الدكتور محمد أكرم عدلوني أمين عام
مؤسسة القدس:
القدس والأقصى يتعرضان لهجمة تهويدية ومؤسستنا تحاول إنقاذهما
مواجهة تهويد الأقصى تحتاج مشروعاً تشترك فيه الحكومات والمنظمات والمؤسسات
الأهلية
يتعرض المسجد الأقصى ومدينة القدس لخطر
ناشئ عن الممارسات الصهيونية. لمعرفة دوافع ومحاور هذه المخاطر وسبل الرد
عليها، كان لنا هذا اللقاء مع الدكتور محمد أكرم العدلوني الأمين العام لمؤسسة
القدس.
- ما هي المخاطر المحيطة بالمسجد
الاقصى من قبل الاحتلال؟
• يتعرض المسجد الأقصى إلى أخطر مؤامرة تهدف إلى تفريغه وهدمه وإزالته وإقامة
الهيكل المزعوم على أنقاضه، ولا يقتصر تنفيذ هذه المؤامرة على سلطات الكيان
الصهيوني بل يتعدى إلى المنظمات اليهودية المتطرفة والتي تتحرك بغطاء سياسي
ومادي من قبل الحكومة. وتأخذ هذه المؤامرة أشكالاً متنوعة، منها على سبيل
المثال وليس الحصر: إفراغ المسجد الأقصى من المصلين الفلسطينيين عبر فرض الحصار
المشدد على القدس وحرمان الفلسطينيين من صلاة الجمعة في الأقصى، منع إدخال
سيارات الإفطار للصائمين في الأقصى، الاعتداء على الحافلات التي تنقل المصلين
من فلسطين المحتلة 48 إلى المسجد الأقصى، رفع تقرير سري إلى شارون بإغلاق
المصلى المرواني أمام المصلين بتاريخ 1/4/2004.
وإصدار قوانين وقرارات للسماح بدخول اليهود لساحات المسجد الأقصى، ومن أمثلة
ذلك: منظمة أمناء جبل الهيكل تطلب من المحكمة العليا استصدار قرار بمنع أعمال
الترميم التي تقوم بها الأوقاف، الشرطة الإسرائيلية تتعمد إدخال السياح
والأجانب واليهود إلى المسجد الأقصى بلباس غير محتشم، إقامة أعراس يهودية في
ساحات الأقصى وأداء طقوس دينية يوم الزفاف.
وترهيب وتغييب المدافعين عن الأقصى وإسكات كل صوت مدافع، مثل تصريح وزير الأمن
الداخلي السابق تساحي هنغبي بتاريخ 28/1/2004 ((من أهم إنجازاتي اعتقال الشيخ
رائد صلاح، وهدم مسجد شهاب الدين، والسماح لليهود بدخول المسجد الأقصى))،
اقتحام القوات الإسرائيلية للأقصى خلال صلوات الجمعة، موشيه كتساف يحرض ضد
الشيخ رائد صلاح لأنه يرفع شعار ((الأقصى في خطر)) ويعتبر ((مهرجان صندوق طفل
الأقصى)) تحريضاً خطيراً ضد الدولة، الشرطة تمنع أطفال المخيمات الصيفية من
التكبير ورفع شعارات ((بالروح والدم نفديك يا أقصى))، قائد شرطة المنطقة
الشمالية ((بروفسكي)) يفاخر باعتقال قادة الحركة الإسلامية ويعتبر ذلك شهادة
للشرطة ولجهاز ((الشاباك)).
- نلاحظ أن هناك إجراءات لتهويد الأقصى؟
• نلمس إجراءات متعددة منها: جمعية ((العاد)) الاستيطانية تستولي بالقوة على
منازل في قرية سلوان المحاذية للأقصى وتشرع في بناء مجمع سياحي تجاري في الساحة
الخارجية لحي المغاربة، سلطة الحدائق الإسرائيلية تهدم جزءاً من سور مقبرة
الرحمة المحاذية للأقصى والتي تحوي قبوراً للصحابة، مستوطنون يستولون على
عمارتين في حي سلوان المحاذي للأقصى لتشديد الحصار وتهويد محيط الحرم، خطة
إسرائيلية جديدة لتغيير ديمغرافية القدس، بلدية القدس تصدر أمراً في 2/6/2004
بمنع أعمال الصيانة في المقبرة اليوسفية الملاصقة لأسوار القدس، مخطط حكومي
إسرائيلي لإقامة حي يهودي جديد قرب باب الساهرة داخل أسوار مدينة القدس.
- لكن ماذا عن الحفريات؟
• هناك ممارسات مستمرة ضد الأقصى منها: تنظيم المسيرات الاستفزازية حول أسوار
المسجد الأقصى بمحاذاة أبوابه (حزب تكوماه)، مجموعة من المتطرفين تحطم أعمدة
رخامية أثرية بالقرب من المتحف الإسلامي داخل ساحة الأقصى، صحيفة ((يديعوت
أحرنوت)) تنشر ((تهديدات بتفجير المسجد الأقصى))، انهيار جزء من الطريق المؤدي
إلى باب المغاربة بسبب الحفريات، رجال مخابرات ومفكرون إسرائيليون يؤكدون في
تقاريرهم تصاعد وتيرة التهديدات بنسف الأقصى، سلطة الآثار الإسرائيلية تزيّف
الحقائق وتحرض وتهدد بانهيار وشيك للجدار الشرقي للأقصى، قائد شرطة القدس
((ميكي ليفي)) يقتحم المصلى المرواني متخفياً ويجري قياسات مسحية مريبة، جهاز
المخابرات الإسرائيلي يقول إن ضباطاً متطرفين قد ينقلون صواريخ ((لاو)) لجهات
يهودية متطرفة.
- بمَ تفسر تصريحات آفي ديختر رئيس جهاز المخابرات
((الشاباك)) عن محاولات المتطرفين الصهاينة لتدمير المسجد الأقصى؟
• ليست هذه المرة الأولى التي تطلق فيها تصريحات من قبل مسؤولين صهاينة، فقد
سبق لوزير الأمن الداخلي السابق هنغبي أن صرح بوجود خطر حقيقي يتهدد الأقصى من
قبل الجماعات اليهودية المتطرفة. كما سبق أن جاء في صحيفة ((هآرتس)) العبرية
التي تحدثت عن إمكانية إطلاق طائرة مفخخة أو انتحاري يهودي لتفجير الأقصى. إن
هذه التصريحات وغيرها يقصد منها ترويع المصلين والمواطنين كي لا يأتوا إلى
المسجد وبالتالي يؤثر على الأعداد التي تزوره، وتدلل أيضاً على أن الأقصى فعلاً
بخطر ويحتاج إلى تدخل عالمي أجل حمايته من الجماعات اليهودية المتطرفة، وهذا
يتطلب التدخل من أجل الحماية، ويرتب أيضاً مسؤولية على الكيان الصهيوني.
- كيف تنظرون إلى اعتقال الشيخ رائد صلاح المعروف بدفاعه
الشديد عن الأقصى؟
• يمثل الشيخ رائد صلاح رأس حربة مشروع الدفاع عن المسجد الأقصى، وخط الدفاع
الأول ضد الانتهاكات الصهيونية، بل هو خط الهجوم الأول على المؤامرات التي تحاك
يومياً على الأقصى. وقد قال أحد السياسيين الصهاينة إن رائد صلاح هو حصان
طروادة في وجه المشروع الصهيوني. وقد أخذ الشيخ رائد على عاتقه مهمة إعمار
وإحياء المسجد الأقصى المبارك وإحباط كل محاولات الاعتداء عليه. وقد أسس مؤسسة
الأقصى لإعمار المقدسات الإسلامية، وتمكن من زيارة العديد من الأقطار العربية
والإسلامية وحتى الغربية، حاملاً همّ الأقصى رافعاً شعاره المشهور ((الأقصى في
خطر))، وهو صاحب فكرة مهرجان صندوق طفل الأقصى، وفكرة المجتمع العصامي، كل ذلك
جعله هدفاً كبيراً لحكومة الاحتلال. إن الهدف الحقيقي هو محاولة إبعاد الشيخ عن
دوره ومحاولة إفشال مهمته في رعاية الفقراء والدفاع عن المقدسات وإحياء المساجد
وإنشاء لجان الزكاة ودعم الفلسطينيين في النقب والمثلث والجليل والمدن
الساحلية.
- كيف يمكن برأيكم صدّ الهجمة التهويدية عن القدس؟
• إن الهجمة التهويدية في مدينة القدس اتخذت أشكالاً عدة، ووضع لها من الخطط
والبرامج والمشاريع ما لا يحصى، يكفي أن نؤكد على أهمية تهويد القدس وإصرار
الصهاينة على ذلك من خلال -ليس أقوالهم وحسب- وإنما حسب ممارساتهم على الأرض،
ومن أمثلة ذلك: وزارة الإسكان تصدر عطاءات لبناء 1000 وحدة استيطانية صهيونية
في مدينة القدس (لتشكيل منطقة تدعى غلاف القدس)، المثال الثاني: وزير شؤون
القدس (الحاخام إلياهو سويسا) من حزب شاس أعد خطة لستة أعوام من أجل تحسين مركز
مدينة القدس حسب الرؤية الصهيونية بكلفة 350 مليون شيكل، مثال ثالث: أحد قادة
المستوطنين ((نوعم فيدرمان)) يخطط لنسف مستشفى المقاصد الخيرية في القدس ومدرسة
البنات المجاورة، مثال رابع: جاء في تقرير أعده ((معهد القدس للدراسات
الإسرائيلية)) أن الحكومات الصهيونية المتعاقبة تبنت أكثر من 150 خطة لتقسيم
مدينة القدس وتهويدها، مثال آخر: هدم 176 منزلاً في مدينة القدس المحتلة حسب
صحيفة ((الرأي)) الأردنية 3/1/2005. إن آخر قرار اتخذته حكومة الاحتلال
(العنصري) بمصادرة أملاك الغائبين الفلسطينيين التي فصلهم عنها جدار الفصل
العنصري مثال صارخ، ويعني هذا القرار فقدان آلاف الفلسطينيين ملكيتهم على
أملاكهم في شرق القدس، والتي تقدر بآلاف الدونمات.
بالمقابل، هناك غياب للسلطة الفلسطينية عن القدس، وتقاعس العالم العربي
والإسلامي الرسمي عن مواجهة هذا الإصرار الصهيوني لتهويد المدينة المقدسة
والقيام بالدور بالمستوى المطلوب، جعل المسؤولية تقع على عاتق مؤسسات ومنظمات
المجتمع الأهلي والمدني الفلسطيني والعربي والإسلامي للقيام ببعض الدور من أجل
مواجهة تهويد مدينة القدس. ونحن نرى في ((مؤسسة القدس)) أن القدس تمثل الحلقة
الأصعب في الصراع العربي الصهيوني، وهي العنوان الأبرز في قضية فلسطين، لذا فإن
مواجهة التهويد يحتاج إلى مشروع فلسطيني عربي إسلامي تشترك فيه الحكومات
والمنظمات ومؤسسات المجتمع الأهلي، وهذا ما تحاول أن تقوم به مؤسسة القدس مع
الشبكة العالمية للمؤسسات العاملة للقدس.
- ماذا قدمت مؤسسة القدس؟
• إن مؤسسة القدس ومنذ أن نشأت عام 2001، أخذت على عاتقها مهمة إنقاذ القدس
والحفاظ على الهوية العربية وحماية المقدسات الإسلامية والمسيحية فيها من خلال
تحقيق الأهداف التالية: توفير مقوّمات الصمود عبر دعم التربية والتعليم
والرعاية الصحية والبنية الاقتصادية والأمن الاجتماعي، تثبيت وتعزيز الوجود من
خلال الحفاظ على الأرض وحلّ مشاكل الإسكان وحماية الزراعة والبيئة والمياه،
تحفيز الأمّة لتلبية احتياجات مدينة القدس ومجتمعها وإعادة ترميم البنية
التحتية في مناحيها المختلفة، توعية الأمّة وتثقيفها بقضية القدس وتحميلها
أمانة مسؤولية الاستعداد لحماية المسجد الأقصى المبارك، تأهيل وتنمية القدرات
البشرية لتمكين شرائح الأمّة المختلفة من أجل إنقاذ القدس والمقدسات، تعبئة
الأمة لمواجهة التهويد من خلال مقاومة الجدار العنصري والاستيطان وحماية
المقدسات وحراستها.
وقد استطاعت المؤسسة أن تنجز العديد من المشاريع والبرامج داخل مدينة القدس
بالتعاون والتنسيق مع المؤسسات والجمعيات الاجتماعية والتنموية على امتداد
العالم العربي والإسلامي، حيث تمكنت من تنفيذ مشروعات صحية وتعليمية واجتماعية
وثقافية وإعلامية وإسكانية وزراعية، ومشاريع تتعلق بإعمار وحراسة المسجد الأقصى
المبارك بلغت قيمتها حوالي (ستة ملايين دولار). كما قامت المؤسسة بعقد (12)
مؤتمراً وملتقى وندوة في مناسبات عديدة في عدد من الأقطار من أجل إبقاء قضية
القدس حية في أذهان الأمة. ولهذا الغرض أطلقت المؤسسة موقعاً إلكترونياً
متخصصاً في شؤون المؤسسة والمدينة، وأصدرت العديد من النشرات والتقارير
المعلوماتية والأبحاث المتخصصة عن واقع المدينة.
ومن أجل تعبئة الأمّة وحفزها وحشد جهودها قامت المؤسسة بإنشاء 20 فرعاً وجهة
تمثيل واتفاقية تعاون في أقطار عربية وإسلامية وأجنبية وهي بالإضافة إلى لبنان:
اليمن والأردن وسوريا وقطر والبحرين والسعودية والجزائر ومصر والصومال
وأندونيسيا وتركيا وباكستان والهند وجزر القمر وجيبوتي والكويت وسريلانكا
وبنجلاديش.. كما أطلقت المؤسسة حملة دولية للدفاع عن الشيخ رائد صلاح والمطالبة
بإطلاق سراحه وإخوانه المعتقلين في سجون الاحتلال الصهيوني.. وعقدت مجموعة من
المؤتمرات الصحفية لإبراز قضية الأقصى والدفاع عن المقدسات في مناسبات عديدة.
وستعقد المؤسسة مؤتمرها الرابع في شهر يونيو/حزيران من هذا العام والذي سيكون
برعاية مملكة البحرين.
- كيف تنسقون مع الناشطين للقدس؟
• إحساساً من مؤسسة القدس بأهمية القضية وما تمثله من رمز ديني وثقافي وإنساني
وتاريخي وبأن القدس هي عنوان القضية الفلسطينية وبوابتها، وهي قضية العرب
جميعاً مسلمين ومسيحيين، كما أنها قضية الأحرار في العالم كله مما يوجب السعي
لتشكيل شبكة عربية إسلامية عالمية عريضة لإنقاذ القدس ومقدساتها الإسلامية
والمسيحية. وقد دعت المؤسسة من أجل ذلك إلى عقد ملتقى عالمي شاركت فيه 100
مؤسسة من 30 دولة، حيث أكد الملتقى على أن المرحلة القادمة تتطلب التنسيق
والتعاون لترشيد جهود وطاقات المؤسسات الأهلية الفلسطينية والعربية والإسلامية
والدولية لبلورة رؤية تنموية ومجتمعية لدعم وتثبيت وجود الشعب الفلسطيني وتوفير
كل مقومات صموده على أرضه. وقد خرج الملتقى بعد جلسات عمل استمرت ثلاثة أيام
بعدة قرارات أهمها: الموافقة على إنشاء الشبكة العالمية للمؤسسات العاملة
للقدس، واختيار منسق عام للشبكة هو الأمين العام للمؤسسة، وتشكيل منسقية عامة
مؤقتة لإدارة الشبكة ووضع ميثاق عمل لها، واعتبر الملتقى مؤسسة القدس هي المقر
المؤقت لهذه الشبكة، وقد اجتمعت المنسقية العامة ووضعت ميثاق عملها وأقرت خطة
مشاريع القدس لعام 2005 وهي بقيمة (10 ملايين دولار). ويؤمل أن يبدأ النشاط
الملموس لهذه الشبكة بعد انعقاد الملتقى الثاني والذي سيكون في شهر آب/أغسطس من
هذا العام.
- كيف تجدون التجاوب العربي والإسلامي مع قضية القدس؟
• للأسف ما زال التجاوب العربي والإسلامي الرسمي مع قضية القدس دون المستوى
المطلوب. لهذا فنحن نناشد الحكام العرب والمسلمين وجامعة الدول العربية ومنظمة
المؤتمر الإسلامي ولجنة القدس ومؤسسات المجتمع الأهلي الفلسطيني والعربي
والإسلامي والمنظمات الدولية أن تقوم بواجبها لحماية الإنسان والهوية
والمقدسات. نذكر هذا ونرى الفارق الشاسع بين الدعم العربي والإسلامي وبين الدعم
الأمريكي والمتطرفين اليمينيين في الإدارة الأمريكية للصهاينة في القدس، فإن
دعمهم لم يقتصر على الدعم المالي وحسب وإنما الدعم السياسي والإعلامي واتخاذ
القرارات واستصدار القوانين.