الانسحاب من غزّة
وانتخابات التشريعي
ما هي العلاقة بين الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة، وبين
إجراء الانتخابات التشريعية الفلسطينية؟
قد يكون الجواب أن لا علاقة بين القضيتين، على اعتبار أن الانسحاب من غزة هو
قرار إسرائيلي بيد أرييل شارون، اتخذ لمصلحة إسرائيلية. أما إجراء الانتخابات
فهو قرار فلسطيني بيد أبو مازن والسلطة، وهو استحقاق مقرر قبل فترة. لكن
الملاحظ أن هناك علاقة جوهرية أو رابطاً قوياً بين القضيتين، صحيح أن تنفيذ
الأولى لا علاقة له بالثانية، لجهة سلطة القرار، إنما الترابط هو في المصالح
المترتبة على نتائج الانسحاب الإسرائيلي من غزة بالتزامن مع إجراء الانتخابات
التشريعية. فالمؤشرات في معظمها تدل على أن حماس سوف تفوز بنسبة كبيرة من مقاعد
المجلس التشريعي، مما يعطيها تأثيراً أكبر في معادلة القرار الفلسطيني، سواء
شاركت في الحكومة أو بقيت في البرلمان متحكمة أو مؤثرة بخط ونهج وسياسة الحكومة
الجديدة. مع ما يترتب على ذلك من تحكم حماس بالمنحى السياسي الفلسطيني العام
الذي يتمحور من الناحية الرسمية في خط المفاوضات أو التسوية السياسية مع الكيان
الصهيوني، مرتبطاً بهذا الكيان لجهة التنسيق الأمني أو التبعية الاقتصادية،
ومنساقاً من جهة أخرى خلف التأثر بالمعادلة الدولية ورعاة عملية التسوية.
الخشية الإسرائيلية بعد فوز حماس في الانتخابات البلدية هي من شقين: حصول حماس
على مشروعية سياسية – رسمية – دولية بسبب فوزها في انتخابات التشريعي، وتبوّؤ
حماس كتلة سياسية – شعبية في المجتمع الفلسطيني.
ولأن حماس من وجهة النظر الصهيونية مكانها الطبيعي في السجن تحت الأرض، فإن
كافة الجهات ترتكب –وفقاً للرؤية الصهيونية- خطيئة كبرى من خلال السماح لحماس
باكتساح أغلبية مقاعد التشريعي، طالما لم تغير الحركة إلى اليوم من خطها
السياسي ولم تبدّل من استراتيجية الكفاح المسلح وعمليات المقاومة ضد الاحتلال.
إن من يقرأ شمعون بيريز في ((نيوزويك)) عدد 19 نيسان/أبريل الماضي، يلحظ أن
المخاوف تطغى على قادة الكيان من فوز حماس. إن أولوية الديمقراطية في الساحة
الفلسطينية والتشديد على تطبيقها قبل وفاة عرفات وبعده، اضمحلت اليوم لصالح
معادلة الدفع باتجاه البحث عن مستقبل سلاح المقاومة الذي لم ينزع إلى اليوم،
وقد برزت ملاحظات وانتقادات إسرائيلية شديدة لحكومة أبو مازن لأنها تأخرت في
هذه الأولوية.
اليوم، أعلن شارون عزمه تأجيل الانسحاب من قطاع غزة، الحجة واهية، مناسبة دينية
لدى اليهود. ما يثبت ما وراء هذا الموقف تصريحان مهمان: شاؤول موفاز وزير
الدفاع الصهيوني يدعو للتأجيل إلى منتصف شهر آب/أغسطس القادم، وشارون يعيد
التذكير بأن الأولوية هي لمكافحة الإرهاب.
ما بين هذين الخطين أشياء كثيرة: محمد دحلان ينبئ الإسرائيليين بأن الانتخابات
–الآن- ستفقد فتح قوتها، نواب فتح في المجلس التشريعي يعطلون صدور قانون
الانتخاب على القاعدة التي اتفقت عليها الفصائل في القاهرة، الولايات المتحدة
والكيان الصهيوني يرغبان في إتمام انسحاب إسرائيلي من غزة بعد التنسيق مع
السلطة، وبريطانيا والولايات المتحدة تشددان على تشكيل لجان تنسيق بين الجانبين
لإدارة مسألة الانسحاب.
وسط ذلك، تعطل سفر أبو مازن إلى واشنطن، وتأخرت السلطة في تشكيل لجنة دراسة
منظمة التحرير الفلسطينية، وشارون يتخوف من هجوم أطفال غزة على المستوطنات
لتفكيكها، والمجتمع الإسرائيلي عاتب على أبو مازن لأنه لم يفعل شيئاً ضد سلاح
المقاومة. إذن.. وراء كل ذلك صفقة مخفية.. أو لنقل امتحان تحت الطاولة: يؤجل
شارون انسحابه من غزة، إلى منتصف آب/أغسطس، لماذا؟ وتؤجل الانتخابات لشهر أو
أكثر، خلال هذه الفترة تقدم السلطة ما يمكن تقديمه، انظروا تصريح أبو مازن الذي
أعلن فيه إحباط أجهزة أمن السلطة عشرات العمليات وتفكيك مجموعات المطاردين،
وتوقيت ذلك، ويتفاهم الاحتلال مع السلطة على تسليم غزة إليها. ماذا تجني
السلطة؟ تجني مكاسب سياسية وشعبية لدى الفلسطينيين ما يسمح لها مع مؤتمرها
العام بخوض انتخابات أكثر راحة من انتخابات تموز/يوليو المحددة سلفاً.
إذن.. حتى تبقى المعادلة السياسية الموجودة منذ ثلاثين عاماً قائمة، لا بد من
تعويم فتح، وحتى تعوم فتح لا بد من بعض التنازلات والتقديمات حتى لو كان ذلك
على حساب الديمقراطية.
إن القضية اليوم هي قضية مشروع سياسي، ولأن حماس مشروع سياسي – اجتماعي كبير،
برز الاصطفاف حوله في انتخابات المرحلة الأولى في الضفة وغزة، صار هناك خشية من
تمدد هذا المشروع الذي –ولحسن الحظ- يتزامن مع تمدد مشاريع نجاح الإسلاميين
ومتانة مواقعهم في لبنان ومصر والعراق ودول الخليج وأفغانستان وسوريا، لدرجة
دفعت الأوروبيين إلى إعادة النظر في مبرر الابتعاد عنهم أو عن ((المعتدلين))
منهم، كما أحبت وثيقة الاتحاد الأوروبي أن تسميهم.
إن الساحة الفلسطينية مقبلة على تغير كبير سيصعب على الاحتلال ومن يعاونه الحد
منه، خصوصاً وأن الحركة الإسلامية لديها مشروع سياسي واضح عليه التفاف شعبي
كبير، مقرون بمؤسسات اجتماعية وبتضحيات كبيرة، ويحمله أناس يتصفون بنظافة اليد
والخبرة الجيدة.
المشكلة أن هناك في الساحة الفلسطينية من يصرّ على الجمود والتصرف كأن فلسطين
وشعبها هي ملكه الخاص، ويدفعه حبّه للبقاء لطلب النجدة من الاحتلال. لكن هل
ينفع هذا الهروب من الاستحقاق الانتخابي؟ وهل هناك من يعتقد فعلاً أن انتخابات
التشريعي هي المقرر حقيقة للواقع السياسي والمقياس لتوجه أو اتجاه حركة
المجتمع؟
لنعد إلى الموضوع.. طالما لا يمكن لحكومة شارون تقديم مكاسب مهمة للسلطة مثل
إطلاق سراح الأسرى والانسحاب من المدن الفلسطينية الكبرى ووقف الاستيطان ووقف
بناء الجدار الفاصل وإزالة الحواجز والسماح للمواطنين بالمرور على الطرقات
وحرية النقل والتنقل، وطالما لا يمكن لحكومة شارون التعهد للسلطة بحرية حركة
مرور البضائع، وبالمساعدة في بناء أجهزة السلطة وفي السماح للعمال بالعمل وغير
ذلك من القضايا المرتبطة مباشرة بحياة الناس اليومية، فإن العدو الصهيوني يحاول
إطعام السلطة ((جوز فارغ)) كما يقال، لمنحها انتصارات وهمية في الشارع، ترفع من
شأنها بين الناس، وتعد الفلسطينيين بأوهام.
لذلك جاء لقاء بيريز بأبي علاء ولقاء عريقات بدوف فايسغلاس، ولذلك جاء تشكيل
اللجان المشتركة، أو إعادة تفعيلها، ولذلك جاء الاتفاق على تشكيل طواقم عمل
مهنية لتنسيق المسائل الاقتصادية المتعلقة بالانسحاب من غزة.
لكن مجدداً.. كل ذلك لن يخدع الشعب الفلسطيني الذي يدرك أن الانسحاب من غزة
هزيمة للإسرائيليين تمّت بفعل المقاومة وصمود الأهالي، وهم سيعرفون بالتالي لمن
يعطون أصواتهم.