حماس: عام جديد.. مرحلة جديدة
غزة/ياسر أبو هين
مع مرور سبعة عشر عاماً على تأسيس حركة المقاومة الإسلامية (حماس) لم يتوقف طرح
الأسئلة عن مستقبل هذه الحركة في ظل عملية التسوية والمتغيرات الدولية والعربية
بل والفلسطينية الداخلية، ولا شكّ أن لهذه الأسئلة وجاهتها خاصة وأن عملية
التسوية استهدفت تصفية القضية الفلسطينية، والقضاء على فصائل المقاومة التي تقف
على رأسها حركة حماس.
حول دور حركة حماس ومستقبلها السياسي وما هو المطلوب منها مستقبلاً كانت هذه
الحوارات مع عدد من المحللين والسياسيين الفلسطينيين.
عدلي صادق / محلل سياسي:
حماس يجب أن تشارك في رسم السياسة الفلسطينية وفي الإدارة العامة
-كيف ترى حماس
سياسياً اليوم؟
• من الناحية السياسية حماس ما تزال ثابتة على منطلقاتها الأساسية، لم يتأثر
خطابها السياسي بالتطورات ولا بالمعطيات التي أصبحت ضاغطة على الواقع الفلسطيني
الأمر الذي يدل على أنها لا تريد أن تبعثر أوراقها مجاناً. ففي حال انسداد
الأفق السياسي الذي يفضي بنا إلى تسوية متوازنة تضمن حق شعبنا في الاستقلال
والحرية وعودة اللاجئين الفلسطينيين وفق قرارات الشرعية الدولية، بدا واضحاً أن
حماس لا تريد أن تقدم أي أوراق مجانية كأن تتحدث مثلاً عن تسوية أو عن قبول
الحل القائم على فكرة الدولتين، باعتبار أن هذا التعاطي وبهذه اللغة يمكن أولاً
أن يؤثر على قواعد حركة حماس وقدرتها على التحشيد، وفي نفس الوقت يمكن أن يعطي
العدو ورقة دون أن يقدم هذا العدو شيئاً، وبالتالي سياسياً ما زالت الحركة
تتمسك بالمنطلقات التي كانت قد بدأت رحلتها على أساسها، لكنها في الوقت نفسه لا
تتصرف سياسياً كقوة عدمية أو غير قابلة للحوار. هي تخوض غمار الحوار ولكنها
تنتقي الألفاظ والتعبيرات والمواقف والتي تؤكد أن استمرار مثل هذا الحوار ممكن
لكن الورقة المجانية غير متاحة لمن يحاورها، وأنا هنا أسجل ملاحظتي على العيوب
الكامنة في أسلوب الحوار الفلسطيني نفسه، لأن بعض القوى الفلسطينية أحياناً
تبدو وكأنها تريد أن تنتزع من حماس موقفاً ليس في صالحها هي كطرف فلسطيني وإنما
لصالح التسوية وفي المحصلة لصالح الدولة العبرية، وهذا لا معنى له ولا يستقيم
مع المنطق لأن شارون عندما يرفض الهدنة مثلاً ويأتي من يفاوض حماس على التوقف
عن المقاومة، تبدو القوى الفلسطينية التي تطلب ذلك وكأنها تفاوض في قضية غيرها،
لكن حماس في تقديري باعتبار أنها حركة تنتمي لجماعة الإخوان المسلمين، ليست
حركة متطرفة بل هي حركة مستنيرة، وهي حركة تحرر وطني تطالب بحقوق تكفلها كل
الشرائع، وفي تقديري أن موقف حماس السياسي الراهن يحمل في حيثياته الداخلية وفي
جوهره التهيؤ للتعاطي مع التطورات السياسية حينما تكون هذه التطورات ماثلة في
الواقع المعاش، ولا ألوم حركة حماس حينما لا تتعاطى مع عرس سياسي موهوم يتحدث
عن تسوية قريبة بعد زوال ما أسموه بالعقبة وهو المرحوم الرئيس ياسر عرفات.
-ما هو المطلوب من حماس في المستقبل؟
• المطلوب منها مستقبلاً أن تكون جاهزة في حال لاحت آفاق تسوية متوازنة توفر
الحد الممكن للحقوق الفلسطينية غير القابلة للشطب أو التصرف ومن بينها حق
العودة وحق شعبنا في السيادة على القدس العربية، وأن تدخل بقوة لكي يكون موقفها
هو الموقف الذي يرجح هذه العملية ويصوب مسارها ويمنع انحرافها، لأن الدنيا لم
تنته وحماس بقدرتها على التواصل مع شعبنا، هي قادرة على أن تنتشر بالفكر
والموقف والقدرة على الممانعة في أوساط الشعب الفلسطيني وعلى أرض فلسطين
التاريخية.
الدكتور زياد أبو عمرو /
عضو المجلس التشريعي الفلسطيني:
حماس اليوم صاحبة مشروع وطني وليست حركة معارضة فقط
-بعد سبعة عشر عاماً
من تأسيس حركة حماس كيف تراها اليوم؟
• واضح أن حركة حماس تشكل ثقلاً رئيسياً في الساحة الفلسطينية من الناحية
السياسية وفيما يتعلق بالمقاومة، فحماس لم تولد في فراغ ولم تنشأ من فراغ، فهي
جاءت من صلب حركة هامة في التاريخ الفلسطيني ولها جذور تاريخية وهي جماعة
الإخوان المسلمين، ولكن حركة حماس جددت وأضافت بشكل كبير رصيداً وطنياً
وسياسياً واجتماعياً لجماعة الإخوان المسلمين ولنفسها، وهي أصبحت جزءاً أساسياً
من مكونات الوضع السياسي والاجتماعي والوطني الفلسطيني.
-هل من الممكن أن نرى تحولاً أكبر في الفكر السياسي
لحماس؟
• نعم حركة حماس حركة سياسية إسلامية لها برنامج ومشروع متكامل، وهي لا تستطيع
أن تعيش بمعزل عن التطورات والتغيرات التي تستوجب القيام بمراجعات، فحماس
تتبنّى عقيدة دين ودولة، وهي بالتالي مطالبة باستيعاب وعدم تجاهل ما يجري من
حولها من تطورات وتغيرات، الأمر الذي يقتضي التكيف في إطار ما تسمح به عقيدة
حماس الإسلامية.
-حسب المتغيرات الدولية هل تعتقد أن القادم هو الأصعب
بالنسبة لحماس؟
• ليس بالضرورة، فأنا أعتقد أن حماس استفادت من الكثير من المحن والأزمات
وأثبتت قدرتها على البقاء وأثبتت أنها وُجدت لتبقى، بل على العكس أنا أعتقد أن
الحركة اليوم هي في وضع من القوة يسمح لها بالتعاطي مع المتغيرات بالطريقة التي
تعود عليها وعلى الشعب الفلسطيني بالفائدة.
-برأيكم ما هو المطلوب من حماس مستقبلاً؟
• حركة حماس يجب أن تتصرف على اعتبار أنها صاحبة مشروع وطني وسياسي ويجب ألا
تتصرف فقط على أساس أنها حركة معارضة بالمفهوم التقليدي، لأن حركات المعارضة
مطلوب منها أيضاً أن تمارس القيادة والمبادرة السياسية والوطنية والاجتماعية.
وأعتقد أن حركة حماس ستجد نفسها بحاجة إلى تبنّي رؤية وطنية للشعب الفلسطيني
بشكل عام، وأعتقد أن الحركة تقوم بذلك بالفعل عندما تطالب بالشراكة السياسية
والمشاركة في عملية صنع القرار في إطار وطني واحد. وأنا أعتقد أن حركة حماس
تنظر إلى الوضع الفلسطيني والإقليمي والدولي بواقعية سياسية أيضاً في إطار
معتقداتها العقيدية والسياسية والوطنية.
الدكتور إبراهيم إبراش /
أستاذ العلوم السياسية في جامعة الأزهر:
حماس مطالبة بالالتقاء مع السلطة ضمن برنامج عمل وطني
-بماذا نجحت حماس؟
• ظهور حماس على ساحة العمل السياسي أضاف فعلاً نوعياً نضالياً، خصوصاً إذا
أخذنا بعين الاعتبار أن ظهورها كان في الانتفاضة الأولى وفي وقت كانت القضية
الفلسطينية تعيش انحساراً بعد خروج منظمة التحرير من بيروت وتشتتها في عدة
أماكن، لذلك ساعد ظهورها على تأكيد الانتفاضة الأولى إلى جانب التنظيمات
الأخرى. كما أن لها دوراً أساسياً في انتفاضة الأقصى الحالية، فحماس هي إضافة
نوعية متميزة على مستوى الفعل النضالي الفلسطيني، لكن الذي كان من الممكن أن
يجعل حضورها في الساحة الفلسطينية أكثر خدمة للقضية لو أنها وجدت نقاط التقاء
أكثر مع القوى السياسية الأخرى وخصوصاً مع تنظيم فتح، ما قبل أوسلو ثم مع
السلطة الوطنية بعد اتفاقية أوسلو.
أعتقد أن وجود حماس كحالة نضالية متميزة ببرامجها واستراتيجيتها عن السلطة
الفلسطينية اليوم هو الذي جعل بالفعل هناك نوعاً من عدم التفعيل للفعل النضالي
لدى حماس وعدم التفعيل للمسار السياسي لدى السلطة، بحيث بات وكأن الفعل النضالي
لدى حماس غير المنسق مع العمل السياسي للسلطة يضر بعمل السلطة السياسي أو يعطل
هذا المسار، وفي نفس الوقت فإنه عندما يكون هناك مسار سياسي تقوده السلطة وهو
يدين العمليات التي تقوم بها حماس فإن ذلك يسيء إلى حماس.
حقيقة كنا نتمنى بالفعل لو أن هذه الإضافة المتميزة للعمل النضالي الذي أضافته
حماس كان في إطار استراتيجية العمل الوطني، وفي جميع الحالات فإن حماس أثبتت
بالفعل حضورها ووجودها في الساحة وباعتراف جميع الأطراف داخلياً وخارجياً، وأنا
ومن وجهة نظر شخصية أعجب بالدور النضالي الذي تقوم به حماس.
-هل تعتقد أن حماس ستواجه ضغوطاً أصعب؟
• القادم هو الأصعب بالنسبة للجميع، لذلك أعتقد أنه كان المطلوب من حماس أن
تكون عندها وقفتان بالأساس، الأولى بعد أحداث 11 أيلول/سبتمبر فكان من الأفضل
لو توقفت حماس بعد هذه الأحداث وحاولت أن تستوعب دلالات هذا العمل وأبعاده على
مجمل الصراع في المنطقة، وأن تعيد النظر في العمليات التي سهلت على الاحتلال
إقناع العالم أن هناك وحدة حال ما بين حماس وما تقوم به أعمال داخل فلسطين وما
بين تنظيم القاعدة وما يقوم به من أعمال خارج فلسطين.
أما الوقفة الثانية المفترضة من حماس فهي أن تستوعب جيداً الاحتلال الأمريكي
للعراق والذي له انعكاسات كبيرة جداً على قضيتنا.
حركة حماس بدأت مؤخراً تتلمس هذا الخطر وبدأت تعيد النظر في بعض الأمور مثل
التفكير الجدي في الهدنة ومحاولة قصر العمليات الاستشهادية في داخل مدن الضفة
والقطاع بالإضافة إلى استعدادها للمشاركة في الانتخابات المحلية والتشريعية،
وهذه تمثل تحولات سياسية وليس بالضرورة لأن حماس أصبحت محاصرة ومدانة ولكن لأن
الفعل النضالي يجب أن يتغير ويتشكل حسب المتغيرات وهذا نوع من البراغماتية
السياسية.
-إذاً حماس بماذا مطالبة؟
• المطلوب أن تدرك جيداً أننا نعيش في مرحلة حرجة، وأن حماس كما هي مستهدفة فإن
الشعب الفلسطيني بكافة فصائله مستهدف، وأن تعيد النظر ليس بالأهداف وإنما
بتكتيكات أشكال النضال وأن تقترب أكثر من السلطة وتتفهم وضعها وأن تحاول أن
((تنحني للعاصفة)) وأن تعمل على خلق جبهة فلسطينية داخلية قوية تستطيع هذه
الجبهة أن تتصدّى لمشاريع التسوية المفروضة. على حماس أن تجد نوعاً من الالتقاء
مع السلطة ضمن برنامج عمل وطني، ونحن نفهم أن حماس تطالب بذلك وهي تقول إن
الممانعة تأتي من السلطة ولكن يمكن لحماس أن تتخذ خطوات للأمام بأن لا تكرر
دائماً نغمة أن هذه السلطة هي سلطة حكم ذاتي وأنها سلطة أوسلو ونحن لا نشارك في
الحكم الذاتي ولا نعترف بأوسلو.