منتدى المستقبل:
بريق الشعارات لا يخفي الهيمنة
الرباط/حسن بنّاجح
انعقد في الرباط، عاصمة المغرب، ((منتدى المستقبل)) يومي 10 و11 كانون
الأول/ديسمبر 2004 تحت الرئاسة الفعلية لوزير خارجية أمريكا المستقيل كولن
باول، وبحضور وزراء الخارجية والمال في نحو ثلاثين دولة تمثل مجموعة الدول
الثماني، إلى جانب دول عربية وإسلامية في المنطقة الممتدة من المحيط الأطلسي
إلى باكستان، مع استثناء دولتي إيران والسودان. كما لم يشارك الكيان الصهيوني
بشكل مباشر لكنه كان موجوداً وبقوة من خلال الإدارة الأمريكية المتبنية لكل
توجهاته والمدافعة عنها.
وشارك في المنتدى، إلى جانب الوفود الحكومية، عدد من الجمعيات المنتسبة إلى
المجتمع المدني ومنظمات غير حكومية ورجال أعمال وخبراء من البنك الدولي والأمم
المتحدة والاتحاد الأوروبي والمصارف الجهوية والإقليمية.
كما نظّم مؤتمر موازٍ للمنتدى حضرته عدد من جمعيات المجتمع المدني بمبادرة أربع
هيئات حقوقية عربية ودولية بهدف بلورة اقتراحات وتوصيات تقدم للمنتدى. وقد
انسحب عدد من الجمعيات المغربية أثناء المؤتمر حيث لم يتبق منها إلا اثنتان من
أصل سبعة.
وقد عرف المنتدى إجراءات واحتياطات أمنية جد مشددة على خلفية الاحتجاجات
الكبيرة التي سبقت وواكبت المنتدى والتي نظمتها خلية مناهضة المنتدى التي تضم
منظمات إسلامية ويسارية وثقافية وحقوقية وشخصيات وازنة.
إطار المنتدى
لقد أتى منتدى المستقبل في سياق الترويج الأمريكي لمشروع الشرق الأوسط الكبير
والذي تم تبنيه من طرف قمة الدول الثماني الكبار بـ((سي آيلاند)) بجيورجيا
بالولايات المتحدة الأمريكية في حزيران/يونيو 2004، حيث كانت الخطة في صيغتها
الأمريكية الأولى تسمى ((الشرق الأوسط الكبير)) والتي لقيت مجموعة من
الانتقادات سواء من الدول العربية أو الأوروبية، منها رغبة أمريكا في فرض
الإصلاح وليس الحوار بشأنه، وتغييب الصراع العربي الإسرائيلي، وعدم مراعاة
البعد الزمني في الإصلاح. فتم تبني صيغة ثانية حاولت تجاوز بعض هذه الملاحظات،
وفي هذا السياق تم التأكيد على أن الحوار من أهم آليات تطبيق الإصلاح.
والمشروع ليس جديداً وإنما هو تكرار لنفس المبادرة التي أعلنها كولن باول في
كانون الأول/ديسمبر 2002، والتي قوبلت بأصداء سلبية في العالم العربي ولم تفلح
في تخديره قبل أن تقدم أمريكا على غزو العراق بعدها. وهي نفسها التي أعلن عنها
بوش يوم 6 تشرين الثاني/نوفمبر 2003 خلال الاحتفال بمضي عشرين عاماً على إنشاء
الهيئة الأمريكية لدعم الديمقراطية، وهي الهيئة التي تولّت تنفيذ التجارب
الديمقراطية الفاشلة في إفريقيا.
ثم هي استمرار لما طرح في خطة ((هاس)) –ريتشارد هاس- مدير تخطيط السياسات
بوزارة الخارجية الأمريكية في كانون الأول/ديسمبر 2002، الهادفة إلى نشر
الديمقراطية في العالمين العربي والإسلامي على خلفية هجمات 11 أيلول/سبتمبر،
وبناء على خلاصة مفادها أن ((المجتمعات المقهورة يمكن أن تصبح تربة خصبة
للمتطرفين والإرهابيين الذين يستهدفون الولايات المتحدة الأمريكية)).
كما تم ترديد نفس الخطة في 3 نيسان/أبريل 2003 في ((بيان حقائق)) الصادر عن
وزارة الخارجية الأمريكية والمعلن عن خطة مسماة ((مبادرة الشراكة بين الولايات
المتحدة الأمريكية والشرق الأوسط)) ركّز فيها بوش على تقديم مساعدات مالية
(أكثر من ألف مليون دولار سنوياً) بهدف تغيير برامج التعليم والإصلاح الاقتصادي
وتقوية المجتمع المدني في الدول العربية.
نتائج المنتدى
تبنى المنتدى في الوثيقة الصادرة عنه المسماة ((ملخص الرئاسة)) عدداً من
القرارات والتوصيات يمكن تلخيصها فيما يلي:
الدعوة إلى اعتماد إصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية في العالم العربي
والإسلامي، التشديد على ترك الحرية لكل دولة على حدا كي تطبق الإصلاحات وفق
ظروفها الخاصة، ضرورة تزامن عملية الإصلاح مع تسوية النزاع العربي الإسرائيلي
وتهدئة الوضع في العراق، التأكيد على التحديات المشتركة التي يواجهها المشاركون
في المنتدى والحاجة إلى الرد عليها ((بشكل شامل)) عن طريق ((الحوار والتعاون))،
الالتزام بتعزيز قواعد الديمقراطية والتنسيق والتعاون في المنطقة وتوسيع إطار
المشاركة في الحياة السياسية وفي الشؤون العامة، الحرص على المساواة بين
المواطنين بمن فيهم النساء واعتماد نظام قضائي مستقل، التنمية السياسية عملية
متواصلة ومطلب لا يمكن تلبيته إلا من قبل البلدان المعنية نفسها، وأن الإصلاحات
يجب أن تتم في إطار السيادة لكل دولة.
الأهداف المعلنة والحقيقة
أجمع عدد من المراقبين والباحثين والمنظمات من كل التيارات أن هذه الإعلانات
والشعارات الوردية لا يمكن أن تغطي على حقيقة النوايا الأمريكية والصهيونية
الاستعمارية المبرهنة بما يجري في فلسطين والعراق والشيشان وما جرى في
أفغانستان. وأن هذا المشروع يرتبط بالرؤية الاستعمارية الأمريكية لمصالحها
الاستراتيجية وبتصورها لإعادة صياغة وتركيب المنطقة منذ القرن الماضي حتى
اليوم، حيث جمع مفهوم الشرق الأوسط بين الجغرافيا والسياسة فتذبذب بين الاتساع
والضيق حسب المصالح الاستعمارية والرغبة في تفتيت الأمّة العربية والإسلامية
واستنبات وتثبيت الكيان الصهيوني، إضافة إلى نهب خيرات المنطقة وعلى رأسها
البترول والطاقة البشرية الفعالة. ثم التعتيم على ما يجري من تقتيل وتخريب في
فلسطين والعراق وأفغانستان وغيرها، والتخفيف من حدة عداء المواطن العربي
والمسلم للسياسة الأمريكية من خلال إعادة تركيبه بعد التمكن من تحريف برامجه
ومناهجه التعليمية وعلمنة حياته العامة ومسخ هويته وشراء منظماته المدنية عبر
بوابة الدعم المادي، في الوقت الذي يقوون فيه كراهية المواطن الغربي والأمريكي
للمسلمين من خلال ربط كل ما هو إرهاب بالإسلام، وتقديم الآيات محرفة وتشويه
سيرة الرسول (صلى الله عليه وسلّم) وأحداث التاريخ الإسلامي في برامجهم
التعليمية. وإلا لو كانت أمريكا وحلفاؤها يهدفون فعلاً إلى نشر الديمقراطية لما
دعموا كل الأنظمة الاستبدادية في المنطقة، ولقبلوا بنتائج الاقتراع في الجزائر
التي أتت بالإسلاميين، ولما حاربوا إيران فقط لأنها تعلن إسلاميتها في الوقت
الذي يعترف لها دولياً بنزاهة انتخاباتها الرئاسية والتشريعية، ولما منع
السودان من الحضور في المنتدى رغم التزامه بالقرارات الدولية، لأنه سبق وأن حمل
عنواناً إسلامياً، ولما صادروا أموال عدد من المنظمات الخيرية والإسلامية تحت
مبرر شبهة دعم الإرهاب. ولما سكتوا عما تمارسه معظم الحكومات العربية من خرق
لحقوق الإنسان وتفشي المعتقلات السرية وتغييب الحريات العامة، ومنها المغرب
البلد المحتضن لمنتدى المستقبل الذي يوجد الآن في معتقلاته 2000 معتقل سياسي
إسلامي حوكموا محاكمات صورية ويعيشون ظروف اعتقال مزرية على خلفية تفجيرات 16
أيار/مايو وشهدت على ذلك عدد من الجمعيات الحقوقية والدولية. ناهيك عن الفساد
المالي والإداري اللصيق بمعظم هذه الحكومات. إضافة إلى ما تمارسه أمريكا نفسها
من هضم لحقوق الإنسان في غوانتنامو وأبو غريب والسجون الأمريكية التي تحتضنها
دول عربية بالوكالة تمارس فيها كل أصناف التعذيب.
وبناء على تلك الأهداف المعلنة وهذه الحقائق المبطنة انقسم المتعاطون مع
المنتدى إلى موقفين: موقف داعم وآخر رافض.
1. موقف الدعم: تبنته ثلاث جهات:
أ) الحكومات: وجاء منها التبني لتؤكد أنها مع الإصلاح وليست ضده خاصة أمام
تنامي حركات المعارضة الداخلية المطالبة بالإصلاحات، بل من هذه الحكومات من
استغل هذه اللافتة الخارجية للتعمية على الأوضاع الداخلية المزرية سياسياً
واقتصادياً واجتماعياً، ومنهم من تستر وراءها لمزيد من القمع للمعارضين.
ب) بعض الهيئات المدنية المستقلة: وكان تبنيها ودعمها للمنتدى بناء على قناعة
أن هذه فرصة لتطبيق الديمقراطية في الوطن العربي والإسلامي، وأن المشروع نازل
لا محالة فلا أقل، في اعتبارهم، من استغلال الفجوة للتقدم بمقترحات للمنتدى
وتشديد الضغط وانتزاع ما يمكن انتزاعه من مكاسب.
ج) هيئات مدنية تابعة: وهي مسخّرة من طرف أمريكا انطلاقاً من الإغداق المالي
عليها بدعم أنشطتها وإكرام رموزها، أو مسخّرة من الأنظمة العربية ذاتها،
وكلاهما يحمل هذه الأيام شعار ((الحداثيون المنفتحون الجدد)) ومعظمهم من رموز
اليسار السابقين.
2. موقف الرفض:
وهو موقف الشعوب وهيئاتها المدنية الحرة من مختلف التيارات، وموقف الرفض هذا
جاء بناء على أن سياق المنتدى هو الذي يوضح أهدافه الحقيقية، وعناصر هذا السياق
تجمل في: الحرب الأمريكية الشرسة على الأمّة الإسلامية عامة وعلى عدد من دولها،
محاربة الإسلام تحت شعار محاربة الإرهاب، الانطلاق من مصلحة أمريكا وليس من
مصلحة المنطقة، ثم التساؤل حول لماذا تقررت هذه الخطة، قيد الدرس في المنتدى،
بعد أحداث 11 أيلول/سبتمبر وليس قبلها؟
والعناصر المطلبية لهذا الموقف يمكن تركيزها في الآتي:
لا إصلاح بتجاهل هوية الأمّة، الإصلاح الحقيقي ينبثق من المجتمع ولا يفرض من
الخارج، الديمقراطية تقتضي رفع الوصاية عن الشعوب، عربون جدية منظمي المنتدى هو
إيقاف الانتهاكات الأمريكية الجارية في المنطقة العربية والإسلامية، وهو شرط
أولي للشروع في الحوار.
??
??
??
??