفد الأمريكي؟ ما هي مبرراته ودواعيه؟
• الحوار من حيث المبدأ بالنسبة لحماس مسألة أساسية، خاصة مع القوى التي لها علاقة مباشرة بالوضع الفلسطيني والمنطقة. كما أننا نحب أن يُسمَع موقفنا مباشرة، لا أن ينقل هذا الموقف بوسائل تشويه فيصل بشكل غير دقيق.
المسألة الثانية، يهمنا التوضيح أن حوارنا مع الجهات الأوروبية لم ينقطع رغم كل الضغوط الأمريكية والإسرائيلية. وانقطاعه مع الطرف الأمريكي أحد الأخطاء الأمريكية التي ارتُكبت في المنطقة.
الآن يأتي هذا الحوار في سياق الحوارات مع أوروبا وبعض الاتصالات مع شخصيات أمريكية لا تشغل مواقع رسمية، لكنها كانت سابقاً في مواقع تنفيذية مؤثرة.
فهذا الحوار ليس بدون سياق، بل ضمن عملية تراكمية من الحوارات نعتقد أن هذا الحوار سيكون له محطات لاحقة في المرحلة القادمة.
من جهة أخرى جاء هذا الحوار في ظرف سياسي مختلف، فأمريكا تواجه عقبات في المنطقة و(إسرائيل) فشلت في إنهاء المقاومة وفرض مشروعها. وجاء بعد أن اتضح أن المقاومة أصبحت جزءاً من الشارع الفلسطيني ولم تعد مجرّد إطار تنظيمي أو كيان سياسي.

- ما هي المحاور التي تناولها الحوار؟
• تركز الحوار بشكل أساس على الوضع الفلسطيني سواء ما يتعلق بتطورات الواقع السياسي الفلسطيني أو تطورات الشأن الداخلي الفلسطيني، ومستقبل القضية من وجهة نظر حماس وقراءتها للأحداث.
ودار الحوار أيضاً حول المواقف الأمريكية والمواقف الأوروبية تجاه القضية الفلسطينية، والدور السلبي الذي تلعبه الإدارة الأمريكية تجاه القضية الفلسطينية.
هم ركزوا على مستقبل العملية السياسية والشراكة في القرار والديمقراطية، ونحن أيضاً ركزنا على عناوين أخرى كالدعم والانحياز الأمريكي للكيان الصهيوني، وتأثيرات ذلك على نظرة شعوب المنطقة للمشروع الأمريكي. وركزنا على سلبية الأداء الأمريكي في المسار السياسي في العقد الماضي.
تميز هذا الحوار أنه كان منفتحاً، لم يلجأ الطرف الآخر إلى طرح ما يجب عمله بقدر ما كان هناك جدية لفهم الموقف والأمور على حقيقتها. وهذا –بالنسبة لنا- كان عاملاً إيجابياً وإشارة جيدة.

- ما هو تقييم حماس لهذا الحوار ونتائجه؟
• أولاً، إن هذا الحوار محطة في سياق الحوارات التي جرت سابقاً.
ثانياً، مناخ الحوار كان جدياً، وفيه محاولة جادة لفهم الأمور على حقيقتها.
ثالثاً، جاء الطرف الآخر إلى هذا الحوار دون التزامات مسبقة أو نظرة استباقية، وإنما كان لديهم الاستعداد للتعامل مع ما تطرحه حركة حماس بشكل موضوعي وإيجابي إلى حدٍ ما.
لهذا نحن نعتقد أن هذا الحوار شكّل نقلة مهمة جداً في الحوار بين الحركة والأوروبيين والأمريكيين من جهة. ومن جهة ثانية أنه يؤسس لسلسلة من الاتصالات ربما تفضي في نهاية الأمر إلى تفهّم حقيقي ينعكس على الأداء السياسي تجاه القضية الفلسطينية وتجاه المقاومة الفلسطينية وحركة حماس على وجه الخصوص.

- هل تمّ التوافق على لقاءات أخرى؟
• من حيث المبدأ تمّ الاتفاق على مواصلة مثل هذه الحوارات، لكن لم يتم تحديد موعد نهائي حتى الآن.

- هل كانت ((العقدة الإسرائيلية)) المعتادة واضحة هذه المرة؟
• جرى الحديث عن موضوع ما يسمى الاعتراف بـ(إسرائيل) وسلوك المقاومة تجاه الكيان الصهيوني. وأعتقد أن الفريق الذي حاورنا أدرك بوضوح أن الأمور يجب أن تُقاس بمعيار واحد، فالأولى والأصل أن يدور الحديث حول الاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني قبل أن يدور الحديث حول اعتراف لمعتدي بحقه في الاعتداء.
أما العمل المقاوم، فموقفنا كمقاومة كان واضحاً وأساسياً أن هذه المقاومة ستبقى مستمرة ما بقي الاحتلال، وأن كل الشرائع والقوانين الدولية لا تعطينا الحق بالمقاومة فقط، بل تفرض على العالم أن يدعم مقاومتنا ضد الاحتلال.
لهذا أعتقد أن من أسوأ نقاط ضعف أمريكا ومشروعها في المنطقة هو دعمهم (إسرائيل)، وسيزداد هذا الضعف في العقود المقبلة إذا بقي الدعم على هذه الحالة.

 

بهاء سعيد مدير مكتب الدكتور الرنتيسي يتحدث عن مسيرة حياته

غزة/إبراهيم المدهون
التقينا في جلسة ذكريات مع شخص عايش الدكتور الرنتيسي في كثير من المراحل المهمة والمؤثرة واقترب منه حتى لازمه، في السجن، والعمل، وآخر أيامه.
تقدمنا نحو هذا الشاب الذي يشبه بهيئته وكلامه ونظراته الدكتور الرنتيسي، ولا ندري هل استطاع الرنتيسي أن ينقل هيئته إلى كل المحيطين فيه، ونبرته إلى كل السامعين له، ونظراته إلى كل الناظرين إليه؟
بهاء سعيد ((أبو بكر)) هذا الشاب الأنيس هو مدير مكتب الدكتور الشهيد الذي شهد معه آخر أيامه وعايشه في سجنه، وفي عمله.. وحتى في أحلامه، ودقائق أموره، فقرأ هواجسه، وعاش آماله، وتجرع آلامه، فكان هذا اللقاء، حنوناً، فيه من الشوق ما لا ينتهي.

- متى كان أول لقاء لك بالدكتور عبد العزيز الرنتيسي؟
• أول لقاء كان لي بالدكتور الشهيد الرنتيسي داخل أسوار الجامعة الإسلامية، وكان ذلك عام 1985 في أول حفل تخرج للجامعة الإسلامية، وكان الدكتور الشهيد هو المشرف على هذا الحفل، وكنت في سن التاسعة عشرة حيث كنت حينها في لجنة الاستقبال، وتصافحت معه فتولدت علاقة محبة بيننا، وبعد ذلك كنت كلما رأيته صافحته فجمعتني به علاقة التلميذ بأستاذه.

- عاصرت الدكتور الشهيد سنوات سجنك، كيف كانت حواراته معك؟
• لقد التقيت بالدكتور رحمه الله في عدة سجون؛ منها النقب وعسقلان، ولكن العلاقة الحميمة به كانت في سجن بئر السبع حين كنت أقضي محكوميتي وجاء الدكتور والتقيت معه، وكانت تولدت علاقة جيدة معه ضمن لقائي به في سجون سابقة، أما في سجن النقب فكنت معه في غرفة واحدة ويرافقنا الشيخ الحبيب الشهيد صلاح شحادة، وعندما قابلته عانقته بشوق، وكنا أقرب الناس لبعضنا. ومن يوم أن جمعنا الله في سجن واحد برفقة الشيخ الشهيد صلاح شحادة تحوّلت عزلة السجن إلى أُنس، ومرارة الفرقة عن الأهل إلى حلاوة اللقاء بالأحباب. ليصبح السجن أروع أيام حياتي.. ومن تلك الأيام أصبحت تجمعني مع الدكتور الشهيد علاقة حميمة جداً، فكان سريري في السجن لا يفصله عن سرير الدكتور الشهيد إلا مسافة قصيرة جداً، وضعنا فيها سلسلة كتاب إعراب القرآن. ومن ذلك الحين لازمت الدكتور عبد العزيز في العمل والدعوة.
وأكثر حديثنا كان عن هم الإسلام والمسلمين، فقد كان يملأ قلبه، ومعظم الموضوعات التي تدور في رأسه تصبّ في الاهتمام بأمور المسلمين في العالم وفلسطين. وكان رحمه الله دائم التفكير في الجهاد وكيفية تحرير الأسرى وكيف يمكن الإرتقاء بأبناء الإسلام وآلية تربيتهم في المساجد، وكان حب الإسلام والمسلمين يملأ عليه حياته، وكان ينظر إلى قضية الإسلام على أنها منتصرة لا محالة، ولديه ثقة كبيرة بالله وبنصره للإسلام وعودة فلسطين إلى الديار الإسلامية، لدرجة أنه عندما كانت تثيرني بعض التخوفات وأشعر بالمؤامرات تحيط بنا من كل حدب وصوب، كنت ألوذ به ليعطيني جرعات من الثقة تقوي من عزمي وتخبرني أن الإسلام سينتصر، وكان دائما يقول ((إننا يجب أن نعمل ونعمل ولا ننتظر النتائج والحصاد))، وكانت هناك عبارة دائماً يرددها على آذاننا فيقول ((إنكم أقوياء لأنكم مرتبطين بحبل السماء))..

- كان الدكتور طريف الحديث وصاحب نكتة، ما هي المواقف الطريفة التي تذكرها؟
• كان الدكتور رحمه الله يحب النحو كثيراً، وأنا أيضاً، فكنا نختلف ببعض الكلمات النحوية فيأتي لإثبات صحة اعتقاده، فدائماً كنا نختلف في النحو، فإذا حللنا الخلاف، يأتيني في يوم آخر فيقول لي ألا يوجد قضية خلافية.
كما كان رحمه الله يشاركنا في لعب الرياضة وخاصة التنس، فقد كانت روح الدكتور الشهيد شابة.

- كيف تصف الدكتور كرفيق له عايشه سنوات؟
• أول صفة من صفاته أنه كان يعيش لغيره وليس لنفسه، يعيش كأب وأخ وصديق، لا يُصدر ما يسيء لأحد، وكان رحمه الله محبوباً جداً من الجميع، بل كان الجميع يلجأ إليه لتفريغ همومه وآلامه، وأيضاً ليأخذ الراحة النفسية والشعور بالفخر، كان مرحاً جداً محباً للمزاح والطرافة، كما كان خدوماً جداً، فلم أره يوماً يرفض طلباً لأحد رغم أنه قد يكون تعباً ومشغولاً.

- ماذا حدّثك عن فترة الإبعاد، وماذا قال؟
• حدثني عن الإبعاد كثيراً، ولكن أكثر ما حدثني عنه هو كيف حملوا في نفوسهم وقلوبهم وعقولهم أنهم يجب أن يعودوا للوطن، كان ذلك يملأ قلبه، وكان الهدف الأساس أنهم يجب أن يعودوا وتكون آخر مرة يقدم اليهود فيها على إبعادنا، وعندما عُيّن الناطق الإعلامي كان هذا الهمّ يملأ قلبه، فكان في كل لقا ء يعرض فكرته. كان الإبعاد من وجهة نظر الدكتور فتحاً كفتح مكة للمسلمين ولحركة حماس. فالإبعاد من الأمور التي أريدَ بها كسر الحركة الإسلامية؛ إلا أنها كانت فتحاً عظيماً لحركة حماس لتحولها من حركة تحرر محلية لا يعرف بها إلا القليل إلى حركة عالمية يتهافت الجميع لسماع أخبارها..
حدثَني عن مسيرات التحدي التي كانوا يلبسون فيها الأكفان ويقتربون من بوابات حساسة يقف عليها الجيش الإسرائيلي. كما حدثني عن أمر مهم جداً وهو كيف تغيرت نظرة أهل لبنان عن الفلسطينيين، بل كان يعدها رحمه الله أنها من أكبر الإنجازات، فقد كان ينظر اللبنانيون للفلسطينين أنهم سبب البلاء في لبنان، ولكن مرحلة الإبعاد جلت هذه الصورة وشعر الأخوة اللبنانيون أن أهل فلسطين يمتازون بالعطاء ومحبة الغير.

- كيف تغيرت هذه النظرة؟
• كان بين المبعدين الكثير من الأطباء والمهندسين الذين كثيراً ما انطلقوا إلى القرى المجاورة بحملات طبية مجانية وحملات تعارف اجتماعي، وكانوا في موسم حصاد الزيتون يذهبون لحقول المزارعين ويساعدونهم، فما كان يُنجز في أسبوع ينجزونه في يوم، فشعر الجميع أن هؤلاء يحملون الإسلام في قلوبهم وأفعالهم ومواقفهم.

- متى كان آخر لقاء لك مع الدكتور الشهيد وما هي ملامحه؟
• كان قبل استشهاده بأيام قلائل وما أروعه من لقاء، فأول مرة أرى الدموع تترقرق في عيون الدكتور بهذا الشكل، وفي موقف آخر وفي نفس اللقاء ضحك فيما كانت الدموع على خديه. فحين كنا نتحدث عن الوضع العام للحركة وعن المقاومة وصمودها ودعم الناس لها، كان الدكتور يتحدث عن حملة التبرعات لدعم المجاهدين والتي قامت بها حركة حماس لدعم المجاهدين في كتائب القسام، وكانت الحملة لم يمر على تنفيذها أيام، وأخذ الدكتور يصف لنا كيف تبرع الشعب الكريم المعطاء، ويستذكر الرسائل التي وجهها المتبرعون للكتائب نساء ورجالاً وحتى أطفالاً، بعباراتها المؤثرة والتي في غالبها تشترط أن تمنح مبالغها لتجهيز الأحزمة الناسفة للاستشهاديين، وأخذ رحمه الله يقول ((والله لننتصر، والله إن هذا الشعب الذي لا يجد لقمة عيشه ثم يتبرع بهذه الأموال لينتصر))، وهنا ترقرقت الدموع في عينيه رحمه الله متأثراً بسخاء هذا الشعب وعطائه وثباته.
أما ما أضحكه عندما سألته عن الشعر وهل كتب جديداً؟ قال: ذكرتني بالشعر، فقد وصلتني قصيدة من أحد الإخوة الذي ظن أنه يكتب الشعر، فإذا بها كلام عادي مقسوم نصفين فغرقنا في الضحك، فكم كان رحمه الله محباً للطرافة والمرح، كان اللقاء طويلاً كأنه لقاء وداع، فقد عبر فيه كم هو مشتاق للشهادة، ولكنه يحرص أن يبقى بيننا من أجل إخوانه ودعوته.

- كيف كان وقع خبر استشهاده على نفسك؟
• باختصار كالصاعقة، ولكن هذا السؤال يثير في أعماقي أشجاناً ستظل في قلبي ما حييت، فماذا تتوقع من إنسان فقد أغلى من رأت عيونه، فقد خليله وقائده وأستاذه، طبعاً كان المصاب جللاً عظيماً والحزن عميقاً والألم قاسياً، ولكننا لا نقول إلا ما يرضي ربنا، حسبنا الله ونعم الوكيل.
سمعت أن القصف استهدف الدكتور لم أصدق من شدة الهول، وخرجت مسرعاً إلى المستشفى وخلال دقائق كنت هناك، ومباشرة دخلت إلى غرفة العمليات التي كانت مغلقة وكان بداخلها الدكتور الحبيب مصاباً إصابات بالغة، وكنت من أوائل من وصلوا إلى هناك، وبدأ الناس وأبناء الحركة وأنصارها يتجمهرون وينتظرون.
في هذه الأثناء كنت أتوجه إلى الله بالدعاء أن ينقذ الدكتور وكلي خوف وأمل، لا أحد يعلم ما يحصل في غرفة العمليات وماذا حدث للدكتور. لكني دخلت إلى داخل الغرفة ووجدت طبيباً من إخواننا فسألته بلهفة: كيف حال الدكتور؟ فصمت.. ثم أشار إلي بيده وبألم وقال بصوت خافت رحم الله الدكتور، صدمتني هذه الكلمات وتجمدت في مكاني بل وتجمدت الدنيا من حولي، ثم خرجت من غرفة العمليات فوجدت الجميع ينتظر الإجابة، منهم من يسأل بلهفة وأمل ومنهم من آثر الصمت والسكوت خوفاً من سماع إجابة مفجعة، لكني قلت لهم والدموع تملأ قلبي قبل أن تقفز من عيوني ادعوا الله أن يجمعنا بحبيبنا الدكتور شهداء في جنات الخلود، وما أصعبها من لحظات وما أقساها على القلب، ففي هذا اليوم خطف الموت من بيننا أعز من رأت عيوننا، أما الشباب من حولي فمنهم من يضرب رأسه بالجدار، ومنهم من يكرر السؤال علّه يسمع إجابة أخرى ومنهم من انفجر بالبكاء، ومنهم من صمت صمت القبور، ومنهم من نادى بأعلى صوته ((يا رب)) وكأنه يطلب أن يكون الخبر كاذباً، ومنهم من يردد الهتاف بصوت يقطعه البكاء والتكبيرات تارة أخرى. أما أنا فسِرْت في سرب المكلومين صامتاً باكياً جرحي في القلب غائر.
حملنا الجثمان الطاهر من غرفة العمليلت إلى ثلاجة المستشفى وهناك أمسكت بجثمان حبيبي الدكتور وقبلت قدميه قبل أن أقبل رأسه وضممت الرأس إلى صدري، ثم أدخلناه إلى الثلاجة ووقف الناس بجواره يتدافعون لرؤية جسده الطاهر الذي اخترقته الشظايا الحاقدة الغادرة. وابتعدت عن المكان وأنا أردد قوله تعالى ((وكأي من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين))، هذه الآية أراحتني كثيراً خاصة أن شهيدنا الدكتور كان يرددها كثيراً حتى ملأت عليّ قلبي.. وكم تذكرت حين كنت أقول للدكتور من أول يوم دخلنا فيه هذا الطريق ونحن نعلم أن الموت أول المطاف لكن خضرة الطريق لن يصيبها الجفاف، فكان رحمه الله يقول باطمئنان: بإذن الله لن يصيبها الجفاف.

- ما هي اهتمامات الدكتور الإعلامية؟
• كان الدكتور وجهاً إعلامياً متميزاً، كان يدرك الأثر الإعلامي على المقاومة سلباً أو إيجابياً، وكان يعلم أثر رجال المقاومة على الجماهير العربية، فكان حريصاً على أن يقول ما تحتاجه هذه الجماهير، وأن يفعل أيضاً ما تريد، ولهذا كان للدكتور الرنتيسي محبة خاصة في القلوب.
ولقد تفنن الدكتور الرنتيسي بمحاكاة الإعلام، وطرق كل الأبواب الإعلامية، وواكب التقدم الإعلامي السريع حتى إنه كان له موقع إنترنت خاص يزوره الآلاف يومياً ويرسلون له الرسائل.

- كيف جاءت فكرة الموقع وهل كان يتابعه؟
• كان الدكتور يطلع دائماً على الإنترنت، ويتصفح المواقع إلى أن جاءه مجموعة من الشباب
بزيارة للمنزل والتقوا به، وكان سبب هذه الزيارة هو طرح فكرة تبني حركة حماس لموقع الشروق الإخباري الذي تم إطلاقه عام 2000 كموقع إخباري فلسطيني متخصص في إبراز صمود الشعب الفلسطيني وجهاده ومقاومته الباسلة في التصدي للاحتلال والقمع الصهيوني، وذلك بعد أن واجهتهم صعوبات مالية كانت ستؤدي إلى إغلاق الموقع، فتمت الموافقة على تبنّي الموقع من المصاريف والإدارة وجميع مستلزماته ومتطلباته، وفور ذلك تم تطوير موقع الشروق بشكل كبير وتم تحديد أهدافه ومبادئه. وكان يمد الموقع بالمواد المتعلقة بالحركة لنشرها إلى جانب المشاركة بمقالاته وتعليقاته، إلى أن جاءت فكرة تخصيص صفحة خاصة بمقالات وأشعار الدكتور الرنتيسي رحمه الله ضمن موقع الشروق. وبالفعل تم افتتاح صفحة خاصة بالدكتور الرنتيسي ضمن الموقع، وكان الدكتور يقوم بتزويد الصفحة بمقالاته وأشعاره، واستمر هذا الحال لعدة أشهر حيث كان ينفق الدكتور رحمه الله من أمواله الخاصة في سبيل تطوير الموقع. إلى أن جاءت فكرة إنشاء موقع خاص بالدكتور الرنتيسي مستقل عن موقع الشروق، وتم في منتصف عام 2002 إطلاق الموقع على شبكة الإنترنت، وكان على العنوان التالي www.rantisi.net

- وماذا كان يتضمن هذا الموقع؟
• كان يتضمن زوايا عديدة من أبرزها:
السيرة الذاتية للدكتور رحمه الله، زاوية القران والواقع؛ حيث كان يطرح الدكتور من خلال هذه الزاوية آية قرآنية وربطها بما يحدث ويجري على أرض الواقع، حيث شملت هذه الزاوية العديد من المقالات المؤثرة والمميزة، زاوية المقالات والتي كانت تتضمن جميع ما كتب الدكتور الرنتيسي من مقالات وآراء، زاوية متخصصة في نشر تصريحات الدكتور الرنتيسي لوسائل الإعلام، زاوية القصائد الشعرية، ذكريات وقصص عن الشهداء والأسرى.

- هل كان يدير الموقع بنفسه؟
• في البداية لا، لم يكن يديره بنفسه، كان يتابعه من بعيد ويرسل إليهم كل الأشياء الجديدة ويرسل هو بنفسه الردود ويتصفح دائماً الرسائل الخاصة، ويرد عليها. ولكن بعد أشهر من انطلاقه طلب أن يتعلم إدارة الموقع بنفسه، وبالفعل تم إعطاؤه فكرة عن إدارة الموقع حيث أصبح يدير الموقع بنفسه بشكل كامل، وفي بعض الحالات كان يطلب منهم إدارته بسبب انشغاله وظروفه الأمنية الصعبة.
اهتم الرنتيسي رحمه الله بالموقع كثيراً حيث كان يقضي جزءاً من وقته بتحديثه واستقبال رسائل الزوار والرد عليها، وتم تخصيص سجل للزوار للتعبير عن أرائهم بالموقع.
فكان يتلقى الدكتور رحمه الله آلاف الرسائل يومياً وخاصة بعد محاولة الاغتيال الأولى حيث قدر عدد زوار الموقع في اليوم الأول من محاولة اغتياله 14000 زائر، الأمر الذي أدى إلى تعطيل الموقع في بعض الأحيان نتيجة هذا الضغط الهائل، وتلقى الدكتور رحمه الله آلاف الرسائل من الزوار التي كان تحثه على مواصلة طريق المقاومة والجهاد، وكانت الرسائل من معظم دول العالم من السعودية ومصر وألمانيا وأمريكا وأسبانيا وروسيا وسوريا والأردن وكافة بلدان العالم. وأذكر أن هناك مئات الرسائل من الأطفال والشباب والفتيات على وجه الخصوص كانت تطالبه بمساعدتهم في الانضمام لفصائل المقاومة وكتائب القسام بشكل خاص.

- هل تعرض الموقع لمحاولات تدمير وقرصنة؟
• تعرض الموقع لأكثر من عشر عمليات اختراق وتدمير وإغلاق من قبل مكتب التحقيقات الأمريكي (إف بي أي) وجماعات صهيونية حاقدة، فأبى الدكتور إلا أن يواجه هذه الحملات الحاقدة وكان على اتصال مستمر بخبراء للإنترنت، فيتم إعادة تشغيل الموقع من جديد ووضع الخطط لمواجهة عمليات الاختراق والتدمير.

 
 

فلسطين المسلمة - جميع الحقوق محفوظة © 2003