الدروع البشرية تحبط مخطط الاعتداء الصهيوني على الأقصى
أعلنت منظمة صهيونية عزمها اقتحام
وتدنيس المسجد الأقصى، غير أن الفلسطينيين زحفوا ليلاً إلى محيطه، واخترقوا كل
الحواجز والموانع، وتصدوا للمجرمين، مدافعين عن المسجد الأقصى الذي له مكانة
دينية وثقافية وحضارية وسياسية.
تهدف لاقتطاع المدينة ومنع إقامة
دولة فلسطينية:
توسيع بلدية الاحتلال في القدس لتشمل 25% من مساحة الضفة
فلسطين/إبراهيم السعيد
تمثل الطفرة الهائلة في الأنشطة الاستيطانية حالياً في محيط القدس والعمليات
التهويدية في قلب المدينة المحتلة جزءاً من مخطط ((القدس الكبرى))، الذي وضعه
أرييل شارون في العام 1997 عندما كان وزيراً للبنى التحتية في حكومة بنيامين
نتنياهو آنذاك. المقربون من شارون يعتبرون أنه على الرغم من أن كل المشاريع
الاستيطانية والتهويدية في محيط المدينة وفي قلبها تبدو غير متناسقة مع بعضها
البعض، إلا أن هناك ناظماً واحداً لكل هذه الأنشطة بحيث تصبّ نحو تحقيق هدف
واحد، وهو توسيع حدود بلدية الاحتلال في المدينة لكي تنتشر على مساحة 25% من
مساحة الضفة الغربية، وجلب مليون مهاجر يهودي على الأقل للاستقرار فيها. شارون
يحاول أن تبدو مراحل هذا المخطط كما لو كانت غير متسقة، لذا فهو يتبع عدة آليات
للعمل من أجل إنجاح هذا المشروع ودفعه قدماً بأسرع وقت ممكن. فمن ناحية يحرص
شارون على تعدد الجهات التي تتولى تنفيذ المشاريع الاستيطانية والتهويدية حتى
لا يبدو الأمر كما لو كان حملة منسقة من قبل جهة واضحة ومعروفة لا يمكن توجيه
اللوم الدولي إليها، وحتى لا يتم التشويش على تنفيذ هذه المخططات. وليس هذا
فحسب بل إن شارون يحاول الممازجة من حيث استخدام الوسائل المتبعة في تحقيق
مخططه. فتارة يتم تنفيذ الأمر عن طريق مشروع استيطاني، وتارة عن طريق تغيير
مسار جدار الفصل العنصري حول المدينة، ودائماً يتم بتواصل التضييق على
المواطنين الفلسطينيين داخل المدينة ومحيطها من أجل إجبارهم على ترك المنطقة.
مشروع ((القدس الكبرى)) أو كما يطلق عليه شارون بالعبرية ((يروشلايم رابتي))
يهدف إلى تحقيق ثلاثة أهداف استراتيجية من الطراز الأول بالنسبة للدولة
العبرية:
1. تكريس القدس المحتلة كعاصمة لدولة الاحتلال، وإيجاد وقائع على الأرض تجعل من
المستحيل مستقبلاً إرجاعها للفلسطينيين ضمن أي تسوية سياسية.
2. مشروع ((القدس الكبرى)) يعني إسدال الستار على أي فرصة لإقامة دولة فلسطينية
حقيقية. فهذا المشروع يعني ربط القدس الشرقية بمستوطنة (معاليه أدوميم)،
الواقعة إلى الشمال الشرقي من المدينة، وبعد ذلك يتم ربط تلك المستوطنة
بالمستوطنات التي تقع في محيط مدينة أريحا شرقاً. فمن هنا يتم إيجاد تواصل
إقليمي وديمغرافي يهودي يفصل الضفة الغربية عن القدس إلى نصفين، الأمر الذي
يعني أنه في حال الإعلان عن الدولة الفلسطينية مستقبلاً، فإن هذه الدولة لن
تكون متصلة فيما بينها.
3. إقامة المشروع يعني أنه في حال استؤنفت المفاوضات بين (إسرائيل) والسلطة
الفلسطينية حول مستقبل الضفة الغربية فإن مساحة الضفة الغربية ستكون أقل بـ25%
من مساحتها الحقيقية، ويتم تقديم هذه النسبة على اعتبار أنها المساحة الحقيقية
للضفة، مع العلم أن هذه النسبة ستكون عرضة للتآكل وفق المنطق الإسرائيلي.
دور حزب العمل
كما كانوا دائماً فإن وزراء حزب العمل يروق لهم أن يلعبوا دور مقاولي الأعمال
القذرة في الحكومات التي يشاركون فيها حزب الليكود، كما يصفهم دوماً المعلق
الإسرائيلي عكيفا الدار. وفي كل ما يتعلق بالمشاريع الاستيطانية وعمليات
التهويد التي تستهدف القدس، فإن وزراء حزب العمل دون غيرهم يلعبون الدور
الرئيسي في دفع هذه المشاريع. فمثلاً خطة ((E1)) الهادفة إلى ربط القدس
بـ(معاليه أدوميم) يشرف على تنفيذها وزير الإسكان إسحاق هرتسوغ، وهو من حزب
العمل، ويبدي هرتسوغ حماساً كبيراً لإنجاز هذا المشروع. ويشاركه حماسه هذا وزير
البنى التحتية العمالي بنيامين بن أليعازر الذي من خلال موقعه لا يتردد في
توفير كل ما تتطلبه مشاريع البنى التحتية في عمليات بناء الوحدات السكنية
للمستوطنين.
لم يكتفِ هرتسوغ بالوقوف خلف مشروع ((E1))، بل اتجه إلى مشاريع استيطانية
تهويدية كانت نائمة حتى عودة حزب العمل لحكومة شارون. فهرتسوغ يعمل حالياً على
دفع عمليات البناء في المشروع الاستيطاني ((جبل أبو غنيم)) بكل قوة. وتحاول
وزارته توفير كل متطلبات البناء وتعلن عن تخفيضات هائلة في أسعار الشقق
المعروضة للبيع في المكان من أجل تشجيع أكبر عدد ممكن من اليهود على القدوم
للاستقرار في المدينة. في نفس الوقت فإن وزراء حزب العمل تحديداً يتجهون إلى
تضخيم المستوطنات التي أقيمت بعد احتلال المدينة في العام 67، وبالذات تلك
الواقعة في شمال وجنوب المدينة. ففي مستوطنات مثل (بسغات زئيف) وجيلو وغيرها
تتواصل عمليات الاستيطان بصمت.
دور الجمعيات الخاصة
يسعى شارون إلى أن تشارك أطراف متعددة في تحمل عبء عمليات التهويد والاستيطان
في محيط القدس وفي قلبها. وهو لا يريد أن تتولى الحكومة وحدها كل هذا العبء
وذلك تهرباً من الانتقادات الدولية، لذلك نجد أن جهات خاصة تلعب دوراً هاماً في
عمليات التهويد. ولعل جمعية (عطيرات كوهنيم) هي أكثر الجمعيات الخاصة التي تقوم
بجهد في مجال التهويد. فهي مثلاً المسؤولة عن توقيع الصفقات مع بطريرك الروم
الأرثوذكس اليوناني إيرينيوس الأول، والتي يصل عددها إلى عشرين صفقة وطالت
مساحة كبيرة من الأراضي وعدداً كبيراً من العقارات الفلسطينية.
وكما بات واضحاً فإن هذه الجمعية تستعين بسماسرة من العملاء الفلسطينيين الذين
كانوا يعملون مع جهاز المخابرات الإسرائيلية الداخلية ((الشاباك)). وقد تم
الكشف مؤخراً عن بعض من آليات عمل هذه الجمعية الإجرامية. فقد كشف محامي
فلسطيني النقاب عن قيام (عطيرات كوهنيم) بدفع عشرات الآلاف من الدولارات لسمسار
فلسطيني مقابل عدم قيامه بالكشف عن الوسائل الملتوية وغير القانونية التي تقوم
بها من أجل السيطرة على أملاك وعقارات الفلسطينيين في القدس المحتلة. وتسنى
للمحامي نمر حسين الكشف عن هذه الوسائل من خلال تمثيله لأحد سماسرة الأراضي
وعميل سابق يدعى محمد مراغة وهو من بلدة سلوان المحيطة بالقدس. فقد كشف المحامي
حسين نقلاً عن لسان مراغة تواطؤ كل من شرطة وبلدية الاحتلال في المدينة مع
(عطيرات كوهنيم) وغضها الطرف عن عملياتها التي تتعارض حتى مع القانون
الإسرائيلي، على الرغم من أنه أتاح مجالاً واسعاً للاحتيال والخداع في كل ما
يتعلق بالقدس. وأشار المحامي أن العميل عمل لصالح (عطيرات كوهنيم) مدة أربع
سنوات، حيث قام بتزييف وثائق ومستندات من أجل نقل ملكية العديد من المنازل
والعقارات الفلسطينية في سلوان والقدس لصالح الجمعية التهويدية، التي تقوم
بتحويلها إلى مدارس دينية يهودية ومنازل للمستوطنين الذين يتم استقدامهم بشكل
خاص من أمريكا. وحسب شهادة العميل فان بلدية وشرطة الاحتلال وبتشجيع من الحكومة
الإسرائيلية تغضان الطرف عن قيام (عطيرات كوهنيم) بالبناء حتى بدون الحصول على
تراخيص بناء في المناطق التي تخطط لتهويدها. وقرر مراغة وهو عميل سابق لجهاز
((الشاباك))، الكشف عن وسائل الجمعية غير القانونية وتواطؤ بلدية وشرطة
الاحتلال معها بعد أن قامت الجمعية بالاستيلاء على منزله هو نفسه الخاص في
سلوان من أجل إقامة سكن للمستوطنين اليهود.
وحسب المحامي حسين فإن رؤساء (عطيرات كوهنيم) عرضوا على مراغة مسودة اتفاق يقضي
بحصوله في حال لم يتعاون معه في الكشف عن وسائلها الإجرامية على مبلغ ثمانية
وأربعين ألف دولار. ويذكر أن (عطيرات كوهنيم) مسؤولة بشكل خاص عن عمليات
التهويد التي تتم داخل أسوار البلدة القديمة. وشرعت خلال العقد الأخير في نقل
أنشطتها إلى القرى والبلدات الفلسطينية المحيطة بالمدينة، وبالذات في بلدة
سلوان، التي يدعي اليهود أنها كانت مقراً للنبي والملك داود. ويتولى الملياردير
الأمريكي اليهودي أورفينغ ميسكوفيتش المسؤولية عن تمويل معظم عمليات التهويد
التي تقوم بها (عطيرات كوهنيم).
استغلال فك الارتباط
من نافلة القول الآن أن أحد أهداف شارون من الإعلان عن خطة ((فك الارتباط)) في
قطاع غزة وشمال الضفة الغربية هو اقتطاع الضفة الغربية، وعلى رأسها القدس
وتكريس المشرع الاستيطاني والتهويدي فيها بشكل لا يكون معه في المستقبل أي مجال
لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء. حسب فهم شارون فإن تنفيذ خطة ((فك الارتباط))
يعني إضفاء شرعية دولية على المشروع الاستيطاني في الضفة وشرعنة العمليات
التهويدية داخل القدس. في نفس الوقت فإن شارون يعي أن تنفيذ الخطة سيريح
(إسرائيل) من عناء خوض أي مسيرة سياسية جدية. فقد اقتبس في أكثر من موضع أن
تنفيذ خطة ((فك الارتباط)) ستريح (إسرائيل) من عناء المفاوضات لمدة خمسين عاماً
على الأقل.
مباركة أمريكية
تمثل الدعوات الفارغة التي وجهها الرئيس الأمريكي جورج بوش لشارون بوقف الأنشطة
الاستيطانية أثناء محادثاته معه خلال زيارته الأخيرة للولايات المتحدة، ذراً
للرماد في العيون. فبوش يشدد على أنه مازال ملتزماً بالضمانات التي قدمها
لشارون خلال فترة ولايته الأولى. وإحدى هذه الضمانات يعني في الواقع إقرار
واشنطن ليس فقط بتهويد القدس المحتلة، بل وإضفاء شرعية على استلاب محيطها وضمه
لدولة الاحتلال. فإحدى الضمانات تنص على أنه من حق (إسرائيل) أن تضم التجمعات
الاستيطانية الكبيرة في الضفة الغربية لها. بكلمات أخرى فإن أكبر تجمع استيطاني
في الضفة الغربية هو التجمع الذي يحيط بالقدس المحتلة، أي أن واشنطن تقر بضم
التجمع الاستيطاني الذي يقع جنوب بالقدس ويضم عدداً كبيراً من المستوطنات،
والمعروف بـ(غوش عتصيون) للمدينة، ناهيك عن ضم المستوطنات التي تقع في محيطها
من الناحية الشرقية والشمالية.
قصارى القول إن هناك حاجة كبيرة لأن يتحرك العرب والمسلمون لتولي مسؤولياتهم
إزاء مدينة القدس قبل أن يكتشفوا أن الأمر أصبح متأخراً جداً.