التطبيع الثقافي ومخاطره
يُعتبر أبا إيبان، وزير الخارجية الصهيوني الأسبق وأحد قادة
حزب العمل التاريخيين، أوّل من أطلق كلمة ((التطبيع))، وذلك بعد عدوان
حزيران/يونيو 1967، والتطبيع يعني حسب المفهوم الصهيوني إقامة علاقات طبيعية مع
العرب تكرّس هزيمتهم السياسية والعسكرية بهزيمة ثقافية وتبعية اقتصادية وعلاقات
دبلوماسية يقيمها الكيان الصهيوني مع الدول العربية لتكريس الهيمنة الصهيونية
على المنطقة، وتتويجها بإقامة مشروع الشرق الأوسط الكبير حسب المخطّط الصهيوني
المرسوم، وهو ما أعلن عنه مبكراً الزعيم الصهيوني ثيودور هرتزل عندما قال بوجوب
قيام كومنولث شرق أوسطي يكون لدولة اليهود فيه شأن قيادي فاعل ودور اقتصادي
قائد، وتكون المركز لجلب الاستثمارات والبحث العلمي والخبرة الفنية.
على الرغم من الأخطار السياسية والاقتصادية التي تمثّلها عملية التطبيع إلاّ أن
الخطر الثقافي يبقى هو الأكثر بروزاً وأهمية، وبدونه لا يمكن ضمان السيطرة
الأمنية والسياسية والتفوّق العسكري للكيان الصهيوني. فلا يُمكن بأي حال هزيمة
الأمّـة سياسياً وعسكرياً دون هزيمة الروح والعقل والوجدان فيها. فطيلة المائة
عام من تاريخ الصراع مع الصهيونية على أرض فلسطين لم يهدأ العرب والمسلمون
والثورات لم تنقطع، والرفض بقي هو السائد في العقل والوجدان العربي والإسلامي.
وبما أن اللحظة التاريخية التي نعيشها من وجود أمريكي صهيوني على امتداد العالم
العربي تُعتبر مؤاتية حسب الرؤية الصهيونية الأميركية فهناك إمكانية كبيرة
لتعديلات كبيرة في المناهج التربوية والإعلامية تسمح بإزالة كل ما يمكن تسميته
بالتحريض والعداء ضدّ الكيان الصهيوني. من هنا كانت الدعوات الصهيونية
المتسارعة إلى التطبيع في هذا الوقت بالذات. وكان وقف تدريس الآيات القرآنية
التي تتحدّث عن الجهاد وإيقاف بثها إذاعياً، حتى لا تُعتبر تحريضاً، وهذا ما
ظهر جلياً في الأردن ومصر والدول التي عقدت اتفاقيات مع (إسرائيل). كما كان
لافتاً في هذا السياق ما نشرته صحيفة الوطن الكويتية من حذف عدد من دروس اللغة
العربية التي تتحدّث عن الجهاد ومنها ما يتحدّث على سبيل المثال عن الصحابي
الجليل القعقاع بن عمرو الذي كان له تأثير معنوي بارز في أي معركة يشارك فيها.
إذاً التطبيع الثقافي إذا قدّر له أن يسير وفق المخطّط المرسوم له ستكون له
نتائج مدمّرة على العقل والنفسية العربية والإسلامية ويمكن في هذا السياق إيراد
عدة ملاحظات حول التطبيع الثقافي:
- إن هذا التطبيع سيقود بصيغته المطروحة إلى تهجين الشخصية العربية بسلبها أهم
ما يمكن أن يميّزها من رجولة وشجاعة واعتداد بالنفس والأرض، وقيم أخلاقية
ودينية ومقوّمات حضارية وثقافية تشكّل ما يمكن أن يسمّى بالجدار الأخير الذي
عادة ما تلجأ إليه الأمة عند أي أزمة أو مواجهة خطر خارجي.
- سيؤدي التطبيع إلى تعطيل لآيات من القرآن الكريم تدعو للجهاد ومجابهة
العدوان، وهناك سور بأكملها تتحدّث فقط عن الجهاد ومشروعيته.
- سيقود التطبيع إلى بروز مصطلحات اقتصادية وسياسية ذات أبعاد فكرية ووجدانية
من قبيل (الشرق الأوسط الكبير) ودول المتوسّط، هذه المصطلحات سيقابلها اندثار
مصطلحات تربّت عليها أجيال وعاشت على أمل تحقيقها مثل (الوحدة العربية) و(السوق
العربية المشتركة) و(الدفاع العربي المشترك)، وهو ما سيؤدّي بالتالي إلى نشوء
جيل مرتبك نفسياً وعاجز عن تحديد أبعاد هويته.
- إن بعض أنصار التطبيع الثقافي يقولون إنه سيحرم الحكومات العربية من حجتهم
بأن غياب الحريات هو بسبب ما نعيشه من حالة شبه حرب مع (إسرائيل) تتطلّب
تماسكاً داخلياً. لكنّ الشواهد في البلدان التي أقامت علاقات مع الكيان
الصهيوني تقول خلاف ذلك، فهامش الحريات ضاق بشكل خانق، والقمع ازداد وذلك بسبب
أن الضغوطات التي كانت تتعرّض لها هذه الحكومات من الدول الأوروبية ومنظمات
حقوق الإنسان تلاشت بحجّة الخوف على مسيرة التسوية. وتبدو موريتانيا أوضح مَثل
حيث شهد هذا البلد العربي العديد من المحاولات الانقلابية، وزادت الاعتقالات
أضعاف ما كانت عليه قبل إقامة علاقات دبلوماسية بين موريتانيا و(إسرائيل).
- يلاحظ أن أي عملية تطبيع يتبعها تمجيد بالقُطرية كضرورة للردّ على الرافضين
لها والذين أحد أسباب رفضهم هو أن القضية الفلسطينية لم تُحل بعد. فتتأجّج
النزعات المحلية البديلة عن الوحدة، ونلمس النزعة الفرعونية في مصر لدى بعض
الكتاب بعد كامب ديفيد، وشعار ((الأردن أولاً)) بعد اتفاقية وادي عربة عام
1994، وما برز أخيراً في العراق كتبرير للتطبيع من أن مصلحة العراق العليا فوق
أي اعتبارات (مثال الألوسي) وكأن هذه المصلحة غير مرتبطة بمحيطها الإقليمي، ولا
ننسى كذلك التوجّه القطري لدى بعض المثقفين الفلسطينيين الداعين للتطبيع والذين
برزوا منذ بداية السبعينيات، واهمين أنفسهم بأنهم يستطيعون وحدهم حلّ القضية
الفلسطينية بمعزل عن العمق العربي والإسلامي. وخلاصة القول أن التطبيع سيؤدي
إلى كيانات عصبوية متناحرة ربما يكون الحَكم بينها (إسرائيل)!!
ولمواجهة التطبيع الثقافي لا بدّ من إقامة سياج على مستوى الفرد والأسرة يكون
منعة من كل إغراءات أو ضغوطات. كما يبرز ضرورة تفعيل المقاطعة الثقافية عبر
تعبئة الشباب من خلال الشبكة الإلكترونية، ويصعب العثور على موقع فاعل مختص
بهذا الموضوع بعد إغلاق السلطات الأردنية لموقع QAWEM.COM.
وعلى الرغم من المخاطر التي يحملها التطبيع الثقافي إلا أنه لم يُحرز حتى الآن
اختراق يُذكر في العقل والوجدان العربي والإسلامي.
..نحو مؤتمر جديد لمقاومة التطبيع
بيروت/ياسر علي
مرّ التطبيع الثقافي من معاهدة كامب ديفيد بين مصر و(إسرائيل) بمراحل وأشكال
عديدة. ولولا وقوف ثلّة من المثقفين والفنانين بوجه تيار التطبيع لبلغ التطبيع
خطوط اللاعودة إبّان اتفاقيّتي أوسلو ووادي عربة وما بعدهما.
ففي الوقت الذي سعت فيه مجموعة من الشخصيات الثقافية المصرية للدخول في قطار
التطبيع بحجة ثقافة السلام، فكان يومها مؤتمر كوبنهاغن الثقافي في الدنمارك
الذي أنتج مجموعة كوبنهاغن المكونة من أطراف مصرية وصهيونية.. غير أن وقوف
مقاومي التطبيع بوجههم وصدّهم جعل تأثيرهم محدوداً في المجتمع الثقافي المصري
والعربي.
وقد مرّ التطبيع عموماً بعدة مراحل يمكن تقسيمها على الشكل التالي:
1. قبل معاهدة كامب ديفيد، حيث كان يقود المقاطعة جامعة الدول العربية عبر مكتب
وزاري يجتمع دورياً، غير أن تركيزه كان بالدرجة الأولى على الاقتصاد.
2. ما بعد كامب ديفيد، حيث باتت مصر المنفذ الإسرائيلي الوحيد المفتوح إلى
العالم العربي. غير أن هذا التأثير لم يكن ليتجاوز مصر –رسمياً-. وقد شهدت هذه
المرحلة نشاط النقابات والجمعيات المقاومة للتطبيع، ويشهد في هذا لنقيب
الفنانين الراحل سعد الدين وهبة، الذي كان يرفض رفضاً باتاً مشاركة (إسرائيل)
في مهرجان القاهرة السينمائي، حيث كان رئيساً له، وسنّ سنّة سار عليها من ترأس
لجنة المهرجان لاحقاً. كما أصدرت النقابات الفنية لوائح سوداء لمقاطعة الفنانين
الذين زاروا تل أبيب، وهو ما لم تستطعه مثلاً نقابة الصحافة التي زار منها وفد
رؤساء التحرير (إسرائيل) برعاية حكومية رسمية.
3. مرحلة انفتاح مصر على العالم العربي، حيث باتت منفذاً مهماً (لإسرائيل) تجاه
العالم العربي، غير أن درع رفض التطبيع الثقافي بقي صامداً بوجه العدو، رغم
الغزل الذي كان قائماً بين بعض الأنظمة العربية و(إسرائيل)، دون مراعاة لأحداث
الانتفاضة الأولى.
4. مرحلة أوسلو، وهي الخطيئة الفلسطينية التي فتحت أبواب العالم العربي
والإسلامي وعدم الانحياز أمام (إسرائيل). وكانت هذه الفترة من أصعب الفترات على
مقاومي التطبيع. غير أن الجانب المضيء في المرحلتين الثالثة والرابعة هو توحّد
قوى مقاومة التطبيع العربية مع مصر، وظهور قوى إسلامية وليبرالية في دول الخليج
العربي في هذا الإطار.
5. مرحلة الانتفاضة، وهي المرحلة التي أحبطت كل جهود التطبيع الثقافي. فتراجعت
مجموعة كوبنهاغن واختفت كتابات المطبّعين من الصحافة المصرية العربية، (علي
سالم مثلاً، عاد إلى الكتابة النقدية في المسرح) أما كتاباتهم التطبيعية فبقيت
تنشر بين الحين والآخر في الصحف الغربية.
6. هذه المرحلة: المنطقة مقبلة على محطّة هامة من عملية التسوية مع العدو وسوف
يتخللها مصاعب تواجه جماعات مقاومة التطبيع، وسوف ((يتطوّس)) فيها من جديد
أولئك المطبّعون الذين انزووا في سنوات انتفاضة الأقصى الأربعة الماضية في
الظلام، ريثما تسنح لهم فرصة الانقضاض من جديد.
المطلوب
لقد بات الأمر واضحاً، ويمشي بخطوات ثابتة من أجل متابعة مسيرته التي قطعتها
انتفاضة الأقصى، وقد بات لزاماً على المثقفين مساندة هذه الانتفاضة من أجل بثّ
روح المقاومة من جديد وتجييش الشارع العربي ضدّ القادم المجهول.
العدو قد أعدّ عدّته منذ زمن، فبالإضافة لأسلحته الاقتصادية (كويز + ضخّ
الأموال)، جاء يحمل عتاده الإعلامي الضخم (قناة الحرّة + إذاعة سوا)، بالإضافة
إلى تدخلات مباشرة من السفارات الأمريكية ودوائر الـCIA ضد كل وسيلة إعلامية
تحاول الوقوف بوجه التطبيع مع العدو. وتهمة ((معاداة السامية)) جاهزة لرمي
المقاومين.
دعوة
نحن هنا لا نسبق الأحداث، بل لقد سبقتنا الأحداث والمؤتمرات والأبحاث والوقائع
والتقارير. فإزاء ما قد تمّ تحضيره حتى الآن، لم نجدّد نحن أسلحتنا ولم ننعش
شارعنا ولم نضخ دم الشباب والمؤسسات الجديدة مع هيئاتنا الناشطة.
ولأنه لا مستقبل للتطبيع بدون تطبيع ثقافي، فإن واجب المثقفين هنا بات مضاعفاً،
ومن الضروري الآن عقد مؤتمر إعادة التأسيس ((هيئة عربية ثقافية وفكرية ضد
التطبيع الثقافي مع العدو)).
تكون مهمة هذا المؤتمر قيادة الشارع وتوجيه الثقافة بقوة دفع مقاوِمة تعبّر عن
نبض الشارع، تستقلّ عن دعم الحكومات وتوجيهاتها السياسية. وتردّ على ما يقدّمه
الإعلام المعادي، وترشّد التربية والمناهج، وتكرّس المفاهيم العربية والإسلامية
لتاريخ وجغرافية وثقافة المنطقة، وتحافظ على المصطلحات والمسمّيات العربية
وتجدّدها في الذاكرة الشعبية. وتناهض المطبّعين وتقاطعهم وتقاومهم وتتضامن مع
قوى المقاومة الحيّة.
القادم خطير وجارف، والمهمة باتت أصعب، والمسؤولية كبيرة.. وعلى كل فرد أن
يتحمّل مسؤوليته..
ومهمة قيادة هؤلاء الأفراد يجب أن يتولاها المثقفون.. قيادة فعلية وليس
بالتعيين.
لقد بات ضرورياً عقد هذا المؤتمر الذي يجب أن يعقد على مستوى الأقطار ثم على
مستوى العالم العربي.
إنها ليست عملية خلق صعبة، بل عملية إحياء للأطر التي تشكلت إبّان انتفاضة
الأقصى المبارك الباسلة.