ما هي أسباب الاندفاع المصري نحو
شارون
اختلفت التحليلات لتحديد أسباب الاندفاعة
المصرية المفاجئة نحو الكيان الصهيوني ما أدى إلى إنجاز رزمة من الملفات دفعة
واحدة، وبدا واضحاً أن ما أُنجز كان نتيجة محاورات ومفاوضات استمرت أشهراً
عديدة.
التحليلات تشير إلى أن الرئيس المصري حسني مبارك رغب في تحسين علاقته بآرييل
شارون كي يفتح ثغرة في العلاقات المصرية الأمريكية تسمح بإعطاء واشنطن ضوءاً
أخضر لترشح نجله جمال إلى الانتخابات الرئاسية، وهو ما يسعى له مبارك منذ زمن
طويل. المصادر المصرية تنفي هذه المعلومات وتميل إلى تفسير الانفتاح المصري
المتجدد على الكيان الصهيوني بالتطورات السياسية الحاصلة في المنطقة والعالم.
فالقاهرة ترى أنه ما عاد ممكناً إبقاء العلاقات باردة وفي حدها الأدنى بين
مبارك وشارون بعدما تجاوز شارون كل محاولات إسقاطه في الكنيست وتمكن من
الاحتفاظ بعدد من أصوات النواب، لا بل أنه برهن عن قوة لا يستهان بها إذ أقال
عدداً من الوزراء والنواب وهدّد بعض الأحزاب المشاكسة، والأهم أنه أدار اللعبة
بمهارة بعدما نجح في ضمّ حزب العمل إلى صفّه.
التحليل المصري في هذا السياق يشير إلى أن شارون باقٍ في موقعه دون خطر حتى عام
2007 موعد إجراء الانتخابات التشريعية في الكيان الصهيوني. هذه القراءة عزّزها
انتصار الرئيس الأمريكي جورج بوش في الانتخابات الرئيسية: فاعتبرت القاهرة أن
المرحلة البوشية مستمرة، وأن السياسة الأمريكية في المنطقة ثابتة ومتجهة إلى
التنفيذ، وفق دعم بوش لشارون وأن مصر غير معنية بالجلوس والمراقبة، بل عليها أن
تكون شريكاً فاعلاً في صياغة المشاريع وحاضرة عند التنفيذ.
العامل المصري في تحليل أسباب الاندفاعة كان حاضراً بقوة، فالقراءة المصرية
للتطورات والتوقعات تشير إلى أن شارون جادّ في تنفيذ خطة الانفصال عن غزة، وأن
قطاع غزة يأتي ضمن نطاق المجال الحيوي الأمني المصري، فغزّة قريبة جداً من
سيناء وهي بوابة مصر الجنوبية، ولها حدود بحرية وبرية، وأي تطور سياسي أو أمني
في القطاع يؤثر على المجال المصري، خاصة وأن مصر تتخوف من تعزيز الحركات
الإسلامية لنفوذها في القطاع، وإن كانت المصادر الرسمية المصرية لا تؤمن بصدقية
العامل الأخير.
ولا شكّ أن القاهرة اهتمت بالمتغيرات الحاصلة مؤخراً في الساحة الفلسطينية.
فرحيل عرفات كما يعتبر المصريون أملى على القاهرة تقديم المساعدة للقيادة
الجديدة للسلطة الفلسطينية، انطلاقاً من حرص القاهرة القديم –كما يقول
المصريون- على دعم القضية الفلسطينية ودعم السلطة، ومصر وقفت إلى جانب السلطة
في أهم مراحلها وأزماتها، كانت عوناً لها على تجاوز الكثير من المِحن، وبالتالي
يرى المصريون أن إسناد أبو مازن في هذه الفترة لن يتم إلا من خلال التنسيق مع
الإسرائيليين، فالكيان الصهيوني هو الذي يتحكم بمفاصل السلطة الفلسطينية
الأمنية والمالية. وأي تقدّم في العلاقات المصرية – الفلسطينية يجب أن يمرّ من
الأبواب الإسرائيلية، وبما أن مصر حريصة على إنجاح قيادة السلطة الجديدة فهي في
نفس الوقت حريصة على إيجاد تفاهمات فلسطينية إسرائيلية مشتركة، لذلك فالدور
الذي ستلعبه مصر في هذا المجال لن ينجح بالشكل المطلوب إذا ظلت العلاقات
المصرية الإسرائيلية على برودتها. وحتى تُحسّن مصر من العلاقة الإسرائيلية –
الفلسطينية وجب عليها وفقاً لوجهة النظر المصرية تحسين العلاقات المصرية –
الإسرائيلية. لذلك اشتغلت الأوساط السياسية والأمنية مؤخراً على تحقيق انفراجات
في أكثر من اتجاه: إطلاق الجاسوس الإسرائيلي عزام عزام والحديث عن اقتراب إعادة
السفير المصري إلى الكيان الصهيوني، وتوقيع اتفاقية إنشاء مناطق الصناعة الحرة.
وسبق لمصر أن وجّهت للكيان الصهيوني رسائل إيجابية كثيرة، منها: السماح لفرقة
الإغاثة الإسرائيلية بالدخول إلى موقع عملية فندق هيلتون طابا، والسكوت المصري
عن استشهاد أربعة جنود مصريين في قصف صهيوني، ومنع قافلة مساعدات دولية من
الوصول إلى رفح عبر الأراضي المصرية، وغضّ النظر عن سقوط صاروخ إسرائيلي من
طائرة أباتشي على الأراضي المصرية، وتجاهل القاهرة لكل الاختراقات التي نفّذها
جنود صهاينة على الحدود.
لكن لماذا فعلت مصر كل هذا؟
المصادر المصرية الخاصة تشير إلى رغبة مصرية قوية في بقاء القاهرة حاضرة بقوة
على الساحة الإقليمية، خاصة بعدما سدّت في وجهها الساحتين السودانية والليبية.
فالمفاوضات في السودان تجري بدون تنسيق قوي مع المصريين وسط حضور أمريكي
وأوروبي، والعلاقات الليبية الأمريكية والأوروبية تتسارع والاتفاقيات توقّع
والصفقات تُجرى دون استشارة المصريين، وصار العقيد معمّر القذافي مرحّباً به في
الغرب أكثر من أي زعيم آخر. والأوروبيون يدعمون ليبيا بكل الوسائل. ومع عدم
بروز تطورات جدية على المسار التفاوضي السوري – الإسرائيلي، لم يبقَ أمام مصر
إلا البوابة الفلسطينية وشيء من الإطلالة على الوضع العراقي. لذلك اشتغلت مصر
بقوة في الآونة الأخيرة على خط الفصائل والقوى الفلسطينية لإقناعها بإعلان
هدنة، أو لتعزيز الحوار الداخلي وصولاً إلى إعلان تفاهم سياسي على الأقل. وكانت
مصر متخوفة من حالة الإرهاب التي مارسها الاحتلال ضدّ المدنيين الفلسطينيين من
قتل وتدمير واغتيال، ووجدت أن هدنة فلسطينية قد تخفف من الممارسات الإسرائيلية.
وقطعت مصر دوراً كبيراً في هذا المجال، لكن المفاجأة كانت تأجيل موعد مؤتمر
الحوار الذي كان مقرراً عقده في شهر كانون الأول/ديسمبر الماضي، ويبدو أن
المصريين حرصوا منذ البداية على تقوية وضع السلطة وإجراء انتخابات رئاسية قبل
الدخول في مشاورات داخل البيت الفلسطيني. ولا شكّ أن مصر ساهمت بشكل واضح في
تلميع صورة أبو مازن من خلال دعمهم له وتنديد الرئيس المصري بترشح مروان
البرغوثي.
لكن ما هي محاذير الدور المصري المتجدد؟
إن أصعب ما يواجه المصريين هو المشروع الإسرائيلي. فإذا كان المصريون يعتقدون
أن شارون يتجه نحو السلام فهم واهمون، فالمناخ العام في المنطقة ليس مناخ سلام،
والأولوية الصهيونية ليست للسلام، بل لضرب المقاومة في فلسطين ونزع سلاح
المقاومة في لبنان وتهديد سوريا وتحجيم قوة إيران. وشارون يعلن كل يوم أن
الهدنة لا تعنيه، ويواصل بناء جدار الفصل وتعزيز الاستيطان. وكان رئيس الوزراء
الصهيوني أرييل شارون واضحاً أثناء إلقائه كلمته في مؤتمر هرتسيليا حين أشار
إلى تفاهمه مع الإدارة الأمريكية على جملة من القواعد هي: عدم الانسحاب إلى
خطوط الرابع من حزيران/يونيو عام 1967، عدم إخلاء التجمعات الاستيطانية
الكبيرة، عدم الاعتراف بعودة اللاجئين، عدم التخلي عن القدس. فأي سلام يريد
شارون بعد كل ذلك؟
المعروف أن الكيان الصهيوني يحاول جرّ مصر إلى مأزق جديد وإلى زعزعة أمنها
واستقرارها وتوريطها في الأشواك. لذلك يصر شارون على استقدام قوات مصرية إلى
غزة لحماية الأمن الأمر الذي سيسبّب حرجاً لمصر ومقدمة لإدخالها في نزاعات مع
الفلسطينيين ومقاومتهم. وهو ما يجب على مصر وقيادتها أن تحذر منه، خصوصاً وأن
هذا المطلب يترافق مع مطلب إسرائيلي آخر هو رفع مستوى الحضور الأمني المصري على
الحدود لمنع إدخال الأسلحة إلى الأراضي الفلسطينية. مما يعني أن الكيان
الصهيوني يريد لمصر أن تكون حارساً على أمنه، بينما هو يمارس كل يوم عمليات
القتل والتهديد والاغتيال.
إذاً على السلطات المصرية أن تكون واعية ومتنبهة للخطوات الإسرائيلية وهذا
يحتّم على القاهرة ما يلي: الحذر من أي موقف إسرائيلي، عدم الانجرار وراء أي
مطلب صهيوني. وهذا يعني أن تكون مصر حريصة على أمنها ودورها واستقرارها وسلامة
حدودها، دون أن تتورط في أدوار تضرّ بالشعب الفلسطيني وقضيته وحقوقه، ويعني أن
تستمر مصر في دورها الحاضن لكل القوى الفلسطينية والمُدافع عن كل الشعب
الفلسطيني. وهذا يكون عبر قيام مصر برعاية حوار فلسطيني جدّي يؤدي إلى تفاهم
فلسطيني مشترك على البرنامج السياسي والقيادة الموحدة، وهما العنصر الأساس في
إنجاح المقاومة وتحقيق المصالح الفلسطينية.
تفاهم مصري – إسرائيلي
ذكرت وكالة أنباء الشرق الأوسط المصرية أن
تفاهماً مصرياً إسرائيلياً تم تجاه عدد من القضايا.
ونقلت الوكالة عن مصادر ((رفيعة المستوى)) قولها إن ((تفاهماً مهماً يصل إلى حد
الاتفاق المبدئي تمّ بين البلدين إضالة إلى السلطة الفلسطينية، وأطراف دولية
فاعلة بينها أمريكا وأوروبا في شأن تسوية شاملة للصراع العربي – الإسرائيلي)).
وذكرت المصادر أنه تمّ التوصل إلى اتفاق لوقف النار بين الفلسطينيين
والإسرائيليين تلتزم بموجبه السلطة الفلسطينية وقف العمليات ضدّ (إسرائيل)،
ويؤكد السيطرة على الأوضاع في غزة والضفة الغربية. وأشارت إلى أن رئيس الوزراء
الإسرائيلي أرييل شارون أكد التزامه وقف كل الأعمال العسكرية التي يقوم بها
الجيش الإسرائيلي ضد الفلسطينيين ((طالما بقي الالتزام الفلسطيني قائماً
والسيطرة متواصلة من جانب السلطة الفلسطينية)).
وأوضحت المصادر أن شارون ((لا يجد ضرورة في البداية لتوقيع اتفاق لوقف النار
حتى تتم إعادة بناء السلطة الفلسطينية بقدراتها الإدارية والأمنية، إلا أنه
ملتزم بوقف العمليات العسكرية طالما التزم الطرف الآخر)). وذكرت أن شارون أكد،
خلال لقائه وزير الخارجية أحمد أبو الغيط ورئيس جهاز الاستخبارات عمر سليمان،
أن (إسرائيل) ستتخذ من الإجراءات الخاصة ببناء الثقة ما يثبت عزمه على إقرار
الأوضاع في الأراضي الفلسطينية وفتح الطريق أمام التسوية وأشار إلى أن حكومته
ترى أن من الخطورة بمكان ترك الأوضاع الفلسطينية متدهورة، الأمر الذي يؤدي إلى
حرب أهلية فلسطينية – فلسطينية لا ترغب فيها (إسرائيل). وأوضحت المصادر أن
شارون وعد بشكل قاطع بأن تبدأ (إسرائيل) في الإفراج عن جزء من المبالغ
الفلسطينية المجمّدة لديها، كذلك إطلاق أعداد من السجناء وتسهيل حركة
الفلسطينيين بتخفيف الإجراءات المتبعة داخل الأراضي الفلسطينية ومنها إغلاق
المعابر وإقامة الحواجز.
وتوقعت المصادر أن يتواصل الإعداد حتى تموز/يوليو المقبل ليبدأ بعدئذ التحرك
السياسي بعقد مؤتمر في واشنطن تشارك فيه الأطراف المعنية بعملية السلام، خصوصاً
الإسرائيليين والفلسطينيين ومصر والولايات المتحدة وروسيا إلى جانب عدد من
الدول الأوروبية. وذكرت المصادر أن أول مجموعة من الكوادر الفلسطينية المرشحة
للتدرب في مصر ستصل في شباط/فبراير المقبل، وفي الشهر التالي آذار/مارس يبدأ
حوار فلسطيني – فلسطيني في القاهرة بهدف الاتفاق بين السلطة الفلسطينية وممثلي
الفصائل الفلسطينية على وقف النار. وأشارت إلى أن خطوات تنفيذية ستبدأ على
الفور في الضفة وغزة.
اتفاق اقتصادي
وقّعت مصر والكيان الصهيوني على اتفاق
لإنشاء المناطق الصناعية المؤهلة بين الجانبين.
ووقّع الاتفاق من الجانب المصري وزير التجارة والصناعة رشيد محمد رشيد ومن
الجانب الإسرائيلي نائب رئيس الوزراء وزير التجارة إيهود أولمرت في حضور رئيس
الوزراء المصري أحمد نظيف ووزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط وممثل التجارة
الأمريكي روبرت زوليك.
والاتفاق، المعروف اختصاراً باسم ((كويز))، يتيح لمنتجات صناعية مصرية دخول
السوق الأمريكية من دون تسديد رسوم جمركية شرط أن تكون 11.7% من مكوّناتها
مصنوعة في (إسرائيل).
وأوضحت السفارة الأمريكية في القاهرة أن هذا الاتفاق، الذي سبق للأردن أن وقّع
على مثله في العام 1999، يأتي بناء على تصريح منح الكونغرس الأمريكي في العام
1996 لرئيس الولايات المتحدة بالسماح لمصر والأردن بتصدير منتجات معفاة من
الجمارك إلى السوق الأمريكية طالما أنها تضمّ مكونات من (إسرائيل).
ويقضي الاتفاق بإنشاء ثلاث مناطق صناعية مؤهلة في مصر، الأولى في القاهرة
الكبرى التي تضمّ المدينتين الجديدتين ((السادس من أكتوبر والعاشر من رمضان))
والثانية في الإسكندرية والثالثة في بور سعيد، شرط ألا تقل القيمة المضافة في
المناطق الصناعية المؤهلة عن 35% وأن تساهم فيها كل من (إسرائيل) ومصر بنسبة
ثلث القيمة المضافة؛ أي 11.7%. ووفقاً لنص الاتفاق، لا بدّ من أن تقع أجزاء من
المناطق الصناعية المؤهلة في (إسرائيل) وأجزاء أخرى في مصر، إلا أنه لا يشترط
أن تكون متلاصقة جغرافياً، وقد يتمّ توسيعها إلى مواقع صناعية أخرى خلال مهلة
سنة حسب ما ذكر رشيد.
وتؤكد الحكومة المصرية أن اتفاق ((كويز)) يتيح لها زيادة حجم صادراتها من
الملابس الجاهزة.
وقال رئيس جمعية الصناعيين الإسرائيليين عوديد تيراح إن الاتفاق سيزيد قيمة
المبادلات التجارية الإسرائيلية المصرية من 44 مليون دولار إلى 70 مليون دور
سنوياً.
وصرّح أولمرت للصحفيين عقب اجتماع مع مبارك أن هذا الاتفاق يكتسب أهمية ((أبعد
بكثير من مجرّد تعزيز التجارة والاقتصاد، إنه إعلان من قِبل قوتين إقليميتين في
الشرق الأوسط بأنهما تعتزمان التوجه نحو تعاون أكبر بمساعدة الولايات
المتحدة)). وأكد أولمرت أنه بتوقيع هذا الاتفاق ((يمكن أن تكون لدينا ثقة هائلة
في استمرارية واستقرار العلاقات بين مصر وإسرائيل)). واعتبر أن هذا الاتفاق من
شأنه أن يعزز الاعتقاد بإمكان تحقيق ((حلم تغيير المناخ في الشرق الأوسط)).
وقال ((حين توقّع مصر اتفاقاً مع (إسرائيل)، توفّر ضوءاً أخضر للدول العربية
الأخرى)) للقيام بالمثل.
وأوضح أولمرت أن ((هذا الاتفاق يأتي تحت مظلة اتفاق التجارة الحرة الإسرائيلية
الأمريكية))، مشيراً إلى أن (إسرائيل) ستستفيد من رخص الأيدي العاملة في مصر
بما يعزز القدرة التنافسية لإنتاج الشركات الإسرائيلية.
وقال رشيد من جهته إن هذا الاتفاق يندرج في إطار ((العلاقات الاستراتيجية
للغاية)) التي تربط مصر بالولايات المتحدة، واصفاً إياه بأنه ((خطوة مهمة
باتجاه تعزيز علاقاتنا الاقتصادية)) مع (إسرائيل). وأكد أن ((هذه المبادرة
ستساهم بشكل إيجابي في تحقيق ازدهار إقليمي والتوصل إلى سلام عادل وشامل)) في
الشرق الأوسط.